يؤدي الكثير من المسلمين الفرائض والشعائر الدينية مثل الصلاة وصيام شهر رمضان والسفر لأداء العمرة او الحج، ويبدو أن من يفعلون ذلك يتصورون في قرار أنفسهم أن أداء مثل هذه العبادات هو أكبر ضامن لهم لدخول الجنة، والحقيقة الغريبة هي ان القرآن الكريم لم يعط ضماناً على الإطلاق بدخول الجنة، فالقرآن أعطى أولوية أيضاً لأمور أخرى غفل عنها الكثيرون. وليس هناك ما هو اوضح وابلغ مما جاء في الآية القرآنية الكريمة والتي تتحدث عن "عقبة" أو حائل يقف بين الإنسان وبين دخول الجنة، وتصف الآية الرائعة كيفية اجتياز هذا المانع أو اجتياحه أو كما وصفت الآية الكريمة "اقتحامه" فقال عز وجل في سورة البلد : (فلا اقتحم العقبة..وما أدراك ما العقبة..فك رقبة..او إطعام في يوم ذي مسغبة..يتيماً ذا مقربة..او مسكيناً ذا متربة..ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة..اولئك أصحاب الميمنة)، صدق الله العظيم، يا له من وصف ونسج أدبي رائع وبليغ "فأول عقبة" تعيق الإنسان عن دخول جنات الفردوس الأعلى يكون اقتحامها من خلال فك "رقبة" أي تحرير إنسان من العبودية أو الرق. الأمر بفك الرقاب في القرآن كان واضحاً كالشمس أيضاً، إذ يقول الله تعالى : "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم"، صدق الله العظيم، وهي الآية التي تحدد مصارف الزكاة وقد يتساءل البعض عن كيفية فك الرقاب في زمننا الحاضر وليس هناك عبيد؟، وهنا يأتي التأويل بأن الإنسان في وقتنا الحالي قد يكون عبداً للفقر والجوع أو الظلم والهوان وأن إنقاذ البشر وانتشالهم من ذل العوز والاحتياج والقهر هو أفضل فك لرقابهم من ذل العبودية والإمتهان لمثل هذه الأمور. اما العقبة الثانية، وهذا كما ذكرت الآية الكريمة بإطعام في يوم ذي هول شديد "ذي مسغبة"، يتيماً "قريباً" ذا مقربة، والقرب قد يكون في قرابة الدم أو قرب المكان أو في مفهوم الإنسانية عامة، وقد يكون ب"إطعام مسكين" في قمة ضعفه وقلة حيلته حتى أنه عجز عن إزالة التراب عن جلده، فاكتسى بصورة البؤس والهوان كما وصفه القرآن بأنه أي المسكين : "ذا متربة"، وكما نلحظ هنا أن الله جل جلاله ذكر في القرآن تعبيرات "يتيماً" و"مسكيناً" ومن قبلهما "رقبة" من دون استخدام أي أدوات تعريف مثل استخدام "ال" قبل الكلمة حتى يعمم المعنى على الجميع أياً كان دينهم أو عقيدتهم، فلم يقل عز وجل : يطعمون اليتيم المسلم أو المسكين المسلم بل قال بصيغة النكرة : "أو إطعام في يوم ذي مسغبة. يتيماً ذا مقربة..او مسكيناً ذا متربة" كي يسري المعنى على أي يتيم او أي مسكين وليس هذا الأمر بمستغرب في القرآن، وذكر أيضاً " ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا"، صدق عز من قائل، ثم يصف لنا القرآن بعد ذلك كيفية اقتحام العقبة الأخيرة، لدخول جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب فكان ذلك بالتحلي بالصبر وبأن يكون الإنسان في قلبه رحمة "وتواصوا بالمرحمة"، وما أدراكم ما هي الرحمة، فالرحمة يا عباد الله لا تجعل إنساناً يعتدي على آخرين، والرحمة لا تجعله يظلم زوجته ولا الزوجه تظلم زوجها، والرحمة لا تسمح له أن يأكل حق غيره في الميراث، والرحمة لا تعطيه مجالاً أن يتعصب ضد جاره لأنه مختلف عنه في التوجه او الحزب او حتى العقيدة، بل إن الرحمة تدعو إلى العدل والإنسانية ومد اليد بلا تردد لكل من يحتاجها، فالرحمة كنز مكنون وينبوع يفيض بالغيث والخير لكل من لجأ إليه في ساعات الرخأ والعسرة، فاين أنتم ايها المتسابقون الى رحاب روضات الخلد ويا من تحبون التجارة الرابحة مع الله ورسوله من هذه القيم والمبادئ والأصول الحية، التي تحيي القلوب والأرواح والأفئدة قبل الأجساد والتي للأسف اضحى لا يكترث اليها إلا من رحم ربي وقلة من الناس على مضض.