أول تحرك صارم بحق المزارعين ب"مياه الصرف الصحي"    من يزعم "مليونيات الذكاء الاصطناعي" يكشف سقوطه الأخلاقي قبل الإعلامي.. ك "تفسير الشمس ضوءا صناعيا"    متحدث الانتقالي عن الحكومة: الشعب هو الفيصل وليس الصفقات المشبوهة    الباحث أحمد حامد ينال الماجستير بامتياز عن دراسة السياسة الأمريكية وتأثيرها على اليمن    النيابة توجه بالإفراج عن 16 سجينًا في الإصلاحية المركزية بصنعاء    عاجل: محاولة اعتقال قيادي شاب تشعل سيئون.. مدرعات قوات الطوارئ اليمنية تحاصر حي السحيل بسيئون    الرئيس المصري: تأمين البحر الأحمر وخليج عدن مسؤولية الدول المشاطئة لهما    بدعم من قوة الاقتصاد.. نمو احتياطيات النقد الأجنبي في الصين خلال يناير    منظمات مجتمع حضرموت تحذر من تعريض حياة الناشط المختطف ناصر بن شعبان للخطر    صنعاء.. البنك المركزي يعيد التعامل مع شركة صرافة    سورية: توغل صهيوني جديد بريف درعا    عدن على أعتاب رمضان.. "طوابير اليأس" تعود مع إغلاق محطات الغاز    انتقالي المسيمير يدين قمع المتظاهرين في سيئون ويعلن دعمه الكامل لمطالب أبناء حضرموت    مصطفى نعمان: الامن في عدن هش والتوجه نحو صنعاء غير منطقي وتشكيلة الحكومة راعت الحسابات السياسية والمناطقية    إلاك ..انت    رغم دخول شهر فبراير..استمرار الاجواء الباردة في المرتفعات    تنفيذ حكم القصاص بحق مدان بقتل رجل وامرأتان في اب    قمة نارية في الدوري الإنجليزي بين ليفربول والسيتي    منصور: تدوير المرتزقة يكشف إفلاس قوى العدوان وأدواتها    ماوراء جزيرة إبستين؟!    دول العدوان تعترف باستهداف المنشآت المدنية باليمن    دوري أبطال أفريقيا: الاهلي يحسم تأهله لربع النهائي رغم التعادل امام شبيبة القبائل    الليغا .. برشلونة يضرب مايوركا بثلاثية    في شكوى ل"الاتحاد البرلماني الدولي".. الناىب حاشد يكشف عن تدهور حاد في وضعه الصحي    سوسيداد يحقق الفوز ويستعيد مركزه الثامن في الليغا    حلف قبائل حضرموت و"الجامع" ينتقدان آليات تشكيل الحكومة ويتمسكان ب"الحكم الذاتي"    صنعاء.. السلطات تسمح بزيارة المحامي صبرة وشقيقه يكشف تفاصيل الزيارة    كاك بنك يعلن شراء العملات الأجنبية من المواطنين وفق السعر الرسمي    إشراق المقطري :عندما يجد القانون صوته الإنساني    ارسنال يهزم سندرلاند3-0 وتشيلسي يفوز علي ولفرهامبتون 3-1 في الدوري الانجليزي    صنعاء.. البنك المركزي يحدد موعد صرف مرتبات ديسمبر 2025    فلكي يمني يحذر من كتلة باردة ورياح مثيرة للغبار    قضية الجنوب أصابت اليمنيين بمرض الرهاب    حادث سير مروع على الطريق الساحلي بين عدن والحديدة    عن دار رؤى بكركوك: «شارلوتي» رواية قصيرة لليمني حميد عقبي    إرادة الشعوب لا تصنعها الخوارزميات    أعمال شغب ليلية في وادي حضرموت    عضو مجلس القيادة المحرّمي يلتقي وزير الأوقاف والإرشاد الشيخ تركي الوادعي    صنعاء.. بدء إصدار التعزيزات المالية لمرتبات ديسمبر 2025 لجميع الفئات    نجم اليمن للتنس خالد الدرم يحصد برونزية غرب آسيا البارالمبية بمسقط    افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية 2026 في ايطاليا    إب.. فريق "صقور بعدان" يتوج ببطولة كأس "بعدان" ال 18 بحضور جماهيري واسع    رئيس هيئة المحافظة على المدن التاريخية يزور مدينة شهارة    لحج.. وفاة سائقين في حادث مروري بطور الباحة    انخفاض استهلاك واسعار السكر لادنى مستوى في 5 سنوات    علماء روس يطورون مركبات كيميائية توقف نمو الأورام    تقرير خاص : كهرباء عدن والمنحة السعودية.. تحسن مؤقت يوقظ ذاكرة المعاناة الطويلة ويضع الحكومة أمام اختبار صيف قاسٍ ..    