الجنوب يخوض معركة "ذات البناكس": دماء الشهداء فوق كل مساومة    حضرموت لن تنسى ولن تغفر.. شبوة برس" ينشر أسماء شهداء الغدر الخنبشي والمليشاوي الغازي لحضرموت    رحيل المناضل الرابطي علي عوض كازمي... ذاكرة وطن لا تنطفئ    البخيتي والحسام يتفقدان المرحلة الرابعة للمركز الاختباري بجامعة صنعاء    أشاد بتوجه رأس المال الوطني نحو استثمارات تدعم خطط توطين الصناعات..القائم بأعمال وزير الاقتصاد يزور عددًا من المصانع الإنتاجية    فيمانعاه مجلس الشورى وأشاد بجهوده الوطنية.. الرئيس المشاط يعزي في وفاة الشيخ محمد علي التويتي    وثائق عرفية وقبلية من برط اليمن "40"    إيران.. شعب لا يهزم    وزارة الاقتصاد تؤكد عدم رفع أسعار المياه الصحية    مسيرات وجهوزية يمنية تؤكد أن :محور الجهاد والمقاومة ثابت في مواجهة الكفر والطغيان الصهيوأمريكي    رياح الغضب.. والصهيونية المتطرفة!!    وزارة حرب على مقاييس هيغسيث وترامب    الدورات الصيفية للطالبات بأمانة العاصمة تشهد إقبالا لافتاً في أسبوعها الأول    المتحف الحربي يفتح ابوابه مجاناً لطلاب المراكز الصيفية    المدارس الصيفية.. جبهة الوعي وبوابة صناعة المستقبل    خواطر ومحطات حول الوحدة اليمنية الحلقة (60)    استئناف افتتاح متحف الموروث الشعبي بصنعاء    مرض السرطان ( 6 )    الحالمي: استهداف حضرموت امتداد لمحاولات طمس القضية الجنوبية والانقلاب على منجزاتها    منظمة هيومن رايتس فاونديشن تدين مجزرة المكلا وتطالب بتحقيق دولي    اتحاد كرة القدم يحدد نهاية إبريل الجاري موعدا جديدا لانطلاق بطولتي كأس الجمهورية والدوري اليمني    سياسية الإصلاح تحذر من تداعيات استمرار إخفاء قحطان على مسار السلام    الشاشات ليست مجرد ترفيه.. تأثيرات طويلة المدى على دماغ طفلك    مجلس الشورى ينعي عضو المجلس محمد علي التويتي    الرئيس المشاط يعزّي الشيخ عبدالله الثابتي في وفاة والدته    إحباط تهريب قطع اثرية في مذيخرة    هاني مسهور: تجاهل اليمن دوليًا يفتح الباب للإفلات من العقاب.. ودعوة لتدويل قضية الجنوب    المكلا تُذبح بصمت... والرصاص يكتب فجرها الأسود    لماذا بقيت مأساة المكلا خارج الاهتمام الدولي؟ قراءة قانونية تكشف قصور الأداء الانتقالي    مدير عام المنصورة يناقش أوضاع وأداء مستشفى مايو الجراحي    فيسبوك تغلق صفحة الإعلامي الجنوبي غازي العلوي بعد 17 عامًا من النشاط ودون أي مبررات    اتحاد إب يواجه أزمة مالية خانقة تُعقّد مهمته لتمثيل المحافظة في الدوري اليمني    صنعاء: إعادة افتتاح متحف تعرض لقصف إسرائيلي    خلال 3 أشهر.. الهجرة الدولية توثق نزوح 813 أسرة أغلبها استقرت في مأرب    مليشيا الحوثي تشطب أكثر من أربعة آلاف وكالة تجارية لإحلال بدلاء موالين لها    وفاة مواطن داخل أحد سجون مليشيا الحوثي في إب وسط ظروف غامضة    صوت الذاكرة: المرأة المبدعة بين الأدب المبتكر والإبداع الرقمي الثقافي مقاربة تحليلية في تحوّلات الخطاب النسوي المعاصر    المهرة مهددة بالظلام.. مشاكل قطاع الكهرباء تعود إلى الواجهة وحكومة الزنداني تقف امام اول اختبار حقيقي    البرلماني حاشد يخاطب البرلمان