العزي :قاموس صنعاء يخلو من الاستسلام    الجيش الأوكراني يعدم 16 شخصا بينهم نساء واطفال رميا بالرصاص    الامن الاردني يستعد لمحاكمة شخصيات نافذة    قتيل وأكثر من 100 جريح باحداث شغب خلال مباراة كرة قدم في الارجنتين    حافلة اشبه بالصاروخ تنقلك من دبي إلى أبوظبي في أقل من نصف ساعة    اليوم .. اليمن تواجه سنغافورة في تصفيات اسيا لكرة القدم    السعودية : الشباب ينضم لإنجاز عمالقة الدوري    السعودية : الهلال يتعثر خارج الديار أمام الاتفاق    بعد مرور ساعات من اندلاع اشتباكات عنيفة في شبوة صدور قرار مفاجئ لأول مرة! (تفاصيل)    سيارة جورج كلوني الغريبة التي يبلغ سعرها 420 ألف دولار    الديمقراطيون يدعون لمعاقبة السعودية بعد قرار تخفيض انتاج النفط.. وهذا ما حدث !    ZTE تكشف عن هاتف أندرويد متطور وسعره منافس    زامل لبيك يا المصطفى    الإخوان في وادي وصحراء حضرموت    لست يمنيا    وردنا الآن .. خسائر فادحة يتكبدها المجلس الانتقالي بعد إعلان معارك عنيفة في جنوب اليمن    تحت الضغط الاعلامي: أبوعوجا وطيمس يعيدون قاتلا إلى السجن    بنقلة الشيطان في عدن؟!!    "إمارة المكلا" وسطوة التطرف والإرهاب    د "عارف بامرحول" مديراً لمكتب صحة مديرية البريقة    سواريز يتحدث عن ميسي    عاجل: المجلس الرئاسي يؤكد على إنهاء الانقلاب وغارات جوية تستهدف الحوثيين في هذه المحافظة    منتدى شباب الصفوة يقيم مهرجان الزواج الجماعي الرابع ل 30 عريس وعروس في عدن    ارسنال يتخطى بودوغليمت بثلاثية    دي تشيليو يغيب عن مواجهة الميلان    صدور قرار سعودي شجاع وتاريخي .. الكرة في ملعب هؤلاء وعليهم الاختيار فمن هم؟    جامعةالعلوم والتكنولوجيا تنظم ورشة تطوير برنامج بكالوريوس الطب والجراحة    استغلال المولد لصالح الخرافة والتضليل    تنفيذاً لقرار الزبيدي.. المهندس معين الماس يلتقي مستثمري محطات الاوزان في لحج    إصلاح غرفة سيئون يحتفي بذكرى تأسيس الحزب وأعياد الثورة اليمنية    مطبخ فارغ وبطون خاوية وأسر تصارع الجوع.. مشهد يومي متكرر في اليمن مميز    الذهب يتراجع مع صعود الدولار وعوائد سندات الخزانة الأميركية    أبو لحوم يضع حجر الأساس لمشاريع خدمية بجزيرة كمران ب 320 مليون ريال    صانعة كيك بدرجة مهندسة مدنية    الرئيس الزبيدي يطلع على مشاريع إستثمارية كبيرة لليابان في عدن    الحوثي وبن حبتور يتفقدان الترتيبات النهائية للاحتفال بالمولد في ميدان السبعين    المتحف الحربي يفتح ابوابه السبت للمواطنين مجانا بمناسبة المولد    إصابة امرأة وشابين بانفجار عبوة ناسفة وسط مدينة تعز مميز    مصر تعلن عن رصيدها من الذهب    أستهدفت ( 448 ) أسرة : *منظمة ادرا ( ADRA ) تدشن تقديم المساعدات النقدية بأبين ..    إعلان سار ومفاجئ: خبر يزفه مطار صنعاء الدولي قبل قليل يبهج جميع المواطنين في الداخل والخارج    منظمة الصحة العالمية تحذرمن أدوية مصنوعة في الهند بعد وفيات    الدكتوره للباحثة ميادة الاغبري في الدراسات اللغوية من جامعة عدن    الشيخ سعيد بن سيف السيابي    انخفاض كبير لعقود برنت    الشرح البيضاني تراث وفن اصيل    أبو لحوم يسلم السلطة المحلية بريمة المرحلة الأولى من دعم المبادرات المجتمعية    تخرج دفع جديدة من جامعة اب    غدا سباق رياضي بصنعاء احتفاء بالمولد النبوي    ريال مدريد ومان سيتي بالعلامة الكاملة وسان جيرمان يتعثر    الوكيل البريهي يطلع على تجهيزات ساحة الاحتفال بالمولد النبوي بتعز    عاجل: خالد الرويشان يكشف عن بيع قطعة أثرية يمنية عمرها ألفين عام بهذه الدولة    البنوك اليمنية.. دور تنموي واقتصادي مُعطَّل جراء الحرب الحوثية    عمان تحقق إنجازا صحيا غير مسبوق في منطقة الشرق الأوسط    فوائد ذهبية للتفاح الأخضر    عرض قطعة أثرية نادرة «دورق برونزي» يمني في مزاد علني ب «تل أبيب»    فاكهة يحبها الجميع ولكن يجهلوا فوائدها في علاج أمراض كثيرة    ثلاث مواد غذائية تخفف مستوى التوتر والاكتئاب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الشاعر الكبير محمد حسين هيثم : كنت أحلم أن أكون روائياً !