في ذكرى رحيل القائد عشال    شعب الجنوب العربي عالمي بوسطيته واعتداله    الفخراني يحصد جائزة الاستحقاق الكبرى لعام 2026    دراسة طبية تكشف نهجاً مبتكراً لتعزيز التعافي من السكتة الدماغية    تعز.. تسجيل نحو ألفي حالة إصابة بالسرطان خلال العام الماضي    وزارة المطاوعة وفضيحة سوق تأشيرات العمرة.. فساد مالي ينهش جيوب اليمنيين    النفط يرتفع وبرنت يسجل 67.87 دولاراً للبرميل    تعقيدات سعودية جديدة أمام المعتمرين اليمنيين    قيود سعودية جديدة للحد من المعتمرين اليمنيين    وفاة 8 أشخاص وإصابة أكثر من 1200 آخرين بمرض الحصبة خلال يناير    "عمرة رمضان" وسطوة الرواية على الآية؛    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التكثيف في القصة القصيرة جدا 1-2
نشر في الجمهورية يوم 08 - 09 - 2011

التكثيف مصطلح منقول من ميدان (علم النفس)([1]) إلى ميدان(علم الأدب) وظيفته((إذابة مختلف العناصر والمكونات المتناقضة والمتباينة والمتشابهة وجعلها في كل واحد أو بؤرة واحدة تلمع كالبرق الخاطف))([2]) ، وهو يحدد بنية القصة القصيرة جدا ومتانتها لا بمعنى الاقتصاد اللغوي فحسب..وإنما في فاعليته المؤثرة في اختزال الموضوع وطريقة تناوله، وإيجاز الحدث والقبض على وحدته, إذ يرفض الشرح والسببية ,فيغدو كالطين الذي يمسك مداميك البناء، مثلما هو عنصر في تشكيل كل مدماك, ويصير حذف أي جملة منه مشكلة، وعلى هذا الأساس عدّه د.أحمد جاسم الحسين من حيث أهميته ثاني العناصر التي تحقق للقصة القصيرة جدا وجودها النصي فيما لو أحسن استخدامه بشكل يثير ويشوق([3]) كما في قصة (عراق)([4]) لوفاء خرما:
دخلا دارتهما في بغداد.
صاح الزوج: سرقوا كيس الرز!
لطمت الزوجة خدها صارخة:بل سرقوا مصاغي..خبّأت مصاغي في كيس الرز!
رن جرس الدارة, وقفت بالباب امرأة تمد يدها بصرة وهي تهمس في خجل: خذوا ذهبكم, أطفالي جياع إلى الرز فقط.
فالتكثيف في هذه القصة يعد عنصرا حيويا بما تنطوي عليه من مجازات وثنائيات تستحضر عند تحليلها أو قراءتها من فضاءات المحذوف أو الغائب أو المحتمل أكثر مما هو حاضر في لغتها ودلالاتها المباشرة .
أما إذا لم يحسن القاص استخدامه, فإنه يخرج القصة من دائرة الانتماء القصصي إلى دائرة الانتماء الشعري بانحرافها إلى التركيز على اللغة وضغط الحدث والموضوع بشكل غير مقبول كما في قصة (حفل)([5]) لسميحة خريس:
في الليل أراقص الذكريات
فالإنهاك الشديد لبنية القصة حولها إلى سطر شعري يمكن أن يكون ضمن أي قصيدة نثر أو قصيدة توقيعة لإيحائيته العالية, إذ حين يكتمل الوجود النصي للجملة تبدأ الاستعارة بإعانة القارىء على مغادرة الوجود الحقيقي بوساطة مفاتيح إشارية تقصد عالما متخيلا والدخول في اختبار أدبي جمالي لأن المفتاح الفعلي حسب سوزان لوهافر هو أن (الذكريات لا ترقص), إلا إن الجملة تحمل بعض وظائفها القصصية أيضا, كونها تحتمل الوجود في جملة الاستهلال التي من شأنها أن تولد أفعال سردية أخرى. ومثلها قصة (قلق)([6]) للكاتبة نفسها:
خرجت روحي تتمشى طفلا في الطرقات، تأخرت في مشوارها وها أنا ذا أرقب المارة.
