صنعاء.. جمعية الصرافين تعمم بإعادة التعامل مع منشأة صرافة    5 أيام حاسمة .. إيران تعيد تشكيل موازين القوى عسكرياً واقتصادياً    حزب الله يدين قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين    لقاء موسع في كحلان عفار للتحشيد للدورات الصيفية    وكيل وزارة الخارجية يناقش مع رئيسة بعثة الصليب الأحمر برامجها في اليمن    نجاح أول عملية قسطرة طرفية في مستشفى الثورة بالحديدة    هيئة المواصفات تطلق حملة رقابية التأكد من سلامة حليب الرضع في الأسواق    صنعاء : فاعل خير يفرج عن 48 سجينا معسرا    الأحزاب ترحب بالتضامن الشعبي الواسع مع السعودية وتدعو لتعزيز حضور الدولة من الداخل    البعثة الأممية لدعم اتفاق الحديدة تنهي اعمالها    اليمنية تستأنف رحلات عدن – عمّان ابتداءً من 1 إبريل    القائم بأعمال وزير الاقتصاد يلتقي التجار والقطاع الخاص خلال اليوم المفتوح    إيران وأدواتها    طوفان عدن.. السيادة الشعبية في مواجهة الاستهدافات السياسية    تعز.. مقتل وسيط قبلي مقرب من البركاني    الترند..ثورة التطبيع وإعادة صياغة المفاهيم    أنشيلوتي: الدفاع القوي هو مفتاح البرازيل للتتويج بكأس العالم 2026    وزير الدفاع الأمريكي: روسيا والصين تدعمان إيران ومحادثات إنهاء الحرب تكتسب زخماً كبيراً    مؤتمر صحفي: خسائر قطاع الاتصالات والبريد تتجاوز 6.265 مليار دولار    حضرموت ترفض الوصاية: خطاب ساخر يكشف الغضب الشعبي من "تجار المواقف"    وزير الدفاع: بناء الدولة وترسيخ الاستقرار لا يتحققان إلا من خلال تفعيل النظام والقانون    ضغوط الطاقة تدفع الذهب نحو خسارة شهرية تاريخية    العراق يواجه بوليفيا غدا    أمريكا تخطط لإجبار دول الخليج على تحمل نفقات العدوان على إيران    توجه سعودي إماراتي لتفجير الأوضاع وسط غضب شعبي بالمحافظات الجنوبية    هذا الرئيس اللعنة    عصابات بن حبريش تختطف وقود كهرباء المهرة وتدفع المواطنين نحو العتمة    محافظ عدن يهدد إعلامي بالحبس.. سقوط أخلاقي وسياسي يكشف عقلية البلطجة وقمع الكلمة    قبيلة يافع تصدح: لا للعنصرية والإقصاء... حقوقنا خط أحمر    اندلاع حريق في ناقلة نفط بعد استهدافها في الخليج العربي    تقرير أممي: تحسن الأمن الغذائي في اليمن بشكل طفيف    بيوتٌ لا تموتْ    دراسة: خطاب الإصلاح منسجم مع ممارساته والحملات ضده مسيّسة ومناقضة للواقع    أدب الروح بين التأمل والفلسفة: قراءة نقدية في «تعاليل وتباريح روحانية» ل"خولة الأسعد"    أدب الروح بين التأمل والفلسفة: قراءة نقدية في «تعاليل وتباريح روحانية» ل"خولة الأسعد"    أطلقتا من اليمن.. الجيش الإسرائيلي يعلن اعتراض مسيّرتين فوق إيلات    الفريق الصبيحي يشدد على ضرورة توجيه الجهود الدولية والتنموية نحو المناطق المحررة    "وثيقة" حضرموت.. تعميم بمنع حمل السلاح في المحافظة والمحافظ يوجه الجيش والأمن بتنفيذه    اجتماع بتعز يقر تسيير قافلة إغاثية ل 1500 أسرة متضررة