لا ندري هل نشفق أو نتعاطف مع دول وشعوب مجلس التعاون الخليجي بعد أن كشفت لهم الحرب الظالمة على إيران أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة ظلت تضحك عليهم منذ عدة عقود، وتوهمهم بأن القواعد العسكرية الأمريكية التي أُنشئت في أراضيهم، وينفقون عليها مليارات الدولارات من أموالهم سنويًا، كان الهدف منها حمايتهم والدفاع عنهم، وبدلًا من أن يتحقق هذا الهدف صارت الأنظمة الخليجية هي من تدافع عن أمريكا وليس أمريكا من تدافع عنهم، فكانت الصدمة كبيرة بالنسبة لهم؛ إذ لم يكونوا يتوقعون أن يأتي يوم يكتشفون فيه هذه الحقيقة ويندمون أشد الندم على ارتمائهم في الحضن الأمريكي ومعاداة جيرانهم، الذين لو تعاملوا معهم بحسن نية لكانوا أول من سيهب للدفاع عنهم في حالة تعرضهم لأي أخطار، طالما أنهم لا يثقون في جيوشهم لتقوم بهذه المهمة. وأنا أتابع هذا المشهد الذي جعل أنظمة دول مجلس التعاون الخليجي في حيرة من أمرها أمام الموقف الأمريكي، وأثبت أن إسرائيل هي الكل في الكل والمستهدفة أصلًا من وجود القواعد العسكرية في منطقة الخليج للدفاع عنها وحمايتها، تذكرت مقالًا كان قد كتبه الشيخ عبدالعزيز المساعيد رحمه الله، عميد دار الرأي العام الكويتية، رئيس مجلس الأمة فيما بعد، في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي ضمن زاويته الأسبوعية: بالقلم الأحمر في مجلة النهضة بعنوان: اليمنوالعراق جناحا مجلس التعاون الخليجي، طالب فيه آنذاك من جميع الدول الخليجية أن تسارع إلى ضم اليمنوالعراق كعضوين في مجلس التعاون الخليجي، وسيكونان كفيلين بالدفاع عنهم في حالة تعرضهم لأخطار، وفي نفس الوقت سيشكلان ركيزة للتنمية في شعوبهم بحكم ما يمتلكانه من مخزون بشري، محذرًا من الاعتماد على الحماية الأمريكية والغربية التي تبتزهم وتفرض عليهم شروطها وأجندتها، وتحرضهم على استعداء جيرانهم الذين هم الأقرب إليهم من غيرهم ويكنون لهم كل الحب والاحترام ولا يريدون لهم إلا الخير. لكن بدلًا من أن يتم مناقشة وجهة نظر الشيخ المساعيد قوبلت بحملة إعلامية شرسة، لاسيما من قبل الإعلام السعودي، تتهمه بأنه أصبح عميلًا لليمن والعراق، وأنه يريد أن يستولي الشعبان في اليمنوالعراق على ثروات دول مجلس التعاون الخليجي، وتم التركيز في الحملة الإعلامية على اليمن كونه بلدًا فقيرًا طامعًا في ثروتهم حسب زعمهم، متجاهلين أن مئات الآلاف من اليمنيين المتواجدين في بلدانهم كعمالة غير مكلفة وكفؤة كان لهم الفضل في تشييد البنية التحتية لدولهم، وخاصة في السعودية، ومع ذلك يمنّون عليهم وكأن ما يحصلون عليه من أجر مقابل جهدهم وعملهم هو صدقة منهم، ولا زالت هذه النظرة من التعالي قائمة حتى اليوم. ولأن العراق حينها قد ظل محتفظًا بجيشه قويًا بفضل الدعم الخليجي له أثناء حرب الثمانية أعوام مع إيران، فقد شعر الرئيس صدام حسين بأن موقف الدول الخليجية قد بدأ يتغير إزاء العراق بإيعاز أمريكي بعد توقف الحرب، فدعا إلى إنشاء مجلس للتعاون