فالمغالاة الشديدة في القصر يقود القصة نحو الاتجاه السلبي,لأن المسافة بين القصة القصيرة جدا والقصيدة القصيرة جدا ضيقة جدا وتمتلك من المزالق ما يكفي لكي توهم المؤلف فينجر إلى هذه بدل تلك وبالعكس, فليس كل كتابة تعتمد الانسنة والإدهاش والمفارقة وتجيء مطبوعة في عقد نصي جمعي (قصص قصيرة جدا) تنتمي فعلا إلى هذا النوع فمثل هذه القصص لا تحمل إلا انتسابا مقحما وهي في حقيقة الأمر أقرب إلى قصيدة التوقيعة بكثير ((فالتزام الكثافة والمفارقة والومضة والقفلة المدهشة من اشتراطات قصيدة التوقيعة أيضا([7])(( ولأن القصة القصيرة جدا ((بنية سردية لا بد من أن تحتفظ بقدر معين من جماليات السرد والحكي. وهذا لا يعني أن تحتفظ بعناصر تقليدية كنمو الشخصية والبناء الهرمي للحدث واحتفاء خاص بالزمان والمكان وما إلى ذلك فهذا ما لا تتطلبه هذه القصة))([8]) وإذا كانت مثل هذه الكتابات أو غيرها قد نشط أصحابها من باب التجريب أو مقدرتهم الكتابة في مختلف الأنواع الأدبية فالتجريب هو الوعي بالكتابة قبل كل شيء.
إن العلاقة بين القصة والقصيدة -حسب طراد الكبيسي - تنطلق من تداخل عناصر مشتركة عديدة بين القصيدة والقصة مثل:الغنائية، الشاعرية، الكثافة، الأسلوبية الأدبية، والانزياحات اللغوية، والدفق العاطفي، والدهشة أو المفارقة، أو ما يدعى ب( أفق الانتظار)، وبتعبير آخر ل (بيفرلي كروس) القصة الشاعرية هي التي تستخدم صيغ الشعر مثل الجناس والصورة المجازية والإيقاع النثري والتقابل والتوازي .. الخ،([9]) ولعل هذا ما دعا بعضهم لأن يرى أن كثيرا من المقاطع النثرية في القصص القصيرة جدا، يمكن عدها بمثابة قصائد نثر، وكثيراً من قصائد النثر يمكن وصفها بقصص قصيرة جدا، وباختصار نقول: إذا كانت القصة القصيرة جدا تميل إلى الشاعرية فان القصيدة القصيرة جدا، تنزع إلى السردية، ويمكن - وعلى سبيل المثال - أن نسأل: في أي نوع نضع هذه القصة القصيرة جدا (بيتزا)([10]) للقاصة المغربية (فاطمة بو زيان): في نوع القصة القصيرة جدا، أم قصيدة نثر؟
قال لها:
- أنت البيتزا التي اشتهيها ليل نهار! هو في ايطاليا ..
هي في قرية صغيرة ..
والبيتزا سؤال .. حملته إلى المدينة
حطه النادل أمامها فطيرة مزينة!
تأملتها مليا ..
أعملت السكين فيها ..
ثم تناولت مثلثا منها ..
ثم مضغته على مهل ..
ثم ابتلعته ومصت شفاهها في تلذذ ..
ثم همست:
- ما ألذني !! .
في هذا النص كل عناصر القصة والقصيدة متداخلة متفاعلة فيه: الكثافة، الشخصية القصصية، البنية الإيقاعية، الأدبية السردية، والمفارقة.
وعلى العكس حين يتخلى القاص عن عنصر التكثيف فإنه سيقود قصته إلى الترهل وربما التفاصيل التي لا حاجة لوجودها في القصة كما في قصة (بيتان)([11]) :
اختلفا فيما بينهما, ولم يطيقا العيش معا. ثم أعلنا الطلاق وبكى الأطفال..