من السيول بمديريات الساحل    لا ترمِها بعد اليوم! الفوائد المذهلة لقشور الجوز    مرض السرطان ( 5 )    "سنعود".. مسرحية لنازحين ببيروت تجسد المقاومة الثقافية ضد اسرائيل    عدن.. نقل عريس إلى العناية المركزة بسبب منشط جنسي    اتحاد كرة القدم ينفي تأجيل انطلاق الدوري اليمني    اتحاد كرة القدم ينظم دورة تنشيطية للحكام استعدادا للدوري اليمني    الزامل اليمني وملحمة النصر..    أحمد قعبور يغادر تاركاً إرثاً فنياً يخلّد القضية الفلسطينية    الاتحاد الآسيوي يقر تأجيل مباراة المنتخب الوطني ونظيره اللبناني إلى مطلع يونيو المقبل    صمود الإمارات يعكس قوة النموذج لا مجرد القدرات الدفاعية    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليفربول .. ما هي وجهة صلاح المقبلة؟    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    العيد ولعبة الكراسي    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    رسمياً.. 3 دول تفاجئ العالم باعلان الخميس أول أيام عيد الفطر    وزارة الأوقاف:الخميس متمم لشهر رمضان والجمعة أول ايام عيد الفطر    شبوة.. عندما يبكي التاريخ في حضرة التقسيم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اللغة الشعرية وخطاب الذات
نشر في الجمهورية يوم 24 - 02 - 2011


في « كانت تأخذني التفاصيل»
من دار أزمنة صدرت المجموعة الأولى “كانت تأخذني التفاصيل” للقاصة “مها صلاح” وهي المجموعة الأولى لقاصة، ظهرت في النصف الثاني من التسعينيات.. تبدأ المجموعة بإهداء شعري “لأناملك الحنونة تهدهد جراحي كلما نأيت وزاد اغترابي عن ذاتي ...لابتسامتك الحلوة المطمئنة ..
لتفاؤلك الدائم بأن الحياة لا تزال
ب
خ
ي
ر
لشذى روحك ..
لأبي”
فاللغة الشعرية تواجهنا من عتبة هذه المجموعة، الممثل بالإهداء، فالأنامل التي تهدهد الرأس، وتمسح على جسد الأبناء، لها هنا وظيفة شعرية مختلفة، إنها “تهدهد جراحي “5” هذه الإزاحة اللغوية، هي التي تولد شعرية الإهداء، وكأن هذه المجموعة السردية الشعرية ستكون هدهدة لجراح الذات..
“اعتراف “بإحساس الطفلة التي تعمل مع الطبيعة من حولها بأنها أشياء يمكن مخاطبتها، أو أخذها _يجول في خاطر هذا "الاعتراف"السردي بضمير المتكلم “لم أكن صغيرة جداً حين جال بخاطري أن القمر قريب من سطح دارنا، وأنني لو جمعت سلالم عدة وألصقتها ببعضها سأصل إليه وأغرفه بملعقة كبيرة وأعود به في حقيبتي...”9”بهذه اللغة البصرية لنا أن نرسم المشهد من فتاة وسلالم متلاصقة، وملعقة تغرف بها القمر، ثم تضعه في حقيبتها، إنه مشهد بصري متحرك يترجم إحساس الطفلة بالقمر، وكأنه من الصغر بحيث يمكنها أن تضعه في جعبتها... هو مشهد تأتي شعريته التشبيهية من إحساس الطفلة بالقمر، هو رفيق إحساسها “وجدتني وقد بحت له بسؤال طالما حيرني، قلت له إن كان الله هو الذي يأمر القمر بأن يمشي معي كل يوم إلى دارنا وينتظرني عند النافذة حتى أغفو؟؟