الدولي: أتعرض لابتزاز سياسي ممنهج وحرمان متعمد من العلاج يرقى إلى تهديد مباشر للحق في الحياة    اتحاد كرة القدم يتفق مع وزارة الشباب والرياضة لتأجيل موعد الدوري اليمني ومعالجة مشاكل أندية عدن وتعز    وفاة ثلاث شقيقات غرقاً أثناء محاولة إنقاذ في حجة    رشاد العليمي.. الرئيس اللعنة الذي أنهك الجنوب وأغرقه في الفشل.. سجل قبيح من الحرب والعداء والخبث    شيطنة الخصم حتى يستحق القتل    في زنجبار كيف أثر ابن سميط في إنجرامس قبل وصوله لحضرموت    وزير الكهرباء ورئيس مصلحة الجمارك يبحثان تطوير التسهيلات الجمركية لقطاع الطاقة    عوامل تزيد خطر الوفاة بعد سن الخمسين    مراثي القيامة    الخارجية الإماراتية توضح بشأن أوضاع الجالية الإيرانية    هيئة الشؤون البحرية بحضرموت: موانئ البحر العربي تمتلك مقومات التحول إلى مراكز لوجستية عالمية    اليمنية تستأنف رحلات عدن – عمّان ابتداءً من 1 إبريل    عدن.. نقل عريس إلى العناية المركزة بسبب منشط جنسي    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليفربول .. ما هي وجهة صلاح المقبلة؟    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    رسمياً.. 3 دول تفاجئ العالم باعلان الخميس أول أيام عيد الفطر    وزارة الأوقاف:الخميس متمم لشهر رمضان والجمعة أول ايام عيد الفطر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التحالف من أجل العدالة والوحدة.. سؤال الهوية ... وعن أهمية العدل(2-4)
نشر في البيضاء برس يوم 14 - 09 - 2009

مع مرور الزمن أمكن تجاوز حساسيات المذهبية في الشمال لصالح وطنية يمنية جامعة.. وحيث يوخذ على بيت حميد الدين الإعتداد المفرط بالعرق والنسب ( وقد يعذرون نسبيا في بيئة تُعْلِيْ من شأن الإعتداد بالحسب والنسب عوضا عن العمل والإنجاز) إلا أن الأئمة من بيت حميد الدين لم يكونوا متعصبين مذهبيا كالحوثي اليوم أو قياسا إلى بعض أسلافهم كالمتوكل إسماعيل بن القاسم الذي وحد اليمن كلها تقريبا في عهده لكنه كان ينظر إلى مخالفي مذهبه باعتبارهم كفار تأويل يجب أن تؤخذ منهم الجزية وكان يصر على الأذان بحي على خير العمل حتى في حضرموت عندما وصل إليها حكمه...
وأيا ما كان الإختلاف حول شخصية الإمام يحيى ودوره فقد ظل متمسكا بوحدة الأراضي اليمنية ورفع لواء التوحد ونجح في ذلك أحيانا وأخفق في أحيان أخرى..وفيما تزعزعت أمام دهاءه وتصميمه وحنكته قوى محلية كثيرة وخضعت لحكمه راضية أو مجبرة فلم يستطع أن يتغلب على جميع خصومه ومناوئيه ومنافسيه في جزيرة العرب حيث تراجع أمام عبد العزيز آل سعود الأكثر ديناميكية وفطنة وبعد نظر في التعامل مع الخارج والداخل ، على الرغم أن كليهما كان يستند إلى أيديولوجية أصولية وأتباع يقاتلون خصومهما جهادا..لكن يبدو أن عبد العزيز آل سعود كان أسطورة بحق في الحنكة والقيادة والدهاء السياسي وربما أنه قد ساعده أيضا على تحيق أهدافه عدم عداوته مع بريطانيا واكتشاف كميات كبيرة من النفط في مملكته خلافا للإمام يحيى الذي كانت عدواته مع بريطاينا كبيرة بسبب إحتلال الجنوب من قبل بريطانيا ولم تعرف مملكته سوى البؤس ولم يُكْتَشَفْ فيها النفط...