في حوار جرى معه قبل وفاته ولم يُنشر
نشر في الجمهورية يوم 05 - 03 - 2007


(هند) أعظم إنجاز حققته في حياتي !
من الصعب أن تكتمل كشاعر في حياتك!
تأثير سعدي يوسف في الشعر العربي يتجاوز تأثير نزار قباني
أخلصتُ للقصيدة كما لم أخلص لشيء آخر
حوار : أحمد الأغبري : حوار : أحمد الأغبري : ينطلق في قراءة المتغير الإنساني ، من زاوية مختلفة ، من خلال جديد اللحظة ؛ فيأتي (الاعتيادي) في قصيدته فريداً ، إذ هو يمارس عليه التجريد و يعيد صياغة معناه - الذي قد يكون قديماً أحيانا - بمعنى جديد ، كما يعيد هندسة مبناه مستفيداً من كل ما هو أجد ، في سياق تجربة خاصة ، نهلت من تجارب كثيرة ، واستفادت من تقنيات عديدة ، مما جعل قصيدته تتميز بشعرية مغايرة ، ممتلئة بكل معاني الحب و الجمال والفن، وهي معان منبت معينها قاع روح الشاعر ..الروح التي تتجلى عنها ، في القصيدة ، ذات الشاعر و صوته هو لا أحد سواه ..
من " اكتمالات سين " تجلى على الساحة الشعرية اليمنية اسم (محمد حسين هيثم ) قبل نحو خمس وعشرين سنة متوثباً بثقة صهوة " الحصان " منطلقاً في سفوح القصيدة الجديدة بخصوصية مدهشة ، كشفت عن نفسها كثيراً على "مائدة مثقلة بالنسيان " ليأتي " رجل ذو قبعة ووحيد " و" رجل كثير " بإعلانين كبيرين عن هذا الصوت ، وهذه الشعرية التي تجاوزت نفسها في " استدراكات الحفلة" و " حازْ بحْزٍيكْ" و أعمال أخرى اعتلى من خلالها هذا الشاعر اليمني الكبير صهوة التميز فكانت تجربته - ضمن جيل شعراء الثمانينيات - إضافة نوعية إلى القصيدة اليمنية المعاصرة ، و صوت تفرد بنضوج مبكر ، وتطور لم تتوقف مفاجأته حتى فاجأنا الموت بخطفه من بيننا ونحن في غفلة عنه لنلتفت إليه مفزوعين لنجد مكانه شاغرا .. لكن الموت ان غيب جسده فإن روح قصيدته قد ضمنت له خلودا في الذاكرة اليمنية و العربية بأعتباره شاعراً مثل إضافة نوعية في سفر القصيدة اليمنية .. إضافة يحاول هذا الحوار كشف بعض تفصيلات خصوصيتها .. وهو حوار اجري معه في أواخر العام الفائت بمكتبه في مركز الدراسات والبحوث وبحضور ابنته الرائعة المبدعة وريثة مشروع ابيها الابداعي (هند) .. لكن هذا الحوار تأجل نشره .. كأنما ارادة الله قد اختارت هذا التأجيل ليكون نشره اليوم هو جزء من رثاء المحرر للراحل الكبير الذي نسأل الله ان يسكنه فسيح جناته ويلهم اهله وذويه الصبر والسلوان ..