“10” فبعد أن أعطت القمر حجماً صغيراً في المشهد الأول، ها هي تعطيه صورة الإنسان، أو الملاك الذي يحرسها ويرافقها حتى تغفو، ولأن “عصا الفقيه” وعقليته، التي لا تستطيع استيعاب خيال الطفلة وإحساسها الخلاّق، تهوي عصاه "وفي لحظة ارتفعت في الهواء، علّقت من قدميّ كذبيحة واشتعل باطن قدمي كالجمر"“10” هذا التباين بين عالمين، عالم جاف يخلو من الخيال، وآخر خلاّق للخيال وخصب الإحساس، ولديه أنسنة للأشياء _هذا الجفاف وعصا الفقيه جعل الطفلة تفقد الإحساس بالقمر لوقت طويل “مرّ وقت طويل جدا خلته دهرا لم أر فيه صديقي القمر ...ولم أجد إجابة لسؤالي ..."10"
"شوعي على الانترنت" شوعي المتعدد الأعراف والحكايات، شخصية من شخصيات الشرق العجيب، صاغتها لغة الساردة مستخدمة ما أمكنها من تلميح لقصص وأساطير وحكايات، يتم فيه توظيف التلميح, وليس المتن بسياق يخص “شوعي“ فما توظفه تنتزعه من سياقه التاريخي والحكائي، ليصبح جزءاً من متن يرتبط ب”شوعي “ وهو من اسمه الدال على المهمش كاسم علم يكثر استخدامه لدى فئة المهمشين، وهو ذو دلالة مفعمة بالحياة، وكأن الأسماء تعويذات وأماني وأمنيات.. هو شخصية عادية، لكن عين السائحة “إليزابيث”جعلت من خصوصياته المتعلقة بتاريخ أجداده، وتنوع أعراقهم حالة سياحية يتزاحم حولها المتفرجون “ذات مساء جذبها من يدها وأطلعها على كنزه الأثري من الملابس والخناجر والعصي المطعمة بالأحجار الكريمة والعقود الفضية المزينة بالياقوت الأحمر، كاد يغمى عليها من الدهشة، وأصابها وباء التقاط صور شوعي بالأزياء المختلفة، التي يرتبها بطريقته المميزة، وحكاياته المثيرة عن مصائر أفراد عائلته، الذين لا يشبههم أحد: جده الذي عشق جنية، وهام على وجهه، ولم يعثر له ولا أبناءه النصف بشريين على أثر، الجد الأصغر المتمرد الذي أغرق نفسه وفرسه التي يحب بكامل إرادته في البحر، خاله لأبيه الذي مات متقرحا في متاهات الصحراء بعد أن ملك الصحراء وعذارى الصحراء الجميلات، جدته المتنبئة التي حذرت قبائلهم ذات مرة من غزو وشيك، وأنقذت سلالتهم الممتدة في القدم “هي صورة الشرق المحاطة بعوالم ألف ليلة وليلة، عالم الأساطير والكائنات، التي لم ترق إلى الإنسان الكامل في الغرب، عالم الرومانسية، الذي تحتاجه عقلانية الغرب، الضجر من محيطه المكتمل الإنسانية والباحث عن لا عقلانية الشرق، أليس له جد تزوج بجنية وولدت له أنصاف بشر وأنصاف جن، ألم توظف القاصة تاريخ غرق “ذو نواس“ و نبؤة زرقاء اليمامة، وتقرحات"أبرهة" في سياق يبتعد عن الأصل لكنه يوحي بصلته بذلك التاريخ وتلك القصص، المولّدة للحكايات، وعجائبية المكان والملابس، والأدوات، هو “شوعي “الذي له حضور واضح كاسم علم يكثر عند المهمشين، والمهمشون في بعض التأويلات، التي تبحث عن أصولهم ينتمون إلى حملة” أبرهة “و”مملكة الأكسوم “التي حكمت اليمن، وامتد حكمهم إلى أعماق الصحراء حتى مكة. لكن شوعي يضيق بتشيء الآخرين له، يضيق بكونه لوحة ثابتة الصفات والمعالم والدلالات، يضيق برؤيتهم له موضوعاًً