كان ابن سعود يردد كثيرا أمام زواره بأنه مجرد قبيلي وعادة ما يقول : " تروا حِنَّا قبايل علمونا ..." ... أما الإمام يحيى فقد كان كثيرا ما يظهر الإعتداد بنفسه ، والحق فقد كان عالما كبيرا وأديبا وشاعرا وهو الذي ينسب إليه أمين الريحاني المقولة الشهيرة " قبح الله ملكا يدخل عليه من هو أعلم منه
(1 ) غير أن السؤال الكبير يظل هو لما ذا آثر ذلك الملك العالم والأديب الكبير العزلة حتى أنه لم يعرف البحر في حياته ولم يقم بزيارة داخلية أو خارجية سوى إلى منطقة دمت ( 2)... لا أخفي إحترامي لذلك الرجل لدوره في تأسيس الدولة اليمنية الحديثة لكن لا بد للمرأ أن يشعر بحزن وحسرة وألم جراء سياسة العزلة التي ضربها الإمام يحيى على نفسه وشعبه ووطنه وكانت ولا تزال نتائجها كارثية علينا ...ولا شك أنه نفسه قد ذهب ضحية لتلك السياسة الغريبة...وقال الريحاني إن شخصية الإمام يحيى تنطوي على متناقضات يصعب تفسيرها ، ففي حين أنه شاعر مجيد وعالم كبير ويحب العلم لكنه لا يعمل على نشره ! وفي حين تجده يهتم بنشر العدل ويتطلف وقد يقوم واقفا للسلام على صبي أو خادم فإنه قد يسلم على زواره الكبار جالسا وهذا ما حصل مع أمين الريحاني وزميله قسطنطين وخادمهم وغيرهم أيضا!( 3) أما هارولد إنجرامز فيقول عن الإمام يحيى ما يلي : " كان الإمام يحيى قد تخطى السبعين عندما التقيت به .كان منحني الظهر وينوء متوكئا على عصا عندما يمشي ولكن كانت له ملامح ودودة ترتسم على وجهه المتعضن ...وقد قابلني بترحاب حار وهو يبتسم بينما كان يصافحني .وإذا كان البعض يعتبرونه مجرد عجوز ضيق الأفق ومتصلب وخسيس ومغلول اليد وإن كان لا يخلو أحيانا من بعض نوبات الخير فإنني وجدته شيخا ذكيا قادرا على أن يزن الأمور في ضوء ما يعرفه عن العالم ، وهو قيمه الزيدية وإمكانات بلاده "( 4)
دخل الإمام يحيى في صراع مع الكثير من الزعامات المحلية في ما كان يسمى المحميات وكانت البيضاء في حال أشبه بالمحميات في الجنوب من عدة جوانب إلى عام 1340 هجري فلم تخضع للحكم البريطاني ولم تخضع لحكم الأئمة إلا فترة وجيزة أثناء بسط دولة المتوكل إسماعيل نفوذها على كل اليمن ...وفي أثناء خلاف الرصاص مع حكومة الإمام رفض السلطان حسين بن أحمد الرصاص عرضا بريطانيا قدمه المستر ديفيد الضابط السياسي البريطاني في المحمية الشمالية الغربية بيحان بصحبة الشريف حسين بن أحمد الهبيلي أمير بيحان ويهد ف العرض إلى إنضمام البيضاء للمحميات في الجنوب ، فكان مما رد عليهم به السلطان أنه لم يقبل بالإمام وهو مسلم فكيف يقبل بالبريطانيين وهم نصارى ، ووفقا لولده الشيخ الرصاص بن حسين فقد تساءل حسين الرصاص فيما إذا كان البريطانيون سيسْلِمون وقيل أن ذلك كان شرطه للإنضمام للمحميات ( 5) أو لعله كان يتهكم على ضيوفه!.. وعلى الرغم من أن الرصاص لم يكن على صلة بفقه التطرف المعاصر فإن بعضا من تصرفاته تجاه الإنجليز كانت تتسم بتعصب واضح قد لا يقدم عليه اصولي أو يخطر على باله .. ووفقا لولده الشيخ الرصاص بن حسين فإن السلطان حسين بن أحمد أحرق الأثاث الذي استخدمه المستر ديفيد وتخلص تماما من أواني الأكل التي أستخدمها أيضا...ويبدو أن البريطانيين يئسوا من الرصاص وآثروها في أنفسهم عليه وضيقوا عليه من جهتهم بعد أن اشتد خلافه مع حكومة الإمام لاحقا كما سنرى من موقف البريطانيين عند لجوء الرصاص فيما بعد إلى خورة من بلاد العوالق...
قبل 1340 عانت البيضاء من صراعات مريرة وانقسامات داخلية خطيرة أشبه بحرب أهلية أدت إلى مقتل السلطان صالح بن احمد في مدينة البيضاء الذي سبق له بالتحالف مع كثير من قبائل البيضاء إلحاق الهزيمة بجيش الإمام وردهم على أعقابهم في منطقة عفار الملاجم. ووفقا لمؤرخ الامام يحيى القاضي عبد الكريم مطهر فقد كان أحمد عبد الله بن صلاح الملجمي بطل المواجهة في عفار وقد تسلل بن صلاح ومجموعته من حصونهم المحاصرة نحو المحطة وقتلوا مجموعة كبيرة من الجيش ضمنهم "طبشي" المدفع..وفيما اعتبر مؤرخ الإمام ابن صلاح شريرا ومارقا ( 6 ) فقد بقي أهل المشرق يتغنون ببطولات ابن صلاح سنين طويلة ....