وقبل الانتقال الى الحوار أعيد عليكم ما قاله خالد الرويشان وزير الثقافة في مهرجان تكريم (هيثم) العام الفائت ولعلها نفس الكلمات التي سيقولها كل من عرف هيثم ،حيث قال : " لم أعرف من أصدقائي الشعراء و الأدباء شاعراً ممتلئاً بالشعر وممتلئاً بالعالم ثقافة وأدباً مثل هذا الإنسان الذي يفيض بكل الجمال الذي كنا و مازلنا في أمس الحاجة إليه ". فإلى حصيلة الحوار:
- اسمح لي ان ابدأ معك الحوار بسؤال أنت من تطرحه على نفسك .. سؤال تخاف مواجهته .. هل تصارحني به ؟
- هذا سؤال لم أتوقعه، فما كنت أتوقعه هو ذاك السؤال الذي أخاف مواجهته بالفعل ..سؤال: من أنت؟! هو- بصراحة - سؤال أخاف الإجابة عليه . من أنت ؟! ..سؤال هوية وسؤال تكوُّن ، ولا يمكنني أن أجيب عليه ؛ لأنه إلى الآن لا اعرف من أنا ...!
لكنك - إن لم تخني ذاكرتي - قد واجهت به نفسك قبل أكثر من عشرين سنة ،في إحدى قصائد مجموعة "الحصان" ..
- لكني لم اجب عليه إلى اليوم، وسيبقى هذا السؤال قائماً ، ولن يجيب عليه سوى اكتمال التجربة. و اكتمال التجربة أمر صعب و غير متيسر،كما لا تنسى أنه بين اكتمال التجربة والإجابة على هذا السؤال تكون قد تحددت النهاية..
بمعنى ...؟
- بمعنى انه بدون الإجابة على هذا السؤال يبقى السعي الدائم إلى اكتمال التجربة.
- وإلى أين وصلت تجربتك؟ هل تشعر - بعد خمس وعشرين سنة شعر- بالرضا عنها ؟
- الرضا غاية لا تدرك، وكما قيل فإن "شر أنواع السقوط هو السقوط بالرضا "، و مسألة الرضا وعدم الرضا هي مسائل نسبية، لا يمكن أن تصل بها إلى حد معين. ونضوج التجربة الشعرية وحكمي على هذه التجربة بأنها ناضجة أو غير ناضجة فهذه مسألة خارجة عن الإرادة وعن التقويم و خارجة حتى عن الحواس. بمعنى ان الحكم على التجربة بالنضوج من عدمه يبقى مسألة متروكة للقارئ و للناقد ..
و بالنسبة لك .. ؟
- بالنسبة لي ابذل كل ما استطيع لكي أصل بقصيدتي إلى حد معين.. الى ان تكون قصيدتي لا تشبه غيرها ، وان تحاول كل قصيدة ان تقدم تجربتها الخاصة ورؤيتها الخاصة .. فأحاول ان يكون هناك نسق خاص بين كل أصناف هذه التجربة، وهذا النسق الذي تنتظم فيه التجربة لا يمنع بأن يكون هناك تميز بين مرحلة ومرحلة وبين قصيدة وأخرى .. هذا الأساس في التجربة ، بمعنى أنني أحاول أجرب كل أشكال الكتابة في إطار التجربة الشعرية : اكتب قصيدة النثر بكل إمكانياتها، و اكتب قصيدة التفعيلة و حتى قصيدة العمود فقد حاولت ان استنفد طاقة العمود في إطار قصيدة التفعيلة .. وفي كل ذلك احاول المزج بين الأشكال.. و الاستفادة من كل التقنيات، والنهل من كل التجارب، بغية الوصول إلى قصيدة شعرية مغايرة أصل من خلالها إلى القارئ.