للفرجة، التي تصادر خصوصيته كإنسان بسيط يريد أن يعيش دون دون النظر إليه ككائن غير عقلاني، منتمية للإنسان البدائي، فسرعان مايتسرب من بين حدقات العيون المراقبة له، رافضاً أن يكون حالة فرجة “توسل للحشود التي قبعت أمام داره أن يتركوه وشأنه، بكى، مزق كل ثيابه المميزة، أحرق الثروة الملعونة، وأخيراً استسلم لكابوسه: حطم زجاج النوافذ والأبواب، ودعا العالم لرؤيته مجاناً دون وسيط، وراح يمارس حياته السابقة كأن لا أحد هنا “15”
“ربما يغلفني”: يأتي ضمير المتكلم “أنا “للمؤنث متحدثاً عن الحبيب، بلغة تتساءل عن قربه “أين أنت مني؟”ثم تستعين بلغة التشبيه، لتصور حالها “أشبه وريقة خريف هشة وأسقطتها الرياح على جانب الرصيف“ ثم تسترسل بلغة سردية شعرية "يغادرني الضوء"، "لبكاء هذه الآلة الشحيحة"، "يتسلل البرد من شق ما إلى جسدي" الآلة لا تنطق أنتظر همسها "يعتصرني القلق عليك" كل صباح أتفقد الجروح التي تتركها العاصفة العابثة على الأسلاك المرتعشة والمبلّلة حتى النخاع “17” هي لغة استعارية تشخصن العاصفة، الضوء الآلة، البرد، الجسد، القلق ...الخ بلغة كهذه يصبح هذا البوح ذاتياً، يعكس عمق الفقد والشوق، والحب “تفاصيلك تحتل ذاكرتي “ثم تبدأ بتفاصيل شعرية لتصور درجة الفقد والشوق “تفاصيلك تحتل ذاكرتي المرئية، أنفك الضخم وبقع النمش العنيدة التي تسترخي بمودة على صفحة وجهك الأسمر، وخصلة الشعر المشردة على جبينك “18” التفاصيل ترسم وجه حبيبها، عمق الفقد الذي يتشكل في قولها “كنت مسجى على الأرض، ملفوفاً بالبياض كملاك، لم تتوقف عن الابتسام بطمأنينة رغم شحوب ما زحف إلى خديك، قلت لك حينها: ما أجملك.. ما أجملك...ياااااه ما أجملك “18”ويظل الآخر الذي يشكل غيابه فقداً عميقاً –يظل غائباً في النص سوى من لغة الساردة الداخلية المتكلمة بضمير المتكلم “لم تجبني لم يكن هناك هاتف ولا أسلاك، كنت أراك والمسك... لم تجبني! “18” تتكثف اللغة الشعرية في هذا النص، بأفق كمي، مصورة حالة الشوق والفقد في آن “غصة قاتمة تتكدس في الزوايا على الجدران، قطع الأثاث، الغبار يغلف كل شيء، حتى أزهارك التي تعشق انسل بريقها فانحنت وشاخت... وما عاد يطل من الشرفة سوى أصص باهتة وأغصان جففها العطش “18”وهو انتظار محاصر بالحدقات وال “عيون كثيرة تحاصرني “والبقع السوداء التي“ تثور من موطن مافي قلبي وتستوطن أسفل جفني، تمتد على رقعة جلدي، لا أدري إلى أين تمضي ربما ستغلفني ؟”18”تستمر القاصة من خلال ساردتها الداخلية، المتكلمة بضير المتكلم، مصورة حالة الفقد “يغتلي هذا الشرك تتشابك خيوطه كشبكة عنكبوت محكمة، اتخبط في متاهاتها اللزجة “وتصوير المتاهات باللزوجة يعكس عمق الفقد، وشدة الاحتياج، لهذا يكون الرجوع إلى الآلة الباردة “أرممها أمسد جسدها الأسطواني الناعم، أقبل ثقوبها وأزرارها.....و..أنتظرك “18” إنه الانتظار المحاصر ببرودة الآلة الاسطوانية وزئير الريح، والعاصفة” والحدقات مهددة بابتلاعي “واتساع الخوف من هذا الغياب ..