أراد كل منهما أن يعمر بيتا مريحا للأولاد.
اشترت أرضا قريبة من القلب, واشترى مساحة قريبة من العقل المتسلط.
أشادت غرفة صغيرة من الصدق والعفوية, وبنى غرفة شاسعة من الكذب والادعاء.
بنت غرفة من الحرية,وبنى غرفة من التربية الصارمة.
ملأت مطبخها بفواكه الحنان والتضحية, وملأ مطبخه بفواكه الحب المطعمة بفاليوم الخوف والأنانية.
سيجت بيتها المنمنم بورود الجرأة والتفاؤل والفرح, وسيج بيته بسياج الكآبة والتسلط..حينها طار الأولاد صوب البيت الصغير على جناحي فرح إنساني لا تشوبه شائبة.
إن التكرار على مستوى الأحداث, وعلى مستوى التضاد, وعلى مستوى اللغة نحوا وصرفا وتركيبا جعلها قصة مترهلة يمكن حذف كثير منها دون أن تتأثر بنيتها الأساسية بل إن الحذف يمكن أن يدفع القصة نحو تحقيق فكرتها بنجاح([12]) خاصة وأن الترميز فيها ينحدر إلى أوطأ درجاته إذا جاز التعبير.من هنا جاء تأكيد د. يوسف حطيني ((أن التكثيف هو أهم عناصر القصة القصيرة جدا ويشترط فيه ألا يكون مخلا بالرؤى والشخصيات وهو الذي يحدد مهارة القاص))([13]) إذ إن التنضيد السردي يقوم فيها على التحفيز الجمالي نفورا من الاستطراد والوصف والشرح والتفاصيل اليومية في عناية فائقة بقليل من الحوافز وإدخالها في متواليات سردية لا تنقل الواقع بل تعيد بناءه في فعل تأملي أو أفعال دالة يجعل القص نصا غائبا يحال إليه كما في قصة(سباق)([14]) للقاص محمد المخزنجي:
كان يجلس إلى جوار السائق، ولم نكن نرى إلا رأسه وكتفيه، ونحن مزدحمون في المقعد الخلفي، ولعلنا -لهذا البدء- تضايقنا منه، ولأنه أيضا كان يحرض السائق على السرعة، والمروق من بين السيارات الأخرى، بل انه شرع في تحريض سائقي السيارات الأخرى على الإسراع بالإشارة والتلويح، وحتى بإخراج رأسه وكتفيه من النافذة والزعق بهم.
لا ندري متى -فجأة- أحببناه، ورغم كل شيء، إذ خفف عنا سأم السفر، عندما نقلنا بخفة حركته وطرافة تعليقاته إلى حالة الموجودين في سباق على الطريق، وأصبحنا مثله معجبين بالإنسان: العفريت، المطاط، الطيار، الخفيف، الحلو. وهذه الصفات للإنسان كلها كانت من صنع الرجل وهو يتكلم ولا يكف عن الحركة.
عندما وصلنا كان الرجل أول من نطق، الحمد لله على السلامة، وكان أول من نزل، فتح الباب، وانحنى يشد من دواسة العربية شيئا طويلا، عكازا رأيناه، تأبطه ومضى يتقافز، ولم نر له إلا قدما واحدة، ولم يكن هناك وقت لنتبادل نحن الركاب الآخرين النظرات، إذ تفرقنا على عجل.
فالعنوان بوصفه جزءا أساسيا من القصة, والمفارقة الساخرة من القدر, والنص الغائب الذي لم يصرح به(السباق مرة ثانية), كل هذه جعلت التكثيف يخلّف ((حزنا ثقيلا, قد يصرح به الراوي فيعلو الغناء, وتتحول اللحظة إلى لحظة رومانتيكية مبتذلة, ويتحول النص إلى مناجاة صغيرة مباشرة مضغوطة بهذا الحزن, وقد يخفي الراوي حزنه وغناءه وراء ستار القص والدراما وهذا ما يحدث عادة في القصة القصيرة جدا الجيدة))([15]) , والتي يرجعها د. خيري دومة إلى ثلاثة عناصر رئيسة -الموضوع, الاكتشاف اللحظي المفاجئ, والتكثيف-. ويؤكد التكثيف بوصفه عنصرا وظيفته الضغط الإضافي الذي يقوم به القاص لمادته القصصية المضغوطة من البداية, وفي لحظة واحدة, وأن الصيغتين الدرامية والغنائية قائمتان في جوهرهما على التكثيف([16]) .
