رحل عن دنيانا رجلٌ لم يكن مروره فيها عابرًا، ولا كانت خطاه على ترابها مجرد أثرٍ يزول. رحل العالم الربّاني المهندس محمد عبدالله المقرمي؛ ذلك الذي بدأ حياته يلامس أسرار الطائرات، ثم ختمها وهو يلامس أسرار الأرواح، يحلّق بها في فضاءاتٍ أعلى وأرحب ممّا تقوى عليه أجنحة الحديد. كان مهندسًا، نعم، لكن هندسته لم تقتصر على صناعة الأجنحة؛ بل امتدت إلى هندسة الفهم، إلى بناء الجسور بين الإنسان ونصوص آيات القرآن، إلى ترميم القلوب وإعادة تشكيل الوعي. لقد فتح الله عليه بفيوضٍ ربّانية وتجلياتٍ نورانية جعلت كلماته تنفذ إلى القلوب دون استئذان، وتخترق الأسماع بصفاء روحٍ نادرة قلّ أن تجدها في زماننا بين الوعّاظ والدعاة. ترك عالم الطيران وراءه، ودخل في خلوته الخاصة، خلوةٌ ذكّرتني بتلك التي عاشها مولانا جلال الدين الرومي، حين خرج للناس بعدها شيخًا يحمل سرًّا، ونورًا، وفهمًا عميقًا للحياة. وكذلك خرج المقرمي: أكثر إشراقًا، أعمق بصيرة، وأشدّ قدرة على أن يأخذ بأيدي السالكين نحو مدارج القرب من الله. كان حديثه بسيطًا في مبناه، عميقًا في معناه، رقراقًا في لغته، مشعًا في روحه. كان يكتب ويدعو ويُرشد بقلبٍ امتلأ بمحبة الله، وبعقلٍ استنار بفهم القرآن، وبنَفَسٍ ملهَمٍ قادرٍ على أن يجعل أقسى القلوب تلين، وأشدّ العقول تشبثًا بالمألوف تنفتح على آفاق جديدة. ولم تكن خاتمته أقلّ جمالًا من مسيرته. خرج في رحلة دعوية يحمِل فيها رسالته، محدِّدًا ملامح مدرسته المتفرّدة، ثم مضى إلى مكة؛ مهبط الوحي ومقرّ النور، ليلفظ فيها أنفاسه الأخيرة ويسلّم روحه إلى بارئها في موضعٍ أحبّه وأجمل ما يُختَم به العمر. يا لها من نهاية تُشبه أصحاب البصائر، وتليق برجلٍ ربّانيٍّ عاش لله، ومات على بابه. رحم الله الشيخ الفاضل محمد عبدالله المقرمي، وجعل مقامه في عليّين، وأسكنه الدرجات العُلى من الجنة، وضمّه إلى زمرة الصالحين والأولياء المقرّبين. عزاؤنا أنه رحل وقد ترك وراءه نورًا من الفهم، وأثرًا من الوعي، وطريقًا ممهدًا لمن أراد أن يسلك دروب الحقيقة. خالص العزاء لأسرته الكريمة وأولاده ولجمهور كل اليمنيين الذين أحبوه. إنا لله وإنا إليه راجعون.