الارصاد: اجواء صحوة وباردة إلى باردة نسبيا على المرتفعات والصحاري    الجمعية العمومية للمجلس الانتقالي الجنوبي: المساس بمؤسساتنا الوطنية "خط أحمر" وسيُقابل برد شعبي مزلزل "بيان"    نقابة الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين تدين بأشد العبارات الاعتداء على مقر مؤسسة عدن الغد    مليشيا الحوثي تمنع أول رحلة لليمنية من الهبوط في مطار المخا وتجبرها على العودة    تدشين النزول الميداني للمستشفيات والمختبرات في صنعاء    بنيران العدو السعودي.. إصابات في صفوف المهاجرين بصعدة    صنعاء.. جمعية الصرافين تعمم بإعادة التعامل مع منشأة صرافة    محافظ عدن يناقش أوضاع المتقاعدين والإشكاليات التي تواجه عمل هيئة التأمينات والمعاشات    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد "مانجو مع القات"    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد "مانجو مع القات"    الحوثيون والممرات البحرية.. من الحرب على اليمنيين إلى ابتزاز المجتمع الدولي    أول تعليق من السنغال بعد عقوبات "الكاف"    الخدمات في الجنوب... ورقة ضغط أم تمهيد لمرحلة جديدة؟    صفقة الموسم.. الاتحاد السعودي يقدم عرضا خرافيا لضم أحد أبرز نجوم برشلونة    صلح قبلي ينهي قضية ثأر دامت أكثر من أحد عشر عاماً في مديرية الحداء    خسائر مستثمري الذهب 7.4 تريليون دولار    استنفار سعودي غير مسبوق في شوارع عدن    إيران تخصص مقابر للقتلى الأمريكيين المحتملين    الترب: لاخوف على اليمن من مؤامرات دول الجوار    صحيفة إسرائيلية: صنعاء تحذر واشنطن من أي هجوم على إيران سيقابل بهجمات صاروخية في البحار    عدن.. نادي قضاة اليمن يدعو لإصلاح القضاء ويطالب بإعادة هيكلة مجلس القضاء الأعلى    السامعي يحذر من التعامل مع "معجب" ويؤكد أنه غير مكلف من قناة الساحات    متداول.. تعيين قيادات عسكرية في مناصب بوزارة الدفاع    شركة الغاز تتخذ إجراءات لضمان استقرار الإمدادات خلال شهر رمضان المبارك    1,5 مليار ريال عُماني مكاسب القيمة السوقية لبورصة مسقط في يناير الجاري    وزير التربية يفتتح المعرض 2 لأولمبياد العلوم والتكنولوجيا 1447ه    عن الموت والسفير والزمن الجميل    الدولار يتجه لتكبد خسائر للأسبوع الثاني على التوالي    انفجار في جنوب إيران والحرس الثوري ينفي مقتل قائد عسكري رفيع    جامعة الحديدة تكرم الفائزين بجائزة رئيسها للنشر الأكاديمي    القائم بأعمال وزير الاقتصاد يزور معرض الشهر الكريم الاستهلاكي بالأمانة    الاحتفاء بتكريم 55 حافظا ومجازا في القرآن الكريم بمأرب    أسعار الذهب تتراجع بشكل حاد في اسواق اليمن خلال 24 ساعة (مقارنة بين صنعاء وعدن)    استشهاد 25 فلسطينيا وعشرات المصابين بهجمات "غير مسبوقة" منذ الهدنة    برشلونة يُجدد عقد فيرمين لوبيز حتى 2031    الرئيس المشاط يعزي في وفاة محمد غالب الصبري    ضخ كميات من العملة المزورة وتحذيرات من كارثة اقتصادية في عدن    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد «قات وأجبان»    اعتراف رسمي ومخيف: اليمن يواجه واحدة من أخطر أزمات الفاقد التعليمي في تاريخه الحديث    صنعاء: صورة تحبس الانفاس .. ماذا يعمل هذا الرجل في هذا المكان الشاهق؟    شأن مهني!!    