اعتقد أن انفراج المشهد المحلي اليمني ليس مرتبطاً ببقايا النظام السابق فحسب، وإنما بالحالة اليمنية عموماً التي تبدو مستعصية وبعيدة كل البعد عن الحلول الآنية أو المرحلية معاً، فمن جهة نجد بقايا الأسرة تتحكم بجزئية من الحلول المستعجلة، التي في حال تخلت عن بعض طموحاتها سيكون، حسب اعتقادنا، هناك انفراجة حقيقية لكنها آنية وليست طويلة الأجل وكما يؤمل الجميع. ومن جهة أخرى تقف بعض القوى المتمصلحة من بقاء الوضع الراهن على ما هو عليه، تقف هذه القوى في طريق استكمال عملية التغيير وبشكلها النهائي، دون اللجوء للحلول الترقيعية في إطار التقاسم والمحاصصة القائمة حالياً. وإن كنا نعتقد أن أحزاب اللقاء المشترك تحاول وبقوة كبح جماح كثير من القوى المضادة للثورة، والتي تحاول وبكل قوة هي الأخرى تحقيق مكاسب وبأي شكل كان، لكن ما يؤخذ على الجميع وبكل أمانة هو عدم إدراكهم لما حصل في الفترة الماضية، وما هي الأسباب التي أدت إلى وجود المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية؟ وما الذي أوصل الأمور في البلد إلى هكذا وضع شبه آمن، وإن كانت هناك احتمالات عدة لعودة التوترات والمواجهات وإن بحدودها الدنيا، لكنها ستكون كارثية إن حصل مثل هذا الأمر وفي أي مكان كان. الأهم من كل هذا أن الموقعين على المبادرة الخليجية العام الماضي في الرياض عليهم التسليم بالأمر الواقع والاعتراف بهزيمتهم أمام قوة وعظمة شباب الثورة الذي لا يكلون ولا يملون. والمقصود هنا ليس المؤتمر الشعبي العام وصالح فحسب، وإنما أيضاً القيادات الحزبية في الطرف الآخر التي وقعت المبادرة وكانت جزءاً من المشهد والنظام السابق، والتي عليها أن تعترف هي الاخرى بفضل الشباب ودورهم (الحزبيين وغير الحزبيين).. وكنت في وقت سابق قد قمت بانتقاد قيادات المشترك حينما ذهبت إلى الرياض لتوقيع التسوية ولم تصطحب معها حتى ولو في الإطار الشكلي على الأقل حتى (2) من شباب الساحات، لا لشيء إلا اعترافاً بدور الشباب وأحقيتهم في أن يكونوا جزءاً من المشهد المتشكل حديثاً طالما وقد افضت الأمور إلى محاصصة وتقاسم بين القوى الحزبية العاملة على الخارطة السياسية (المؤتمر والمشترك)، وكل أولئك يعتبرون وبصريح العبارة جميعهم من النظام السابق، وإن لم تكن قيادات المشترك مرتبطة بصالح ونظامه لكنها كانت الوجه الآخر للسلطة الاستبدادية، وكما هو معروف في علم السياسة بأن المعارضة أياً كان لونها أو شكلها هي في الأصل عبارة عن وجه آخر للسلطة الموجودة.. ونحن بهكذا قول لا نعيب على أحزاب المشترك أو نحاول أن نزدريها أو نقلل من جهودها، لكن حتى نصل إلى توصيف دقيق للحالة اليمنية علينا قراءة المشهد بكل مكوناته دون تمييز أو محاباة، مع الأخذ في الاعتبار أن المعارضة في بلادنا مشكورة فقد قامت بدور تفاوضي رائع ينبغي الاعتراف لها وبكل صدق بأنها جنبت الوطن مخاطر عدة، مخاطر الانزلاق إلى الحروب والمواجهات والتشظي بكل ما تعنيه الكلمة، فاليمن بلد استثنائي في وجوده وفي موقعه الجغرافي المتميز، وطموح القوى الإقليمية والدولية ليست لها حدود ولا تقيم وزناً للعواطف والمجاملات في علاقاتها وإنما تربط كل شيء بمصالحها ولا غير.. ومن يتوقع غير ذلك من القوى السياسية على الساحة اليمنية ويعتقد بغير هذا فهم ومع احترامنا الشديد لهم ولرأيهم واهمون ولا يقرؤون المشهد قراءة صحيحة أو أنهم إنما ينظرون إلى نصف الكوب الممتلئ ويتجاهلون النصف الآخر الفارغ.. لهذا وحتى لا نظل نراوح في ذات المكان وبالنظر إلى ما يقوله البعض لا هي ثورة اكتملت وقطفنا ثمارها ووصلنا إلى بر