وهل كان اشتغالك على الموروث الشعبي و القصيدة الشعبية يصب في هذا المسعى المغاير؟ وما الذي وجدته في هذه التجربة ؟
- لقد حاولت ان استفيد من تجربة القصيدة الشعبية في مسألة الوصول إلى القارئ ، كما حاولت ان استفيد من تقنية التراث الشعبي والموروث الشفهي، فإمكانات وطاقات هذا الموروث تعطيك إمكانية ان تتحاور مع القارئ بهدوء وبسلاسة ، وان تصل إلى القارئ بأقل قدر من المعاناة رغم صعوبة التجربة نفسها، فمثلا هناك تجربة قصيدة ( بنو عمي) أو (غبار السباع) تستلهم حكاية شعبية وتعيد بناءها وصياغتها في قصيدة متميزة وصولاً إلى القارئ .. بالاستفادة من الطاقة الكامنة في الموروث وفي الحكاية من اجل خلق قصيدة ذات طابع خاص متميز .. في إطار السعي لتنمية التجربة وتعميقها أو السعي إلى الإمساك بأدوات التجربة أيضاَ.. في إطار السعي إلى خصوصية الصوت . هي كل ما اعمله وبعد ذلك فإن الحكم على مدى نضج التجربة أو قدرتها واكتمالها متروك للقارئ.
أكد كثير من النقاد ان "محمد حسين هيثم" استطاع ان يكون هو في قصيدته لا احد سواه بالرغم من تأثرك - مثل كثير من مجايليك من شعراء الثمانينيات - بتجارب رموز كبار كالشاعر سعدي يوسف مثلاً .. فبالرغم من تأثرك بقصيدة سعدي يوسف إلا أننا لم نجد تأثيرها واضحاً في قصيدتك .. كيف تسنى لك ذلك؟
- ربما هي معاناة البداية ؛ ففي أواخر السبعينيات كنت، إلى حد ما ، مغرم بتجربة سعدي يوسف.. فكان هناك نوع من النظر إلي ِّ، بان لدي نوع من التأثر بسعدي؛ فحرصت - من حينها - ألا يكون لي ارتباط بأي شاعر أوبأي تجربة، مع التأكيد على الاستفادة من جميع الاتجاهات.. استفدت من تجربة سعدي..لكنها لم تؤثر في تجربتي أو تظهر عليها ؛ فميزة (سعدي) انه يعلمك كيف تدخل إلى القصيدة دون ان تقع في شباكها ، لكن مع ذلك هو يعطيك مفاتيح القصيدة ، لكن لا يأخذك في شباكه بحيث انك تنطلق بتجربتك إلى مدى أبعد .. كما أنني استفدت من تجارب كثيرين ،لكني حرصت على ألا يكون هناك تأثر بشاعر محدد او بتجربة معينة، بما في ذلك قصيدة (سعدي)، وإنما كان هناك نوع من الانفتاح على التجربة، و نوع من الاستفادة من تقنيات التجربة .. و"سعدي يوسف " هو أستاذ لأجيال كاملة من الشعراء ، وربما معظم شعراء الثمانينات هم نتاج تجربة (سعدي)، لكنك تجد لكل شاعر منهم فرادته و صوته الخاص .
سعدي يوسف لا يأخذ الشاعر في عباءته لكنه يعطيه مفاتيح الشعر ثم يتركه في الفضاء .. واثر سعدي ليس على الشعراء أمثالي وإنما على الشعراء الكبار الذين قطعوا شوطاً كبيرا حيث استطاعوا ان يتعلموا من سعدي بعض مفاتيح القصيدة .. ف(سعدي) بفعل موهبتة العالية و انفتاحه على الشعر العالمي قدم انجازات كبيرة للقصيدة لم تُدرك كما ينبغي و لم يدرس كثيرا منها و بالتالي فتأثير (سعدي) في القصيدة العربية يوازي إذا لم نقل يتجاوز تأثير ادونيس ومحمود درويش ونزار قباني في الشعر العربي المعاصر.
فرادة التجربة
- وماذا عن تأثير الحافظة الشعرية .. كيف تجاوزته ؟
- من اللازم عليك كشاعر أن تضيف شيئاً إلى التجربة الشعرية.. من اللازم عليك وأنت تكتب القصيدة ان تدرب حواسك على الالتقاط ، وعلى ملامسة التغيير .. أن تحاول دائماً ان تتفرد بصوتك ، وان تبعد عن القطيع ، بحيث تكون أنت ولا تكون سواك ، وهذه لن تتأتى لك إلا عندما تمتلك تجربة خاصة ، في كتابة النص ، تتدرب فيها على امتلاك الأدوات، والسيطرة عليها .. فأنت عندما تسيطر على أدواتك فأن قصيدتك في الأخير ستكون صوتك!.