جمعية الخير التنموية بمأرب تكرّم المعلمين والطلاب المتفوقين    دراسة صينية: الروبوتات تنجح في إجراء جراحات عن بعد لمسافة 2800 كلم    الإقلاع عن التدخين والسيطرة على التوتر أبرز وسائل حماية القلب    بطلة "باب الحارة".. مقتل الفنانة السورية هدى شعراوي داخل منزلها بدمشق    الاتحاد الإنكليزي يعاقب توتنهام واستون فيلا بعد شجار الكأس    برشلونة يوقع اتفاقاً تاريخياً مع مستثمرين من الامارات    بطالة ثقافية    اتحاد كرة القدم يرشح شعب حضرموت لبطولة التضامن الدولية بجيبوتي    صندوق النظافة بتعز يدشن حملة ميدانية للتخلص من الكلاب المسعورة في شوارع المدينة    المحامي رالف شربل يقود النجم الأميركي جوردان ويليامز لانتصار كبير أمام محكمة البات السويسرية    {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}    عرفنا أبين وشباب الجيل ينجحان في البقاء بدوري الدرجة الثانية في ختام منافسات البطولة    الصماد أنموذج العطاء والولاء    وحدة الصف روحها المبدأ والتضحية    علماء اليمن من صعدة: الدفاع عن القرآن ونصرة فلسطين واجب ديني وأخلاقي جامع    ارتفاع مخيف للاصابات بمرض الحصبة خلال عام.. وابين تتصدر المحافظات اليمنية    فقه الكهف: استراتيجية الثبات وصناعة اليقين في زمن المتغيرات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عيد الجلاء بعيون الشعراء
نشر في الجمهورية يوم 30 - 11 - 2014

مريرة هي سنوات النضال ، لكن مرارتها تذوب وتُنسى عندما يتوّج هذا النضال بالانتصار ، ولو بعد حين هكذا كانت السنوات الفاصلة ما بين ثورة أكتوبر الظافرة عام 1963م وصباح الاستقلال في 30 نوفمبر عام 1967م ،أربع سنوات لم تمر هينة على الأحرار في الشطر الجنوبي - سابقًا- وهم يناضلون من أجل نيل الحرية الكاملة غير المنقوصة ، بعيداً عن الوصاية والانتداب وغيرها من المسميات الناعمة .
يوم الاستقلال الخالد الذي تخلّص الشعب فيه من محتليه ألا يسمى عيدًا؟
إنه والله عيد ، كما سبق أن قال أمير الشعراء أحمد شوقي عن يوم جلاء نفس المحتل عن مصر :
والله ما دون الجلاءِ ويومهِ
يومٌ تسميه الكنانةُ عيدا
وكأن شوقي تحدث بلسان الدول العربية كلها وليست مصر بعينها في هذا البيت ، ولا غرابة فكلنا في الهم شرقُ
قلم الشاعر
لا تمر الأحداث العظام دون تسجيل وقد يغفر للشاعر تراخيه في الأحداث الروتينية اليومية ، لكن إذا دقت ساعة الحرية ، حمل الشاعر قلمه ليسجل تلك اللحظة الخالدة للأجيال التي لم تعاصرها ، ودعونا نستمع للشاعر لطفي جعفر أمان في قصيدته المشهورة " يا مزهري الحزين " :
يا مزهري الحزين
من يرعش الحنين ؟
إلى ملاعب الصبا وحبنا الدفين
هناك حيث رفرفت
على جناح لهونا
أعذب ساعات السنين
يا مزهري الحزين
الذكريات ..الذكريات
تعيدني في مركب الاحلام للحياة
لنشوة الضياء في مواسم الزهور
يستل من شفاهها الرحيق والعطور
وبعد هذا كله
في صحوة الحقيقة
ينتفض الواقع في دقيقه
يهزني
ويشد أوتاري إلى آباري العميقة
يشدها يجذب منها ثورتي العريقة
ويغرق الأوهام من مشاعري الرقيقة
ويخلق الإنسان مني وثبة وقدره
عواصفا وثوره
هنا ..هنا
إذ زمجرت رياحنا الحمراء
تقتلع القصور من منابت الثراء
وتزرع الضياء
وتغدق الغداء والكساء والدواء
على الذين آمنوا بأنهم أحياء وخيرة الأحياء
في الحقل
في المصنع وفي كل بناء