الأمان باقتلاع جذور الفساد وبلا مجاملة أو محاباة، ولا نحن الذين استوعبنا المتغير الذي تحاول قوى الماضي البليد استنساخه وتعميمه وبكل مساوئه، وهو ما يجري ويتم التحضير له وسبق أن بشر النظام السابق به ومن وقت مبكر، فالأمر إذن في غاية الخطورة وعلينا أن لا نطيل التفكير واستحضار الماضي كثيراً حتى لا نصطدم بالواقع المر، الذي قد يفضي إلى نفق أكثر ظلاماً وقتامة وسوداوية.. فنحن وبصريح العبارة في مفترق طرق إما أن نشمر عن سواعدنا ولا نلتفت إلى ما وراء ظهورنا ونواصل المسيرة وبكل جد وقوة، فالواقع يتطلب الإقدام والبدء بعملية جراحية قيصرية قد تكون مكلفة لكن النتائج حسب اعتقادي ستكون بإذن الله باهرة، خاصة أن غالبية الشعب يرون بأن الخروج من المأزق الراهن لن يكون إلا بالتسريع بإجراء الإصلاحات وبتر العضو الفاسد من الجسد السليم، وقد شهد الجميع كيف تقاطر الشعب اليمني إلى صناديق الاقتراع في 21 فبراير 2012م ليثبتوا للعالم أجمع أنهم مع التغيير ومع الحرية ورفض التوريث والاستبداد، ومثل ذلك اليوم بمثابة تصويت نافذ عن بدء حكم جديد لمدة عامين للرئيس هادي وعليه تقع مسؤولية تنفيذ برنامج الإصلاحات دون الالتفات لمصالح الحزب الفلاني أو العلاني أو القبيلة الفلانية أو الفئة الفلانية، أي أن على الرئيس هادي وبكل صدق أن ينظر ويراعي مصالح الشعب اليمني ولا غير، فهذا الشعب منحه الشرعية المطلوبة وعليه تقع مسؤولية إجراء التعيين وإحلال الكوادر المؤهلة والمشهود لها بالأمانة والأمينة على أموال الشعب ومصالح الامة بكل فئاتها. ودون تمييز أو محاباة لتيار أو فئة أو قبيلة أو حزب أو منظمة أو غير ذلك (كلكم لآدم وآدم من تراب) الكل سواسية أمام القانون والدستور، والثورة التي قامت في فبراير 2011م لم تأتِ من أجل أن توهب المناصب للحزب الفلاني وتحجبها عن الحزب الفلاني أو تكون مناصفة بين زيد أو عمرو من الناس.. لم تكن ثورة فبراير غنيمة حتى توزع بين قوى سياسية وأخرى، الثورة كانت ثورة تغيير وإصلاح، ثورة طالبت بالمساواة والعدالة الاجتماعية ورفض العنف والتطرف والغلو وإصلاح الاعوجاج في القضاء والأمن والتربية والصحة وكافة مناحي الحياة دون استثناء.. وذلك لأن البلاد كانت وصلت عموماً إلى حالة من اليأس والقهر والإحباط، لكن الحديث عما ستكون عليه الخارطة السياسية القادمة لليمن فأعتقد أن مؤتمر الحوار القادم سيتحدد على ضوئه شكل ومضمون الدولة القادمة، طبعاً مع الأخذ في الاعتبار الحالة الاستثنائية لمؤتمر الحوار أيضاً كون كل القوى والفئات والفعاليات ترى أحقيتها المشاركة في هذا المؤتمر وفي وقت لا يمكن بأي حال نجاح المؤتمر في حال تشعبت الرؤى وتعددت المطالب والأهداف والمقاصد دون الحاجة لذلك، وقد يقول قائل: ولمَ لا نرد بالقول لا بد من توصيف وفرز للقضايا الرئيسية التي يفترض مناقشتها أولاً، ومن ثم يمكن أن يكون هذا المؤتمر هو الأرضية الصلبة التي سوف تقف عليها جميع القوى السياسية والاجتماعية والثقافية لتأسيس رؤية واضحة لبناء اليمن الجديد بدولته المدنية القائمة على العدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص وبعيداً عن لغة المحاصصة والتقاسم الحزبي والذي دفع بالشباب إلى حالة التذمر وشن حملات دعائية قاسية ضد الأحزاب بعمومها ورغم كل هذا لا زلنا نؤمل في الرئيس هادي بأن يعيد الأمور إلى نصابها والبدء بإقامة دولة النظام والقانون والمساواة، وأن لا ينظر إلى من يحاولون زرع الأشواك والأحجار ووضع العقبات في طريق المستقبل وبناء اليمن الجديد.. ثم (لله الأمر من قبل ومن بعد). [email protected]