- وكيف أخصبت مخيلتك بما مكنها من تجاوز تأثير الحافظة وصياغة عوالمك الخاصة؟
- مصادر إخصاب المخيلة هي مصادر متنوعة ومن هذه المصادر : الواقع الاجتماعي والواقع الثقافي وأيضا المثاقفة و التأثر بالأخر والاستفادة من التجارب الأخرى.. فالتقاطك لمفردات الواقع بحذاقة و ارتباطك بأشيائك
الخاصة و ارتباطك بالموروث الشعبي ..كل ذلك هو شكل من أشكال البحث عن الصوت وعن التفرد وصولاً إلى شعرية مغايرة والى خصوصية ما. فأنت تسعى .. أما مدى توفيقك في هذه المسألة فالمسألة متروكة لمدى إحكامك على أدوات هذه التجربة ..
- اذاً نفهم من كلامك انك حرصت منذ البداية على ان تكون لك عوالمك الخاصة؟
- بالنسبة لي فقد كان هذا هو مسعاي الأساسي .. و لا أنكر في هذا فضل توجيهات الأساتذة الأوائل، حيث كان لي الشرف في ان تتلمذت مباشرة على أيادي الأساتذة الأوائل أمثال: سعدي يوسف وجيلي عبدالرحمن وعلى أيادي عدد من الشعراء الكبار ممن كان لهم تأثير مباشر على التجربة بحيث انه صار هناك توجيه وجهاً لوجه وأيضا الاطلاع الحميم على التجارب الشعرية الأخرى ومحاولة مقارنة التجارب بعضها ببعض وملاحظة التميز فيما بينهما من ثم ملاحظة ماذا تتميز أنت عنها فهذها السعي الدائب يوصلك إلى نتيجة ما.
- و ماذا عن "التناص" ؟ إلى أي مدى كان اعتمادك عليه في تجربتك دون ان تقع ضحيته؟
- "التناص" مسألة أساسية في النص الشعري .. فأنت لا يمكن ان تقيم تجربة في الهواء ، فأي تجربة شعرية لابد ان تكون متأصلة في التجارب الأخرى . "التناص " هو كيف تصل إلى ان تكون قادراً على ان تبني من خلاله نصك أنت ، لا ان تكون أنت ضحية التناص ، بحيث يسلبك خصوصيتك أو ان تحول "التناص" إلى تقنية من تقنيات كالتي تبني عليها تجربتك الشعرية.
وأنا كنت احرص على ان يكون "التناص" جزءاً من تجربتي لا ان يأخذني في سياقه. هناك التباس في فهم مفهوم " التناص" ؛ فهناك تناص (بفتح التاء ) يُغنيْ تجربتك الشعرية ويثريها، وهناك تناص(بكسر التاء) ومعناه عكس تجربة الآخر والاستحواذ عليها ، ومن ثم التلبس بها .. وهنا لابد من التمييز بين المفهومين : بين ان استفيد مما أنجزه السابقون ، وان أعيد إنتاجه بشكل يمثلني أنا كشاعر ، وبين ان أقع في اسر هذا الذي أنجزه الآخرون ، ثم أحاول أن استحوذ عليه..
النضوج المبكر
- الى اي مدى كنت مخلصاً للقصيدة وقضاياها وهمومها ؟
- " القصيدة لا تقبل ضُرة ".. هكذا كان يقول أحد أساتذتي الكبار .. و الإخلاص للقصيدة ضروري .. فإذا لم اخلص للقصيدة فهي لن تعطيني نفسها ولذا حرصت ان أكون مخلصاً جداً حتى انني أجد نفسي أخلصت للقصيدة كما لم اخلص لشيء آخر .
- ما هو وجه التشابه و الاختلاف بين "محمد حسين هيثم" مع شعراء جيله؟
- نحن انطلقنا من تجربة كانت تسعى إلى المغايرة منذ البداية ، و نشأنا في خضم السجال السبعيني الحاد بين القدامة والحداثة ، لذا فقد انتصرنا للقصيدة الجديدة والأجد في أعلى مستوياتها ؛ فكان انحيازاً إلى هذه التجربة .. بمعنى إننا كجيل كامل كان الانحياز التام هذا هو عامل التشابه الذي يمكن القول انه يميزنا كجيل كامل عن أجيال أو حقب الشعر المعاصر .. لكن كل واحد منا تلقى من طريق ما .. ووَّحدتنا في فترة من الفترات الانتماءات الأيديولوجية و الفكرية فكنا ننهل من منهل واحد ومن تجارب متشابهة ؛ فكان إلى حد ما القاموس الشعري يتشابه مع حرص كل واحد منا على ان يكون له صوته .. لكن تشعر ان كثيراً من المفردات تتشابه .. كثيراً من الرؤى تتكرر .. كثيراً من الأشياء والمفردات تتشابه ، وكان الذي يتميز من أبناء الجيل هو الذي يكون له قاموسه الشعري و يكون له تجربته الخاصة و يكون له صوته المميز لكن هناك أشياء تجمعنا وأشياء توحدنا كتجارب نشأت في نفس النسق ونهلت من نفس المنهل .