يا مزهري الحزين
يا مزهري الضعيف
ما عاد شعبي ينسج الأوهام في لحنٍ سخيف
عن قيس ليلى.. روميو جوليت
أسماء كثيره
دبت دبيب النحل في أسفارنا المثيرة
دبت بنا بحمولة الأفيون في سفن خطيرة
كي توهم الدنيا بأننا أمة الوهم الحقيرة
لكننا يا مزهري المحزون يا ضعيف
نبني نحيلك أنت من وترٍ حريريٍ رهيف
مستضعف باك
إلى وثب إلى ضربٍ عنيف
كي يشهد المستعمرون بأننا حقًا نخيف
لا أن نخاف
أو أن نموت مع الضعاف
اسمع إذًا مني
ووقع لحن قصتي الجديد
وابعث به في مركب الشمس العتيدة للخلود
اسمع
أنا من قبل قرنٍ أو يزيد
قرنٍ وربع القرن بل أكثر من عمري المديد
كانت بلادي هذه ملكي أنا
ملكي أنا
خيراتها مني ومن خيراتها أحيا أنا
كانت وما زالت
وهذه قصتي فانصت لنا
في ليلةٍ مسعورةٍ موتورة الظلماء
أوفت إلى شواطئي مراكبُ الأعداء
يقودها هنس انجليزيٌ حقير
يقرصن البحر شهى
وجيفةٌ من الضمير
هذا الحقير
أرسى هنا
ومد عينيه إلينا في اشتهاء
ونسج المزاعم النكراء في دهاء
مدعيًا أن جدودي هاجموا سفائنه
ونهبوا خزائنه
وأننا بكلمةٍ غريبهٍ قراصنة
تصوروا نحن إذًا قراصنة !
وهكذا انداح له الغزو إلى أقصى الحدود
ودنس البلاد بالجنود والنقود
وبذر القلاقل
وفرق القبائل
ولملم الدجى على أطرافهِ يصول
يمد من أطماعه مخالبَ المغول
لكننا على المدى منذ احتلال أرضنا كنا يدا
يدًا تصافح الرفيق في الكفاح لا العدا
وقطعة الرغيف
والمبدأ الشريف
زادان كانا كافيين للبقاء
فنحن شعبٌ لا ينالُ الضيمُ منا ما يشاء
هاماتنا فيها من الشمس بريقُ الكبرياء
لا نعرف الدموع إلا وأن نحيلها دماء
تعلوا على ضفافها بواسق الاباء
وكلما مرت بنا أعومنا الطويلة
نغرس من ثورتنا بذورنا الأصيلة
في كل جيلٍ صاعدٍ يؤمن بالضياء
بالأرض بالمعول بالسلاح بالبناء
ومن هنا تصلّبت عقيدة السلاح
ونحن منذ خلقنا نعرف ما معنى السلاح
نعرفه ونرضع الأطفال منه للكفاح
ونصنع الرصاصَ من مرارة الألم
وننتشي نرتقبُ الفجرَ الجديدَ في شمم
حتى بيوتنا التي طلاؤها الغبار حيث عم
ترمي على سيمائنا ظلالها وتبتسم
وانتفض الزمان
دقت الساعة الأخيرة
فاندفعت جموعنا غفيرةً ..غفيرة
تهز معجزاتها في روعة المسيرة
وجلجلت ثورتنا تهيبُ بالأبطال
الزحفُ يا رجال
الزحفُ والنضال
فكلنا حرية تحن للقتال
وهكذا تفجّر البركان في ردفان
ورددت هديره الجبالُ في شمسان
وانطلقت ثورتنا ماردةً النيران
تضيء من شرارها حرية الاوطان
وتقصف العروشَ في معاقل الطغيان
وتدفعُ الجياعً في مسيرة الإنسان
يشدهم للشمس نصرٌ يبهرُ الزمان
وهكذا تبددا
عهدٌ من الطغيان لن يُجددا
وحلّقت على المدى
ثورتنا تهتف فينا أبدا
يا عيدنا المخلدا
غرّد
فإن الكونَ من حولي طليقًا غردا
غرّد على الافنانِ في ملاعب الجنان
الشعبُ لن يستعبدا
قد نال حريته بالدم والنيران
وقتلَ القرصان.
تراه في القصيدة يسجل الاحتلال البريطاني للبلد منذ البداية ، في لمحة خاطفة يربط الماضي بالحاضر ليدوّن التاريخ مكبوسًا ، وكأنه يتكئ عليه ليدلي بشهادته أمام التاريخ عند لحظة الانتصار التي انتفض بها الزمان، و دقت الساعة الأخيرة ، هنا انتقل من المكان للزمان في ترابطهما الأزلي العميق ، وكأنه يصنع المسرح للحدث الذي يقول عنه :
فاندفعت جموعنا غفيرة ..غفيرة
تهز معجزاتها في روعة المسيرة
وجلجلت ثورتنا تهيب بالأبطال
الزحف يا رجال..
