تتناول الورقة مسيرة الحركة السلفية في اليمن، بدءاً بمرحلة التأسيس وما تبعها من انشقاقات واختلافات طبعت مسار الحركة فيما بعد، في ضوء الأحداث والتغيرات التي أثرت في الحركة وكغيرها من القوى والمكونات اليمنية، يرتبط مستقبل الجماعات السلفية اليمنية بمستقبل اليمن عامة، وما ستؤول إليه الأوضاع الناجمة عن الحرب، كما يرتبط مصير السلفيين – إلى حدٍ كبير- بما سيكون عليه وضع القوى والجهات التي ارتبطوا بها، خاصة الكيانات السلفية التي جعلت منها الحرب أدوات وظيفية لبعض القوى الداخلية والخارجية. 5- صاحب فشل الربيع العربي ردة لدى كثير من السلفيين الذين بدأوا يعتقدون بإمكانية التغيير السلمي، وبدلا من العودة إلى طريقة تفكيرهم القديمة باعتقادهم أن العمل السياسي والحزبي حرام، أصبح يؤمن البعض منهم بالعنف كوسيلة أوصلت خصومهم العقائديين مثل الحوثيين في اليمن إلى الحكم، وهو ما جعل بعض الجماعات الإرهابية كتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية استغلال حالة اليأس لدى بعض السلفيين واستقطابهم إلى صفوفها.
وعلى الرغم من ظهور قوى وتشكيلات سلفية جديدة، فإن التيارين الرئيسيين: السلفية التقليدية ممثلة بمدرسة دماج وفروعها، والسلفية الحركية (الجديدة)، لا يزالان يغطيان غالبية الخارطة السلفية. ويمكن استشراف مستقبل السلفية بجناحيها في ضوء واقعهما الراهن ومواقفهما من القضايا الرئيسية والتحديات التي تواجه كلاً منهما.
أولاً: السلفية التقليدية على الرغم من أن التيار السلفي التقليدي تعرض لاهتزازات كبيرة جراء حرب الحوثيين على أنصاره ومراكزه، ومنها المركز الرئيس في دماج بصعدة، إلا أن الدعم السعودي أعاد للتيار اعتباره وعوّضه عما خسره في الجولات الأولى من الحرب، بل إن التيار نفسه بات ضمن القوى التي تتصدر المشهد. ويشير الأمر إلى أن مستقبل السلفيين التقليديين مرهونٌ بهذا الدعم الذي يشمل إنشاء مراكز ومساجد جديدة، تمكنهم من الاحتفاظ بالمكانة التي وصلوا إليها في الوقت الراهن، وتضمن لهم التوسع مستقبلاً على حساب القوى والتيارات الأخرى، ويظهر ذلك من خلال إنشاء وتأسيس المراكز السلفية في عدد من المحافظات الجنوبية والشرقية، مثل المهرة والضالع ومأرب، كما أن تشييدها في مناطق جغرافية لم تكن ضمن خارطة الاهتمام في الفترة الماضية، يثير التساؤلات حول ما إذا كان الأمر يأتي في سياق الصراع على النفوذ، حيث ينظر مراقبون إلى هذه المراكز بوصفها مشاريع سعودية لتعزيز نفوذها، وذلك لمواجهة النفوذ العُماني في محافظة المهرة، ونفوذ حزب الإصلاح في مأرب، ووضع حد للوجود السلفي ذي الارتباط بدولة الكويت في محافظة الضالع. والمؤكد هنا أن التيار السلفي التقليدي سيستفيد من الدعم السعودي في الوقت الراهن وفي المستقبل القريب، وهو ما يدعم حظوظه في البقاء والتوسع كلما سعت الرياض لتوسيع نفوذها ومواجهة خصومها المحليين والإقليميين باستخدام ورقة الجماعة السلفية.