نتج عن مقتل صالح بن أحمد الرصاص في مدينة البيضاء تَوَجُّه شقيقه السلطان حسين ابن أحمد إلى صنعاء لطلب مساعدة الإمام يحيى في التغلب على خصومه والتمكين له فلما أن تم حسم المواجه لصالح القوات التي أتى بها الرصاص من صنعاء طلب منها الرحيل لكنه ووجه بالرفض القاطع وظلت المواجهة شبه دائمة بين الرصاص وحكومة الإمام ...وجهز الامام عدة حملات لملاحقة الرصاص إلى منطقته مسورة وقد أضطر الرصاص إلى ترك مسورة وبقي لبعض الوقت في منطقة العوالق وتحديدا في خورة عند آل ديان وقد وجه المعتمد البريطاني الميجر سيجر عدة إنذارات في عام 1949 عن طريق البر والجو لآلديان بضرورة تخليهم عن الرصاص الذي يتسبب "في تشويش الأمن والإستمرار على [هكذا : والأصح : في ] عصيا ن حكومته ويعرض حياة الناس وأموالهم للخطر حيث ما يزال هو ومن معه طريدي القانون.... " حسب الإنذار ...وألح خطاب الإنذار على ضرورة طرد السلطان وعائلته باعتباره متمردا على حكومته أو تسليمه للظابط السياسي في المنطقة الشمالية الشرقية بيحان ، وهددهم بقصف الطيران وهدم البيوت وفقا لخطاب إنذار وجهه الميجر سيجر( 7) المعتمد البريطاني في محمية عدن الغربية وقال في خطاب الإنذار "فإن العقوبة المتمثلة في القصف من الجو ستستمر حتى تمتثلوا أو سيتم هدم بيوتكم أو حتى ترى الحكومة أنكم قد عوقبتم عقوبة كافية"... ويبدو أن الرصاص وجد نفسه بين ناري عدوين لدودين وقوين قد أبْرَمَا صفقةً للتخلص منه نهائيا فآثر المصالحة مع حكومة "الإمام المسلم " – وفقا للمفاضلة التي كان قد أجراها بحضور المستر ديفيد الظابط السياسي البريطاني في بيحان والشريف حسين - ونتيجة لتخلي اكثر القبائل عن الرصاص استجاب لدعوة محمد بن عبد الله الشامي الداهية الشهير نائب الإمام في البيضاء الذي زاره إلى خورة حيث كان هاربا عند آل ديان ( 8) وعزم الرصاص على الحج في عام 1950 ومر على الإمام في تعز ثم غادر من عدن وعند العودة عبر عدن دعاه الامام أحمد للضيافة في تعز بمناسبة الحج لكن تلك الدعوة كانت بمثابة إستدراج وخدعة حيث يبدو أن الإمام لم يطمأن تماما إلى موقف الرصاص ولعله شعر أنه يمكن أن يعود إلى المقاومة من جديد عند سنوح أول فرص ولعل الإمام كان يدرك تعقيدات صراع ممتد منذ قرون مضت أي منذ 1065 هجري 1654 ميلادي(9 ). وقد تم إرسال الرصاص في طائرة إلى صنعاء بحجة مقابلة الأمير الحسن بن يحيى ولتسلم نوع من السلاح محبب إلى الرصاص من قصر السلاح(10 ) لكنه تم إيداعه السجن في القصر نفسه ومكث الرصاص في السجن قرابة أثنى عشر عاما فلم يخرج منه إلا بعد إندلاع ثورة 26/ سبتمبر / 1962 وأيد حسين أحمد الرصاص الثورة والجهمورية ، وكان أول محافظ للبيضاء بعد قيام الثورة... أما ولده أحمد بن حسين الفارس والشاعر المشهور فَقَدْ فَقَدَ عقله في سجن الإمام حيث كان مع والده وظل كذلك حتى واتته المنية مؤخرا..