"سلام متكوم على ذاته" هذا نص اتخذ لنفسه عنواناً مركباً بحيث أخذ التركيب صورته الشعرية، من إعطاء دلالة الصمت للسلام، ومتكوم على ذاته، هو سلام فيه ابتعاد عن الكلام وعن الآخرين، سلام موحش، منكفئ نحو ذاته، لهذا يبدأ النص بذاتية شعرية “ترفعني الموجات الصغيرة البطيئة” “حفيف الأوراق الراقصة “”تغزل خيالاتها سرمدية ولهة فيتشقق جلدي عن جناحين “”22”هي لغة الذات وهي تغني، لكن “الدنيافي الأعلى أنقى وأعذب “21”هي مملكة من خيالاتها “القزحية الاشتهاءات “وبعيد عن وحشة الصوت يغوص الجسد، هي وحشة الصوت وانكسارات الضوء، والنتف المنهمرة، ورائحة الحشرات الطازجة، يكون الانسحاب بعيدا عن كل هذه العوالم الموحشة “أعمق حيث يحتويني بسلام صامت متكوم على ذاته “هي شعرية مستمرة مع انسحاب الذات نحو الصمت المتكوم، إن حركة النص انسحاب للذات المتدثرة باللغة الشعرية.
“دوائر“ يباشرنا النص بلغته الشعرية من بدايته “ذايت الكلمات واتسعت دوائر من ألق “فمن الاستعارة الى التشبيه “العميق كالبحر “25” هو نص سردي كتبت حكايته بلغة شعرية، يذوب فيها جنس القصة بالشعر، والشعر بالقصة، فهو نص متداخل تزول فيه الحدود بين السرد والشعر، بمعنى أنه شعر سردي، أو سرد شعري...
يستمر النص بلغته الشعرية متكئاً على التشبيه كدرجة من درجات الصورة الشعرية، والاستعارة المكنية، هي أيضاً علاقة بين مشبه ومشبه به، أو ليس التشبيه بحثاً عن شيء تستعيره، كي يوضح رؤيتك للأشياء وتفاصيل الحياة بشكل عام ؟”كالخيوط الطفلة لضوء الصباح اتسعت دوائر من ألق خجول في مدى عينيها النقيتين كالبلور، ارتعشت نبتة القلب وامتد ارتعاشها للعروق في اتساق وتناغم أذهلها اتحدت كل جزيئات كيانها لتعلن عن هذا الفرح “ 25هو تناوب وتجاور بين التشبيه والاستعارة تتضح من خلاله الرؤية والفرحة... بالمقابل يكون الفرح مداً متسللاً “إلى صحرائه المطفاة “وموقضاً “ما كان مختبئاً في أعماقه من الألم “25” إزاء هذا الفرح يكون اقتلاع “ما كان قد اعشوشب في أرضه “25”لتضيق“ دوائر الألق المتسعة في مداه، وابتدأ من جديد رحلة السكون “إذا هي حركة الحب ونبتة القلب، في مقابل "رحلة السكون" و"لون الخضرة" في مقابل اقتلاع "ما كان قد اعشوشب في أرضه" ، بين "ضاقت دوائر الألق المتسعة في مداه" و "فما زال الفرح النابت فيها يورق كل صباح الق محبة تتسع دوائره لتملأ كل الكون “25”.