أما د. محمد مينو فقد عدّ التكثيف أحد العناصر التي يستند إليها هذا النوع القصصي, ويلجأ إليه ليضمن غنائية صريحة, وقصرا شديدا, فلا مجال للترادف, ولا مكان للهذر والوصف فإذا ما احتاجت القصة إلى التعبير عن تطور الحدث وتقدمه, رصدته كليمات قليلة ذات إيقاع وإيحاء, وكأن القصة تبني الحدث كلمة كلمة بناء محكما لا فضل فيه ولا زيادة لأن انزياحها عن النظام المألوف للقصة القصيرة إلى نظام آخر يقوم على الاقتصاد في مختلف العناصر بشكل عام وعلى التكثيف بشكل خاص([17]) , إلا أن بعضهم وخاصة كتاب القصة القصيرة حصرا يجرهم الحنين إليها فتقودهم الجزئيات إلى الإطالة نوعا ما، كما في قصص (نور الكينونة), و(التقصي) و(الأوديبي)([18]) , لقصي الخفاجي ليس بسبب امتداد كل قصة على أربع صفحات, وإنما للتفصيلات التي قادت القصة إلى نوعها الآخر وهو القصة القصيرة .
وبسبب التكثيف الشديد تتحول عناصر القصة القصيرة جدا أحيانا إلى مجرد أطياف أي ((تتحول الشخصية البشرية إلى أنماط وتتخلى عن وجودها بالمعنى المألوف وتحل محل بنيتها عالم يتمظهر في بوح غنائي، يستخلص الفراغات من الخطوط، والظلال من الأضواء، مما يبني شاعرية جديدة من صميم النثر القصصي، تتخطى ضبابية يفتعلها القاص عن عمق ليخفي رؤيته ولا يسلمها إلى المتلقي إلا بمنظورات مغايرة تبتعد عن التقليدية في العمل القصصي))([19]) وبذلك تنعدم الملامح الفردية وتقترب لغة القص من لغة الشعر بسبب ميلها الشديد إلى التكثيف الذي يعد احد الجوانب الغنائية في القصة القصيرة جدا والذي يقوم على المبالغة في القصر وما يستدعي هذا القصر من تركيز وكشف في لمحة عميقة عابرة، فالدقة والرهافة، والحساسية الشديدة في صياغة النص، وتلك القدرة على إخفاء الدال هما مصدر هذه الغنائية([20]) ,كما في قصة (في وعاء الليل) ([21])الذي قدمها القاص بعتبة قرائية (من ترانيم الحصار) :
أفاقت على وخزة القلب فألفت صغيرها يئن بخفوت... عظام وجهه البارزة تفضح سر الجوع والمرض المتفشيين في أوصاله.. الشفتان يابستان/ متقشرتان.. العينان في المحجرين العميقين تحدقان بذهول.. سنواته الثلاث لا تسعفانه بإعلان الشكوى. قلبها المحطم يبكي كمدا: ماذا افعل يا نَفَسِي المقبوض.. يا وتر الروح المقطوع.. كل شيء بعته كيما تبقى لي.. بقي أن أبيع نفسي!!.. يبتسم الوجه الذابل ببراءة شاحبة/ غائمة تتكرس في زاويتي عينيه حبتان من دمع قبضتا قلبها، وأججتا نارا لاهبة سرت حثيثا خلل عروقها.. لا قدرة له على الكلام.. هي تدرك ذلك.. نهضت/ تبحث في زوايا قناني الدواء الفارغة المركونة عند رأسه: لا شيء.. لا شيء!.. اندفعت تاركة الغرفة.. في ظلمة الحوش بكت بكاء مرا/ طويلا ومكتوما خشية أن يسمعها.. رفعت رأسها باتجاه السماء تتشفع/ ترجو/ تستنجد/ تشهق/ تسترحم/ تلوذ/ تتلمس/ تتضرع/ تجثو على ركبتيها/ ((تمعش)) شعر رأسها/ تخدش خديها، ثم تنهض مكدودة، لائبة تقطع مستطيل الحوش المعتم... لا تعرف ماذا تفعل.. تخشى الدخول عليه... لا تريد أن تضيف لألمه ألما... تعود ترفع رأسها:- يا إلهي أنت القو... فتتجلمد... تتصالب عيناها بنيزك يمرق محترقا ثم يذوب متواريا/ خيطا رماديا أحسته يلتف حول عنقها مضيّقا عليها أنفاسها... تنهار: ولدي.. ول..دي ول..