كانت تطلعات الإمام لا تقتقصر على محافظة البيضاء وحدها فقد وصلت قواته إلى منطقة الحواشب وإلى الكور ومكثت قواته في دثينة قرابة خمس سنوات ، وكذلك فإن صراع الإمام في الضالع مع أميرها نصر بن شايف الحالمي المدعوم من بريطانيا مشهور أيضا...وقد مكثت قوات الإمام هناك فترة ولم تنسحب إلا بضغوط سياسية وعسكرية كبيرة من قبل بريطانيا حيث ضرب الطيران البريطاني الكثير من المدن في شمال البلاد( 11)... وظل الإمام يحيى يطرح بقوة وحدة الأراضي اليمنية وكان الأئمة يقدمون دعما للمناوئين للوجودالبريطاني في الجنوب وكان كثيرون يرون في يحيى بطلا وطنيا وقوميا أيضا لكن بنفس القدر كان يحرص الزعماء المحليون على أن يظلوا مستقلين بالسطلة على مناطقهم وشجعت بريطانيا ذلك وكانت تكتفي بعلاقة سياسية واهية بالسلاطين والمشايخ والأمراء مقابل دعم مالي محدود تقدمه للسلاطين وتبجيل لفظي كمنح ألقاب التفخيم وإحتفاء مراسيمي شكلي كإطلاق المدفعية أمامهم عند زيارتهم لعدن!...وكان بعضهم يعترف بيحيى ملكا عليهم مثلما فعل بعضهم لبعض الوقت على الأقل ، كسلطان العوالق جد الزميل النائب الشيخ عوض الوزير الذي ظل يرفض وجود مستشار بريطاني لديه وتم غزو منطقته عسكريا في نوفمبرمن العام 1953 ( 12) ، وبعضهم كانوا لا يخفون إحترامهم للإمام وقلقهم منه أيضا لكنهم يظنون أنهم جديرون بالملك مثله كسلاطين لحج وأمير الضالع مثلا ... وفي حين كانوا يدركون أنه الأقوى غير أنهم يرون أن ذلك لا يمنحه حق إلغائهم. وكان الإمام أحمد يُسْتَقْبَل بحفاوة بالغة من قبل الوجهاء وعامة المواطنين في عدن عند ما يزورها ويصف الدكتور راشد عبده أن الحشد الذي اجتمع لتحية الإمام أحمد في عدن عام 1946 (كان حينها وليا للعهد) كان كبيرا ويقول : " كان هناك حشد من الناس مجتمعين في مساحة تساوي مساحة ملعب كرة قدم وصاحب السمو جالس في الوسط على كرسي يلوح بيديه ..." (13 ).
وبالطبع فإن مثل تلك الحفاوة قد لا تكون بالضرورة تعبيرا عن شعبية خاصة يحظى بها شخص أحمد بن يحيى حميد الدين أو حبا في شخصيته المثيرة للجدل ، لكنها أقرب إلى كونها تعبيرا رمزيا عن وجدان وشعور وحدوي أزلي لدى كافة أهل اليمن...
وقد قال سلطان العواذل ذات مرة وهو يخاطب الرويشان نائب الإمام في البيضاء إن عراقته في الرئاسة ترجع إلى زمن الحميريين( 14)..أي أنه أقدم من الإمام في الزعامة على أعتبار الإرث ، إلا أن المد الثوري الناصري الوحدوي قد روض بعض السلاطين والأمرء واجتذبهم بما في ذلك الأمرء الأحرار من أبناء عبد العزيز آل سعود نفسه ومنهم الأمير طلال بن عبد العزيز وفواز بن عبد العزيز وآخرون غيرهم..وقبلهم كان قد تأثر الأمير "الأحمر" ( 15) محمد البدر بجمال عبد الناصر وكان ينظر إلى البدر باعتباره رجل مصر في اليمن ... وقد أبدى السلطان جعبل بن حسين العوذلي رغبته في الإنضمام إلى الجمهورية العربية اليمينة بعد ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، ووفقا للدكتور عبدر الرحمن البيضاني( 16) فقد فضل إرجاء ذلك حرصا على عدم إثارة بريطانيا.. وظل الإمام في صراع دائم مع شريف بيحان المدعوم بقوة من بريطانيا والأكثر خلاصا لها على حد تعبير هارولد إنجرامز ( 17) وتقدمت قوات الإمام حتى أطلت على سوق بيحان...لكن الشريف نفسه تولى دعم الملكيين أثناء الحرب الأهلية بعد سقوط الإمامة في الشمال...
بسبب الجهل والتشرذم ودور الإستعمار البريطاني وأثره فقد تضعضعت الهوية اليمينة في كثير من مناطق اليمن...وكان أبناء الكثير من المناطق يشيرون إلى وسط اليمن فقط باعتبارها اليمن ، كان أبناء صعدة مثلا يفعلون ذلك إلى السبعينات وكان كذلك الحال في البيضاء أيضا ، وبالتأكيد في مناطق الجنوب قبل الإستقلال...وعلى الرغم من تبني الإمام لوحدة الأراضي اليمنية غير أنه لم يعمل على ترسيخ الهوية اليمينة بقدر ما سعى إلى ترسيخ ولاء شخصي وعائلي يخص الأئمة وإرثهم ولذلك أضاف إلى مسمى دولته لقب إسرته "المتوكلية" ومع ذلك فهو ليس بدعا من بين ملوك الطوائف العرب!...