"يدان" نص بصري تحضر فيه اليدان الكبيرتان، كصانعة لأقراص الخبز، مختزلة جمال المرأة، كأداة للإنتاج، ومابين نظرة الحسد الممزوجة بالغيظ، التي رحن يرمقنها بها و جعلتها تشعر بغيظ عارم من النشوة، وبين صورتها ل”فارس أنيق لا يشبه أبناء قريتها.. يقولون في القرية إنه مهندس كبير، دمعت بسعادة.. ستكون زوجة هذا الرجل الكبير “27”لكن” فارعة “التي لا يرد اسمها سوى مرة واحدة في النص، على لسان رجال القرية، ليس كأنثى وإحساس وجمال متميز، وإنما ك "أفضل من يصنع الخبز"تغادر خيالها الذي حلقت به بعيدا عن الواقع “لا شك سيخطفها من الآخرين كأميرة “27”لتجد نفسها بعيدا عن “الصدى الهائل لآهة حارقة تترددفي الأعماق “28”واقع ثلجي يخلو من تلك الآهة، وتلك الخيالات التي حلقت بها بعيدا “تلمست الطرحة البيضاء الموشاة أطرافها بنقوش ذهبية، ونظرت في الوجه الثلجي الباهت جانبها، لم تجد مايشبهها فيه سوى الطرحة البيضاء التي تلفها “28” ولأن اختيارها كان اختياراً لكفين صانعين للخبز، كان سرورها كثيراً حين “عادت كالأخريات فقد تضاءلت أصابع كفيها، واختفت الندوب المشوهة من عليها “ليبزغ “بريق شفاف أسمر انسل من بين أناملها، باحثاً عن قلب يتسع له، قلب واسع ككفيها السابقتين “28”
“تماهي“ هذا نص سرديّ يتخذ من ضمير المخاطب “فاعلية سردية من خلال الأفعال “تقف، تفلت، تخرج، تلامس، تعبث، تصرخ، ترقص، تشتعل، تصحو ...الخ “إنها تتلاشى متماهية في المرآة سنوات بانتظار وعوده بالعودة إليها، لهذا تظل هي والمرآة ورسائله في حالة حوار مع الذات الموزعة بين المرآة والرسائل والسنون، التي ترسم نفسها خطوطاً وهي “تستنشق الرسائل المضمخة بعطره ملء رئتيها “تعيش بذاكرة أول رسالة “وتأسرها النشوة: لا احتمل البقاء هنا لحظة واحدة.. بدون صوتك الحنون، وجهك الملائكي، تصبح الدنيا سوداء، طريقي مشوش لا أدري كيف ستمر أيامي هنا، من أجلك فقط ..أحتمل كل هذا العذاب “29”لكن خطاب الرسائل يبدأ بالابتعاد عنها من “حبيبتي حصلت على عمل جيد...”إلى “قد أتأخر قليلا، لا استطيع المجازفة الآن “إلى قوله “لم ألومك لو اخترت شريكا آخر”ثم تكون النهاية بالبعد والابتعاد “كل مستقبلي هنا... سنوات من الكد والجهد والسهر... كيف يمكنني أن أرميها وراء ظهري ؟”31” لكن سنين الانتظار جعلتها “تصرخ رعباً من ملامحها، ومن أشباح استطالت ورقصت حولها “31”هذا نص عنونته الساردة ب”تماهي “في حين أن التماهي يحتاج إلى طرف آخر تتماهى معه، والساردة الداخلية هنا لم تتماهى مع طرف محسوس، لكنها تماهت مع وعود وهمية، إنها تلاشت بفعل سنين الانتظار والشوق، والرسائل التي رسمت ملامحها، وتلك الاشباح التي “استطالت ورقصت حولها “31”...