ثانياً: السلفية الحركية (الجديدة) بالإضافة إلى التحديات التي تواجه الحركة السلفية بشكل عام، يواجه تيار السلفية الجديدة تحديات ترتبط في الغالب بانتقاله إلى العمل السياسي وتأسيس أحزاب سياسية، ومن تلك التحديات ما يلي: • ثنائية الحزب والجمعية شهد التيار السلفي الجديد تحولين مهمين، تمثل الأول في الانشقاق عن السلفية التقليدية وتأسيس جمعية الحكمة اليمنية ثم جمعية الإحسان الخيرية في تسعينيات القرن الماضي، أما التحول الثاني فتجلى في المشاركة في الثورة الشعبية والعمل السياسي من خلال تأسيس أحزاب سلفية، وهنا يظهر التحدي الأبرز، ويتمثل في ضرورة الفصل الإداري والتنظيمي بين الحزب والجمعية، فلكل منهما خصائصه وسماته ومجال اشتغاله. كما أن مستقبل هذا التيار مرتبط بإمكانية تجاوز واقعه الراهن، وقدرته على صناعة علاقات جديدة مع الأطراف السياسية والفكرية اليمنية، وبقدر ما حقق هذا التيار من إنجاز تمثل في الانتقال من السلبية تجاه العمل السياسي إلى التفاعل الإيجابي، فإنه مطالَب بإنجاز خطاب يعكس هذا الانتقال، ويعبر عنه باعتباره نتاج تطور فكري وإدراك للواقع وتحدياته. • التمويل الخارجي وتداعياته ارتبطت الحركة السلفية اليمنية بجناحيها التقليدي والجديد بالدعم والتمويل الخليجي والسعودي خاصة، لاعتبارات عدة منها العلاقة الفكرية والمنهجية بين سلفيي اليمن والداعمين الخليجيين، إذ ينتمون جميعاً للمدرسة السلفية الوهابية، وللتقارب الجغرافي بين اليمن والخليج، وجاءت الأحداث والتطورات المحلية في اليمن – وآخرها الحرب الراهنة- لتعزز العلاقة ويستمر الدعم متخذاً أشكالاً عدة، ومحكوماً بعوامل جديدة، من ذلك أن الدعم السعودي يتركز غالباً على التيار السلفي التقليدي، بينما يعتمد التيار الجديد من السلفية اليمنية على دعم جمعيات وهيئات خيرية سلفية كويتية وقطرية، وأهم عامل يتحكم في الدعم هو التوافق الفكري ومدى الالتزام بالخط المنهجي السلفي، ففيما تلتزم هيئات الدعم السعودية بالسلفية التقليدية وتدعم الأتباع الأكثر التزاما بالمنهج ذاته، تنزع نظيراتها في الكويت وقطر للتجديد ودعم التيار السلفي المتوافق معها. وتبعاً لذلك يظهر هذا الدعم -في الوقت الراهن كما وفي المستقبل القريب – كرافد مهم في دعم الأنشطة وتعزيز الحضور السلفي، لكنه يشكل في الوقت ذاته تحدياً رئيسياً بالنسبة للتيار السلفي الذي آثر الانتقال للعمل الحزبي والمشاركة السياسية، حيث يصبح الدعم مقيداً بما يسمح به النظام والقانون، ومقتضيات الممارسة الديمقراطية والتنافس الحزبي، علاوة على ضرورة بقاء الدعم بعيداً عن إمكانية التأثير في استقلالية القرار داخل الأطر الحزبية القيادية. وبقدر ما يحد ذلك من إمكانية الحصول على الدعم فإنه يدفع السلفيين لتعزيز الاستقلالية وانتهاج تجربة جديدة غير متأثرة بحالة الولاء والتبعية التي طبعت المسيرة السلفية خلال السنوات الماضية. • الارتباط الفكري والهموم المحلية كغيرها من الأحزاب والتيارات السياسية اليمنية تعاني الأحزاب السلفية إشكالية التبعية الفكرية والالتزام الأيديولوجي، وهو ما يجعلها تعيش التحدي ذاته، ويجعلها مطالبة – مع مرور الوقت- بتحقيق أكبر قدر ممكن من الاستقلال الفكري، وبالتالي يتعين عليها إنتاج نظريات مستقلة تلبي حاجات الواقع المحلي وتراعي ظروفه وتواجه تحديات البيئة المحيطة، ولا تكون مجرد انعكاس لأفكار وتصورات قادمة من وراء الحدود. ويلاحظ المراقبون أنه لم تتبلور عن الأحزاب السلفية نظرية سياسية خاصة، ولا تزال واجهات المواقع الإليكترونية للأحزاب السلفية (اتحاد الرشاد وحزب السلم والتنمية) شبه خالية من الإنتاج الفكري المحلي الذي يراعي التطور الذي حدث في مسار الحركة السلفية، وهو ما يحتم على القيادة التصدي لهذا الأمر وعدم الاكتفاء بنقل ما ينتجه الآخرون من خارج اليمن، خاصة وأن التيار السلفي الجديد يضم شخصيات قادرة على سد هذه الثغرة، وبلورة رؤى ونظريات محلية تواكب التطورات وتعبر عن الموقف منها. نقلا عن مركز ابعاد للدراسات والبحوث