ويبدو أن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر هي التي فتحت الباب على مصراعيه لترسيخ الهوية اليمينة في الجنوب والشمال لكن تلك الهوية الجامعة صارت تتعرض منذ فترة للتضعضع والخطر فحالة الحوثي التي ترتكز وتستند إلى المذهبية الطائفية وحراك الجنوب الذي يتحدث عن جنوب عربي بدون الإشارة إلى اليمن كل ذلك يعد من جملة المخاطر التي تتعرض لها الهوية اليمنية اليوم . ولعل مما سيعيد الأمور إلى نصابها هو العمل على ترسيخ معاني العدالة والنزاهة والإنضباط وحكم القانون على نحو واضح وحاسم وصارم ورفع جميع المظالم وتحقيق شراكة حقيقية في السلطة والثروة ..
ومن الرائع أن ترفع هذه الأيام أعلام الجمهورية اليمنية خفاقة في أماكن عدة على ساريات عالية جدا لكن ذلك سيظل غير ذي معنى وجدوى مالم يحرص المعنيون والمهتمون برفع الأعلام عاليا في السماء على تبني مبادئ العدالة والنزاهة والنظام والقانون وجعلها تمارس بحزم وشمول دون إستثناء ويُعْلَى من شأنها على نحو ملموس وقوي وصارم ويكون علية القوم وقادتهم قدوة في النزاهة والتجرد والإنضباط والإلتزام بمبادئ العدل ومقتضياته ...ولنا أن نتصور شخصا يرفع علما جمهوريا كبيرا وزاهياعلى قصره الضخم المَشَيْد لكن الناس يفهمون أن ذلك القصر العامر بني من ثروة أساسها الفساد واستغلال النفوذ...ولنا أيضا أن نتصور عَلَمًا زاهيا وجميلا يرفع على سارية عالية فوق مبنى حكومي لكن الناس يعلمون أن المبنى ينخره الفساد والمحسوبية ويعاني الأداء بداخله من الضعف وتدني الكفاءة والفعالية...
كانت بعض الحركات المناوئة للإستعمار البريطاني لا تؤكد على الهوية اليمينة في أدبياتها وتسمياتها كرابطة أبناء الجنوب مثلا..وكذلك فإن الإتحاد الذي أريد للجنوب أن ينضوي فيه برعاية بريطانية أستبعد تماما ما يمكن أن يعبر عن الهوية اليمينة كما هو معروف ...لكن فيما بقي السلاطين والأمراء السابقون يناوؤن الحكم الإشتراكي في الجنوب بعد خروجهم من الجنوب فإنهم لم يعترضوا على الهوية اليمنية للدولة الوليدة التي تسمت ب"جمهوية اليمن الجنوبية أو الديمقرطية الشعبية " فيما بعد ، وقامت على أنقاض "دولة أتحاد الجنوب العربي" التي شارك السلاطين والأمراء والمشائخ في العمل على إقامتها بدعم من بريطانيا من قبل.. بل إنهم أطلقوا على منظماتهم التي تناوئ الحكم في الجنوب أسماء من قبيل "الجبهة الوطنية لتحريرجنوب اليمن" وكان مقر تلك الجبهة بالقرب من مدينة شرورة بقيادة الشريف حيدر الهبيلي صاحب بيحان والسلطان علي بن أحمد العبدلي صاحب لحج والعميد سالم بن بريك العولقي وعدد من أبناء سلاطين وأمراء ومشائخ الجنوب... وعدلت الرابطة أسمها بعد الوحدة لتصير رابطة أبناء اليمن بدلا عن رابطة أبناء الجنوب..