في الغرفة/ وسط الصمت المحيق/ بجانب قناني الدواء الفارغة رسم الوجه الوديع آخر ابتسامة، وداعا للمرأة التي لا يدري أنه سيجدها قد سبقته إلى هناك.
إنها أغنية التوحد مع الصمت، والجوع، والموت التي يعلو إيقاعها أمام هذا المشهد البصري- التشكيلي الذي قدم فيه القاص نمطا من الضحايا التي خلفتها آلة الطغيان الأمريكية، طفلا موبوءا بالفقر والمرض جراء الظلم الذي فرض على أطفال وشيوخ العراق. في ظل هذه الترانيم يفقد كل من الطفل والأم ملامحه الفردية، يتنمطان ويمنحان هذه الملامح إلى كل الأطفال والأمهات العراقيات في بوح وجداني غاص فيه الراوي إلى أعماق النفس الإنسانية لينتشل صرخاتها واحتجاجاتها في تسارع سردي بوساطة الجمل الفعلية التي طغت على هذا المشهد (نهضت/ تبحث في زوايا قناني الفارغة، تتشفع/ ترجو/ تستنجد/ تشهق/ تسترحم/ تلوذ/ تتلمس/ تتضرع/ تجثو على ركبتيها/ (تمعش) شعر رأسها/ تخدش خديها/ لا تعرف ماذا تفعل/ تخشى/ تضيف/ تعود/ ترفع/ تتجلمد/ تتصالب عيناها/ تنهار) لتسبق الطفل حيث الموت والخلاص من العذاب في تقابل دلالي توحد مع هذا التسريع السردي والتكثيف الحدثي بلغة يعلوها النشيج والألم
([1] ) ينظر: تفسير الأحلام, سيجموند فرويد, تر:مصطفى صفوان:292.
(2) أوهاج الحداثة، نعيم أليافي،: 203.
(3) ينظر:القصة القصيرة جدا مقاربة بكر:39.
(4) البرج، وفاء خرما: 77.
([5] ) قصص قصيرة جدا، سميحة خريس، مجلة عمان، ع52، 2002: 26
([6] ) م. ن:26.
([7] ) شعرية التوقيعة، د. خفناوي العلي، مجلة الموقف الأدبي، ع413، أيلول، 2005: 13
([8] ) مقاربة في الائتلاف والاختلاف بين القصة القصيرة جدا والقصيدة القصيرة جدا، طراد الكبيسي، جريدة الرأي، الاثنين 4 كانون الأول، 2006.
([9] ) . مقاربة في الائتلاف والاختلاف بين القصة القصيرة جدا والقصيدة القصيرة جدا، طراد الكبيسي، جريدة الرأي، الاثنين 4 كانون الأول، 2006: أنترنيت.
([10] ) قصص قصيرة جدا, فاطمة بو زيان: أنترنيت.
([11] ) تساؤل، محاسن الجندي: 19.
([12] ) القصة القصيرة جدا بين النظرية والتطبيق: 35.
([13] ) م. ن: 33.
([14] ) الآتي: 6.
([15] ) تداخل الأنواع في القصة المصرية القصيرة: 257.
([16] ) ينظر:تداخل الأنواع في القصة المصرية القصيرة: 254.
([17] ) ينظر:فن القصة القصيرة مقاربات أولى: 39.
([18] ) الاوديبي : 3، 51، 60.
([19] ) المتغير الجمالي في القصة القصيرة المعاصرة، حلمي بدير، مجلة إبداع، ع6، 1984 ، 111.
([20] ) ينظر: تداخل الأنواع في القصة المصرية القصيرة: 249- 250؛ إشكالية القصة القصيرة، غالي شكري، مجلة إبداع، ع6, 1984: ([21] ) حكايات الغرف المعلقة: 45


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.