هي نصوص تجمع مابين المرأة وآلامها وأشواقها المدفونة في الصندوق –ومابين شعرية تستطيل بغنائية حزينة، مكثفة رؤيتها أحياناًً بنصوص ومضية، تعكس رؤيتها للرجل، مثل نص “تحول “وهو أحد نصوص متفرعة من عنوان رئيسي “نتحدر كدمعة نصوص “لكنها دمعة فيها من النقد مايجعل الرجل نقيضا للغفران “تحولت رجلا
فقد تعبت روحها المتسامحة من ال.....غفران “
إنه التلاشي المصحوب بالألم... ففي انحدار دمعة أخرى، لا يصبح في المكان سواه، وهي عودة إلى التلاشي فيه، لكنه تلاش فيه الكثير من القهر، ففي نص "عودة" لم يبق في المكان سواه فحين عاد تلاشت فيه “
إنه التلاشي المسبوق بحرف الجزم والنفي “لم”هذا النفي المستغرق لفعل البقاء.. لكنها في دمعة انحدار أخرى، تعود للغناء الحزين، ففي “مساء “”كل ليلة يجيء مسائي... دون نجوم زهرية تتخبأ في أكمام الليل وظلال فضية تغازل النافذة “68”لكن لغة القاصة الغنائية تغادر نبرة الحزن، حين يكون الضمير المتكلم هو “الذكر “ففي“ "بحر" غلالتك الزرقاء تغريني باكتشاف البحر، بالنفاذ إلى عمقك الرملي، بالمرور على طحالب يعبث الموج بخضرتها.. غلالتك الزرقاء الفخمة تغريني باقتحامك حتى آخر موجة “73”وحين يكون ضمير المتكلم "امرأة" تكون الغنائية حزينة، كما هو الحال في نص “غيمة في وسادة “فالغيمة هنا ليست محملة بالحياة، ولكن بالألم والدموع “حين خبأت أحلامي في الوسادة باركتها الشمس، وزّعتها الريح على سكان المدينة .لكنني حين خبأت فيها أولى دموعي، جفت.. ولم يلاحظها أحد “94”.
لكن اللوحة القصصية الكثيفة الإضاءة، سرعان ما تتحول إلى نص شعري، يتلاشى فيها السردي، لتصبح قصيدة نثر، تكتفي بالتلميح لحكاية المهجرين غير الشرعيين، لأوربا من مدينة على الشاطئ الجزائري “الغزوات “هذا ما نجده في نص “بوصلة “الذي يتكئ على أداة التشبيه “مثلما “ليرسم للقارىء حكاية الحراقين والموج بتكثيف للحكاية غير المسرودة، “مثلما تمنح أشجار الغابة في “الغزوات “أوراقاً مسكونة بخرافات الشاطئ، تشير البوصلة “للحراقين” دائماً باتجاه الموج “75”.
وفي نص “سوليفان “يكون الإحلال بين النصوص المسلفنة وبين العباية، في إشارة موحية للعلاقة بين النص والمرأة، والسلفنة والعباية “العباية إخرج مسلفن وأنيق لنصوص لا تجرؤ على الظهور...عارية .”76”
سأكتفي بأن أختتم قراءتي لبعض نصوص هذه المجموعة بنص “مومياء “الذي يتشكل سردياً على أساس التماثلات البصرية، بين “اللفافة تبغ ...، اللفافة رضيع ...، اللفافة ميت..وأنا...
لفافة ملونة بكل مخاوف العالم بما يكفي لاقتراف الصمت “77”
إنه الخوف المتعدد الألوان، ذلك الذي يصيغ هيئة ورؤية "الضمير"أنا" المنفصل رسماً ومعنى، لهذا يكتب في سطر منفصل، إنها ألوان الخوف، التي تكفي “لاقتراف الصمت” لكنه صمت حفر نفسه، من خلال الألم والحزن والغنائية الشعرية، لتصل عبر الومضات إلى اختزال الرؤية التراجيدية، بومضة شعرية ...
.كانت تأخذني التفاصيل – مها صلاح قصص ونصوص – أزمنة للنشر والتوزيع 2010م-وهي نصوص كتبت في الفترة 2007-1999م


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.