وفيما تم التأكيد على الهوية اليمنية في أدبيات النضال الذي أنبثق بعد بزوغ ثورة السادس والعشرين من سبتمبر1962 وثورة 14 أكتوبر 1963 إلا أن ثوار الجنوب بعد الإستقلال أقاموا دولة مستقلة أخرى تحمل إسم اليمن أيضا " جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية" ومن بعد " جمهورية اليمن الديقراطية الشعبية " ومرامي هذه التسمية الأخيرة لا تقتصرعلى الجنوب فقط من حيث الجغرافيا والسكان والغايات والمضمون والحدود بل تشمل كل أراضي اليمن التاريخية وسكانها...وغلبت على أيديولوجية الدولة وشعاراتها في الجنوب تطلعات يغلب إليها السعي إلى الوحدة والتوق إلى العدالة وتمثل ذلك في إسم الدولة (جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية) وأهداف ومبادئ الحزب الإشتراكي اليمني ...ويرى الأستاذ محسن العيني أن قيام دولة مستقلة في الجنوب يرجع إلى موقف حكومة مصر التي كانت تؤيد جبهة التحرير في مواجهة الجبهة القومية التي حسمت الأمور لصالحها قبيل الإسقلال وكذلك حكومة صنعاء المنبثقة عن مؤتمر خمر التي ألغت وزارة شئون الوحدة ويرجع أيضا إلى إصرار متطرفين في الجبهة القومية على إقامة دولة مستقلة في الجنوب في ذلك الوقت . ويذكر العيني أيضا أن توقيع إتفاقية الوحدة الذي أبرم مع الجنوب في عام 1972 قد تعرض لمعارضة قوية وحملات مسعورة في صنعاء وكان أبرز المعترضن أعضاء مجلس الشورى وخطباء الجوامع بحجة الخوف الشيوعية. ( 18)
وإذا كانت وحدة اليمن اليوم تتطلب كل الجهد من أجل الحفاظ عليها وترسيخها وحمايتها فإن العدل يجب أن يكون روحها وأساسها وعمادها وسياجها مثلما أشرنا من قبل ... ولا يجب أن تقابل الدعوات المخلصة بالإستهتار والإهمال ولا يجب أن أن يستمر البعض في إستحلاء الإمتيازات وإستغلال النفوذ لمصالح فردية وجهوية تتراكم عبر الأجيال...
وفي فترات من تاريخ الأمم والشعوب والمجتمعات فإن الظلم والإستغلال قد يستمرؤه سيئوالنوايا والإنتهازيون الجشعون ، وقد يصير الظلم من شيم النفوس كما قال المتنبي( 19) الذي عاش في حقبة من عصور الطغيان والتظالم والتفت ، أي أن الظلم قد يسكن في النفوس وتستحليه الطباع ويدخل في منظومة القيم ويصير سلوكا مألوفا ، وعندما يبلغ حال الظلم مستوى كهذا فإن مواجهته تكون لزاما وقدرا..ولذلك فإن الحكومات الواعية تتعامل بحساسية بالغة تجاه قضايا الحقوق والعدل والمساواة ، وكثير من الحكومات تسن قوانين واضحة وتضع أنظمة صارمة تضمن بها تكافؤ الفرص وضمان حقوق الجميع ...
وحيث قد يقع الظلم والتظالم من أبناء العشيرة الواحدة على بعضهم ويفاقم الضغائن والأحقاد ويقود إلى التشتت والبؤس والضعف والتفكك فإن العدل قد يضم في كنفه شعوبا وأجناسا وأديانا مختلفة تنتظم في وحدة جامعة وتتماسك وتتآزر وتعمل معا وتتعايش وتتشارك وتنهض ويجد الكل حقه ومكانه واحترامه وفرصته ...
ولم ينس الأستاذ حسين المشدلي رئيس ملتقى التحالف من أجل العدالة والوحدة أن يُذَكَّرَني أن الهدف الأول من أهداف ثورة السادس والعشرين من سبتمبر قد تضمن إقامة حكم جمهوري عادل وكذلك فإن الهدف الرابع قد تضمن إنشاء مجتمع تعاوني ديمقراطي عادل أيضا فشكرا له ولا شك أن جميع شباب البيضاء الذين بادروا إلى تأسيس منتدى التحالف من أجل العدالة والوحدة جديرون باستحقاق التحية والشكر والتقدير... فتَحَيةً لهم جميعا وتقديرا وشكرا... ومزيدا من جهود أبناء اليمن الأبرار الخيرين في سبيل العدل والوحدة...