العربي تكون من اليمن ومصر والعراق والأردن، وهو ما شكل قلقًا وإزعاجًا لدول مجلس التعاون الخليجي، وخشيت السعودية أن يخرج اليمن من تحت عباءتها وأن يؤثر العراق على النظام في اليمن بما سيقدمه له من مساعدات تحل محل المساعدات السعودية ويتحرر تدريجيًا من هيمنتها بعد أن أصبح كبيرًا وقويًا بإعادة تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو عام 1990م. فكان رد الفعل أن استغلت دول مجلس التعاون الخليجي وضع العراق الاقتصادي بعد خروجه من حربه غير العادلة مع إيران، والذي اعترف الرئيس صدام حسين بعظمة لسانه بأن السعودية ودول الخليج هم من ورطوه فيها بهدف إضعاف العراقوإيران معًا، فتم تحريض الكويت على استفزاز العراق من خلال رفع إنتاج النفط لتهبط أسعاره وليزداد إغراق العراق بالديون، فكانت النتيجة كارثية حيث تم غزو الكويت واحتلالها من قبل العراق، وبهذا العمل المجنون انتهى مجلس التعاون العربي وكأنه ولد ميتًا نظرًا لقصر الفترة التي عاشها. وقد جلب تهور النظام العراقي المزيد من القوات الأجنبية إلى المنطقة بحجة تحرير الكويت، واستحداث قواعد عسكرية أمريكية جديدة في الكويت وقطر والإمارات، وهي القواعد التي تقصفها إيران اليوم وشكلت منطلقًا للعدوان على إيران منذ يومه الأول، ولم تكن تعلم دول الخليج أن إشعال ترمب لهذه الحرب الظالمة على إيران من أراضيها سترتد تداعياتها عليها وستدفع الثمن باهظًا لاعتقادها الراسخ بأن القواعد العسكرية في أراضيها هي من أجل حمايتها والدفاع عنها، خاصة إذا كان التحرك ضدها من قبل إيران التي تم استعداؤها خدمة لإسرائيل وصوروها في إعلامهم بأنها عدوهم اللدود، بينما الحقيقة تختلف تمامًا؛ فلا القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة في أراضيهم من أجل الدفاع عنهم كما أشرنا آنفًا، ولا إيران عدوتهم. إن هذا الضعف لدى دول مجلس التعاون الخليجي رغم ما يمتلكونه من إمكانيات اقتصادية كبيرة، لو وُظفت لصالح شعوبهم وتم الاعتماد على جيوشهم للدفاع عنهم لتحولوا إلى أقوياء، لكنهم لا يثقون أصلًا في جيوشهم. ومن الطريف جدًا أن الأمير تركي الفيصل مدير جهاز المخابرات السعودي الأسبق قال في مقابلة تلفزيونية عقب شن العدوان على اليمن بأيام قليلة، تعليقًا على قيادة بلده مع سيدته أمريكا للعدوان الظالم على الشعب اليمني، إن الحرب على اليمن قد أثبتت بأن الجيش السعودي جيش محترف. ونحن نوافق تركي الفيصل في وصفه لجيشه السعودي بالمحترف، ولكن احتراف في عملية الهروب وليس في عملية المواجهة والقتال، وما حدث لهذا الجيش المسنود بقصف الطائرات ومشاركة مرتزقة العالم المحترفين للقتال إلى جانبه يؤكد أنه الجيش الذي يصح أن نطلق عليه: الجيش الورقي، وهكذا هو حال جيوش بقية الدول الخليجية، وخير شاهد استنجادهم اليوم بأمريكا التي لم تعرهم اهتمامًا، فهل يتعظون بما حدث لهم وكيف تعاملت معهم أمريكا وتركتهم فريسة لا حول لهم ولا قوة؟ والحمد لله على نعمة السيادة والاستقلال.