- ما الذي أردت قوله في "رجل في أقصى عتمته" و "رجل كثير" و "رجل ذو قبعة ووحيد " ؟
- " رجل في أقصى عتمته" هو تعبير عن قمة العزلة التي يصل إليها الإنسان وهو يناقض "رجل كثير" فرجل كثير هو رجل متعدد وهو الإنسان بذاته الذي تحقق في أشياء كثيرة جداً و" رجل ذو قبعة ووحيد" هي حالة إنسان فرد سعى إلى ان يمتلك حضوراً ذاتياً كبيراً لكن في نفس الوقت هو مُداس ومُهان .
هل بالضرورة ان يكون الشاعر هو المقصود فيما يكتب؟
- لا ؛ الشاعر يضيف شيئاً من ذاته للتجربة الشعرية ، لكنها ليست هي ذات الشاعر .. ربما في التجربة الشعرية شيء من الشاعر لكن الشاعر لا يقدم فيها نفسه كاملا ً.. و ليس بالضرورة ان يكون هو في هذا النص أو ذاك .
" لم أكن أترجى القصيدة لكنها اقترفتني".. ما الذي أردت ايصاله في هذا البيت من القصيدة الرائعة ؟
- الشاعر هو يسعى إلى ان يتحقق في القصيدة و القصيدة - أحيانا- هي تقترف الشاعر بمعنى انها تستحوذ عليه .. تمتلكه و تمزقه .. بالتالي هي عملية اقتراف هي جريمة ، لكنها جريمة إبداعية يكون الشاعر هو الضحية ، وهو نتاج لهذا الاقتراف البديع.
- صدرت حديثا مجموعتك الشعرية الكاملة .. لكننا لاحظنا انها بدأت بأحدث أعمالك ؛ هل لأنك تراها احدث أعمالك .. ترى انها الأفضل؟
- لا .. لكن ترتيب المجاميع في المجموعة جاء في سياق زمني لا غير ..بمعنى ان ابدأ فيها بأخر ما قدمته ، ثم يتابعني القارئ نزولاً إلى مرحلة التكون ..حتى أعمالي الأولى..
كيف تنظر إليها .. اقصد: أعمالك الأولى؟
- رائعة جداً ، فهي التي أسهمت في تكويني وتقديمي إلى القارئ .. و استغرب احياناً ان هذه الأعمال هي أعمال أولى ، حيث أجدني متحققا ً في كثير منها، ولا استطيع ان أعيد إنتاجها ، مثل قصيدة (اكتمالات سين) فهي تمثل مرحلة اعتبرها مجازاً هي مرحلة نضوج مبكر ، و كانت كنص حلم حلمت أن يتحقق.
- هل أعمالك الكاملة الصادرة مؤخراً في مجموعة كاملة هي أعمالك الكاملة ؟
- من الصعب ان تكتمل كشاعر في حياتك ..
هل هذه المجموعة هي كل ما نشرته ؟
- ليست كل ما نشرته ؛ فهناك أكثر من مجموعة لم تتضمنها الأعمال الكاملة وهي في طريقها إلى الصدور ، و أنت عندما تحاول أن تجمع مجموعة شعرية تحاول ان توجد بينها نسقاً فتستبعد بعض النصوص وتضمها في مجموعات أخرى تتسق معها ..فكثير من النصوص سقطت وستصدر في إصدارات لاحقة .
ثانياً: من باب المجاز وصفها ب(أعمال كاملة) و لكنها ديوان يضم مجموعة من القصائد أو دواوين صدرت في مرحلة تاريخية معنية.