الهوامش
1-أمين الريحاني : ملوك العرب
2 محسن العيني : أصداء خمسين عاما في الرمال المتحركة في الفضائيات والصحافة
3 أمين الريحاني : ملوك العرب
4 هارولد إنجرامز : اليمن : الأئمة والحكام والثورات
5 - معلومات أدلى بها الشيخ الرصاص بن حسين الرصاص للكاتب في شهر إبريل 1997
6 - القاضي عبد الكريم أحمد مطهر : سيرة الإمام يحي بن محمد حميد الدين تحقيق أ.د محمد عيسى صالحية
7 بحوزة الكاتب صورة من مذكرة الإنذار ...وقد تسلممها من الشيخ الرصاص بن حسين
8 يذكر الشيخ الرصاص بن حسين الذي كان مرافقا لوالده في رحلة الحج والسجن تلك أنه بعد عودة السلطان من الحج استدعاه الإمام إلى تعز للضيافة واحتفى به ومكث لدى الإمام أياما ضيفا عليه في دار الضيافة بتعز وبالغ في إكرا مهم وأكساهم ومنحهم النقود وقال لهم ستصرف لكم أسلحة من قصر السلاح في صنعاء ولا بد أن تمروا على سيف إسلام الحسن بن يحيى وبدلا من صرف السلاح من القصر تم سجن الرصاص فيه أثنى عشر عاما ...في آخر أيام السجن يقول الرصاص أنه طلب من الإمام أن يطلق سراحه لكن الإمام رد عليه " إلى خزيمة " أي المقبرة ..ويقول الرصاص بن حسين أنه حينما أطلع على رد الإمام تغير وجهه واستحلفه والده إلا أن يخبره سبب ما يبدو عليه من حزن فلما أخبره قال إستبشر خيرا يا ولدي الظلم عواقبه وخيمة الإمام رايح ..سيسبق إلى خزيمة إن شاء الله وهكذا كان ...
9 أوردت الباحثة سلوى الغالبي في كتابها الامام المتوكل على الله إسماعيل القاسم ودوره في توحيد اليمن إن الأمام المتوكل إسماعيل بعد أن أستتب له الأمر في لحج وأبين وعدن طلب من أمير بني أرض[ أهل البيضاء ] حسين الرصاص أن يسلم ويسمح لجيوش الإمام بالمرور إلى حضرموت لنجدة السلطان بدر بن عمر الكثيري ضد إبن أخيه بدر بن عبد الله الذي خلعه من السلطنة غير أن الأمير حسين الرصاص رفض أن يسمح بالمرور فضلا عن التسليم وتشاور الإما م مع كبار قواده ومستشارية لمدة عام و في 1065 هجري / 1654 م قرر الإمام الهجوم بعشرة آلاف مقاتل على بني أرض ودارت معارك طاحنة أهمها كانت في زهراء وذي كراش ونجد السلامة وتمكنت قوات الإمام من السيطرة على زهراء وطالب حسين الرصاص بالإستسلام مقابل إبقائه على ما تحت يده ...ورأى السلطان أن يستشير الحبيب سالم بن احمد في عينات بحضرموت فنصحه برفض الإستسلام فجهز نفسه للمواجهة وتحالفت معه المصعبين والعواذل والعوالق ويافع والواحدي فضلا عن جملة بني أرض وهم أهل البيضاء لكن السلطان حسين قتل وأرسل رأسه إلى الإمام في ضوران وعلق عدة أيام وانفض التحالف وتقدمت قوات الإمام إلى المشرق بما في ذلك حضرومت وظفار لكنها بقيت هناك حوالي عشر سنوات فقط وفقا لأحمد حسين شرف الدين ...وواضح من دخول صاحب عينات على الخط ضبغة الصراع المذهبي والطائفي..وإن كان كل من صاحب عينات والمتوكل هاشميان...
10- عندما قابل السلطان حسين الرصاص الرئيس علي عبد الله صالح في بداية الثمانينات طلب منه بندق "زاكي كرام" ومنحه الرئيس ذلك وكان الرصاص حينذاك قد اقترب من المائة عام أو جاوزها ...ومر السطان في هدوان بلاد الملاجم عند أنساب أحمد أبنه وهو يحمل البندقية ويحدث الناس عن نصائحه للرئيس!
11- أحمد فضل العبدلي : هدية الزمن في أخبار ملوك لحج وعددن
12 - إطلعني الأخ النائب الزميل عوض الوزير على وثائق تؤكد التواصل والتوافق على إعتراف سلطان العوالق بإلإمام كملك مع إقرار الإمام للسلطان بحق حكم منطقته ...أما غزو قوات الحكومة البريطانية لسلطنة العوالق فقد ذكرها هارولد إنجرامز في كتابه : اليمن ..الإئمة والحكام والثورات ...
13 - الدكتور راشد عبد ه : رحلة فتى يمني
14-علي بن علي الرويشان : حكاية من الريف
15 بعد أن زار البدر روسيا وعدد من الدول الإشتراكية وأبرم معها إتفاقات متنوعة ومنها جلب أسحلة أطلق عليه البعض لقب الأمير الأحمر
16- دكتور عبد الرحمن البيضاني : قصة عمري
17 هارولد إنجرامز : مصدر سابق
18 - محسن العيني : خمسون عاما في الرمال المتحركة :قصتي مع الدولة الحديثة في اليمن و أصداء خمسين عام في الرمال المتحركة في الفضائيات والصحافة ...
19- ديوان أبي الطيب المتنبي : والظلم من شيم النفوس وإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.