لم يكن التئام دول الخليج العربي في مجلس تعاوني عام 1981م صدفة تاريخية بقدر كونه استباقاً حكيماً لزمن الأحلاف والتكتلات، واستدراكاً لضرورات استراتيجية تمليها الخارطة الجيوبوليتيكية التي تتوزع عليها بلدان هذه المنظومة وتضع الجميع أمام تحديات لا حصر لها. ربما يجهل البعض أن منطقة الخليج العربي لم تكتسب أهميتها في عصر الاستكشافات النفطية، بل قبل ذلك بأكثر من خمسة قرون حين عادت بعثة ملك البرتغال «هنري الخامس» حاملة تقريراً يؤكد أن مفتاح تجارة الشرق يكمن في منفذين حيويين هما الخليج العربي وباب المندب، فترتب عن ذلك أول غزو أوروبي في التاريخ لمنطقة الخليج نفذه الأسطول البريطاني ، ثم أعقبه الاسبان ببضع سنوات، غير أن اكتشاف الثروات النفطية في الخليج خلال القرن العشرين أسال لعاب أوروبا الصناعية الظمأى لمصادر الطاقة، ثم التحق بركبها العديد من قوى العالم الحديث.. حتى إذا ما دخلت البشرية النصف الثاني من القرن العشرين أضيف الخليج إلى حسابات التوازنات السياسية العالمية، والصراعات الشرق أوسطية، ولم يعد بوسع أحد رسم خرائط لعبته السياسية دون وضع رقم كبير لما يمكن أن تفرضه منطقة الخليج من حسابات خاصة. ولأن الحسابات هنا لا يمكن تجزئتها، ولم يسبق أن تم تفصيلها بمقاس دولة خليجية دون سواها من بقية الدول، فإن ذلك وحده كان سبباً قوياً لالتحام دول الخليج تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي الذي توافق ذكرى تأسيسه اليوم الاثنين، وقد نجحت قيادات دول الخليج في بلورة أنموذج متميز للتكتلات السياسية والاقتصادية، ساعدها على تبوؤ استحقاقاتها الطبيعية في المجتمع الدولي في زمن قياسي، رغم كل ما واجهها من تحديات معقدة. ومع كل الانجازات التي حققها مجلس التعاون لبلدانه، وتلك التي انعكس أثرها إقليمياً أو دولياً إلا أنه ظل يواجه تحدياً كبيراً يتمثل في عدم توافق النهضة الحضارية مع متطلباتها من القوى البشرية التي هي عماد النشاط الاقتصادي والتنموي، إذ إن عدد السكان القليل فرض على الحكومات الخليجية فتح أبواب بلدانها للعمالة العربية والأجنبية التي تتوافد بالملايين، وتسبب - بعضها- أرقاً لمجلس التعاون الذي مازال يكابد عناء حماية الهوية الوطنية والقومية لدول المنطقة الخليجية، والحفاظ على إرثها الثقافي والاجتماعي. وبدا واضحاً أن التفات مجلس التعاون في الأعوام الأخيرة إلى مشروع ادماج اليمن في منظومته مبني على بعد نظر استراتيجي قد يكفل لدول المجلس تعويضاً آمناً للقوى البشرية ذات المواصفات المثالية من حيث الثقافة والتكلفة الاقتصادية، ودائرة تحرك هذه القوى.. بل إن واحدية التحديات الأمنية التي تواجهها اليمن ودول مجلس التعاون أضافت عاملاً قوياً للتوجه بجدية إلى خطوات عملية للانتقال من الجوار إلى الشراكة. ومهما كانت تعقيدات وصعوبات مثل هذه المهمة إلا أن مجلس التعاون يعدها خطوة انتقالية مُلحة باتجاه تحالف أوسع، وأكثر أماناً، قد يعزز آمال الأمة في وحدتها العربية إذا ما بادرت دولها إلى تجارب وحدوية مماثلة.. فهنيئاً لمجلس التعاون ذكرى تأسيسه.