قصيدة النثر .. نصف تجربتي
- قصيدة النثر .. أين كانت في تلك الأعمال؟ و الى أين صارت علاقتك بها ؟
- بدأت تجربتي مع قصيدة النثر من مرحلة التكون ، وواكبتني من لحظات الكتابة الأولى : من أول ما بدأت كتابة القصيدة الحديثة.. وإن كنت أجد نفسي في الوزن أحياناً رغماً عني ، إلا ان قصيدة النثر رافقت تكوني ، وواكبت تلمسي للأشياء الأولى في العالم، وبالتالي فقصيدة النثر هي مكون أساس من مكونات تجربتي الشعرية ، بل اني أجد نفسي أكثر في قصيدة النثر .. وبالتالي فقصيدة النثر هي جزء أساس من تجربتي الشعرية وتكاد تكون نصف تجربتي.
- من خلال شغلك منصب أمين عام اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين لنحو خمس سنوات تقريباً؛ ما الذي لمسته في تجربة شعراء جيل التسعينيات وما بعده ؟
- في مرحلة تكون تجربتي في أواخر السبعينيات كنا نعايش القديم والجديد وانتصرنا في الأخير للشعر الجديد: قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة، لكن مشكلة جيل التسعينيات وما بعده هي أنهم يعودون إلى البدايات.. وهذا ليس انتقاصاً في حقهم ،فعلى هذا الجيل ان يستفيد مما أنجزه السابقون ويبنوا عليه ؛ لكن العودة إلى الأشكال التقليدية من الشعر تفيد كمحاولة لتلمس التجربة ، لكنها لا تفيد في الوصول إلى بناء شعري متميز .. وهنا نقف على واحد من اكبر عيوب شعراء التسعينيات في اليمن ، وهو أن اغلبهم استعاد كل البدايات الكلاسيكية للشعر العربي وعاد إلى بدايات الشعر العربي ليؤسس تجربته، وبالتالي اغفل ما تم انجازه في القصيدة اليمنية على مستوى الجديد والحديث ؛ فجاءت تجاربهم تفتقد للخصوصية.. لكن تبقى هناك مجموعة من الأسماء تميزت في هذا الجيل، وهي التي حاولت أن تستفيد مما أُنجز في كتابة القصيدة الحديثة، وهؤلاء هم شعراء قصيدة النثر، فيما اغلب بقية الشعراء- للأسف - لم يضيفوا شيئا للتجربة الشعرية .. بالعكس هم حاولوا ان يراكموا التجربة ، وان يكونوا أرقاماً لا أكثر، فيما التفرد والتميز هو في أن تضيف إلى ما أنجزه الآخرون.
فوضى شعرية
لكن هناك من يتحدث عما يوصف ب"الفوضى " في الشعر الجديد؟-
- الفوضى مطلوبة في الإبداع ، و التمرد عما هو مستقر فوضى مطلوبة، لأنها هي الفوضى الخلاقة .
- لكنها فوضى إلى حد الفلتان والهذيان أحياناً..كما طرح أحد النقاد ..
- الهذيان مطلوب في الشعر.. الانفلات مطلوب كتجربة .. أتمنى أن يكون هناك فوضى شعرية .. فهناك انتظام قاتل إلى حد الاكتئاب!
أخيراً : ما السؤال الذي تمنيت ان اطرحه عليك و لم افعل ؟
- كثير من الأسئلة سئلت، وكثير من الإجابات سعيت إليها، وإن تمنيت أن تسألني فهو،عما قدمته للناس على صعيد الانجاز الإبداعي ؟.. لأني اعتقد أني قدمت القاصة والروائية "هند هيثم" لهذا العالم ، وأعدها أهم انجاز حققته في حياتي.
" في إشارة إلى ابنته هند - 17سنة - و التي تعد أصغر روائية يمنية ".
- لكنها روائية وأنت شاعر.. كيف استطعت أن تحقق ما حققته منها؟ كيف استطاع الشاعر ان يلد روائية ؟
- هي شاعرة الرواية ، وقد ولدت في خضم القصيدة ، ولو تمعنت في روايتها لوجدت المكون الشعري هو الغالب، مثلما ستجد المكون السردي هو الغالب في قصيدتي، فلو بحثت في قصيدتي ستجد أن المزاج السردي هو احد مكوناتها الأساسية، وبالتالي فإجابة سؤالك هي في أن (هند) هي امتدادي، هي صوتي الآخر.. هي الروائية التي كنت احلم ان أكونه .. كنت احلم ان أكون روائياً فلم يتحقق الحلم من خلالي ، وتحقق من خلالها .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.