إنها قصيدة تسجيلية بامتياز لذلك اليوم الأغر ..
والشاعر لطفي جعفر أمان قد استقبل هذا الاستقلال بقصيدة أخرى أروع عنوانها “الانتصار الكبير” يقول فيها :
على أرضنا .. بعد طول الكفاح..
تجلى الصباح .. لأول مرة
وطار الفضاء طليقاً رحيباً
بأجنحة النور ينساب ثره
وقبّلت الشمسُ سمرَ الجباه
وقد عقدوا النصرَ من بعد ثوره
وغنى لنا مهرجانُ الزمان
بأعياد وحدتنا المستقرة
وأقبل يزهو ربيعُ الخلود
وموكبُ ثورتنا الضخمُ إثره
تزّين إكليله ألفُ زهره
وينشر من دمنا الحر عطرَه
ويرسم فوق اللواء الخفوق
حروفاً تضيءُ.. لأول مره
بلادي حره..
تحرر شعبي.. ففي كل بيتٍ
ترفُ نجومٌ ويورقُ بدر
وفوق شواطئنا الراقصات
مع النور .. فاض من الخلد فجرُ
وضم مراعينا والحقولَ
جناحٌ غمير العبير أغرُّ
وحتى الشياهُ تكادُ تطيرُ
وتشدو بحريةٍ .. لا تقرُ
وحتى الصحاري كأن الربيعَ
حواها وزينها فهي خضرُ
فضائي حرٌ.. وطيري حرُ
وقلبي حرٌ .. وطيري حرُ
وقلبي حرٌ.. وشعبي حرُ
أجلْ .. قد صحونا .. لأولِ مرة
لنحيا الحياةَ ، لأول مره
بلادي حره
تنفستُ .. اسحبُ كل دمي
كأني أشقُ من الصخر نهرا
كأني من قبلُ ما كنتُ شيئاً
ولا عشتُ عمراً.. ولا قلتُ شعرا
بلادي.. ضفائرها الألقاتُ
توزعُ فوق المرابعِ فجرا
بأسنى الزنابق تنضحُ عطرا
وأطفالنا أغنياتٌ تخفُ
إلى غدها .. وهو يفترُ بشرا
لقد أنجب الدهرُ أعياده
بثورتنا .. فتنفستُ حرا
كأني أعيشُ لأول مره
فتهتفُ روحي.. لأول مره
بلادي حره
لك المجدُ “ردفان” كم ثائرٍ
قذفتَ به لهباً يهدرُ
يطيرُ على صهوات المنايا
وينتزعُ النصرَ.. لا يقهرُ
فأين القلاعُ مدويةَ
تصولُ.. وتردي وتستهترُ؟
وأين العروشُ مفخمةٌ؟
وأين من الشعب مستعمرُ؟
جحافلُهُ بل شياطينهُ
كما قيل- حمرُ- ألا فاسخروا
لقد هبّ ردفانُ في ثورةٍ
يخلدها عيدنا الأكبرُ
وينشرها فوق كل الجنوب
ضياءً سخياً.. لأول مره
بلادي حره..
نلاحظ في كلمات القصيدة مشرق النور بعبارات “تجلى الصباح /صحونا /أجنحة النور /وقبلت الشمس/ مع النور/ ضياء سخياً”…إلى غيرها من الألفاظ، لكن المهم هو التركيز على (بلادي حرة) التي هي خاتمة المطاف ومجمله …
وللشعبي نصيب في النضال
الهم الشعري الذي يسري في نفوس الشعراء هل ينوء بحمله شعراء الفصيح فقط ؟
أم أنه همٌّ شعري واحد ؟
الهم واحد ،لأنه لا يتجزأ بتنوع قوالب الشعر بين الفصيح والشعبي ،وإنما هذه أدوات والشاعر من يختار أدواته المناسبة له ، ودعونا نستمع لقول الشاعر الشعبي صالح سحلول -الذي غادرنا قبل أسابيع قليلة رحمه الله- مخاطبًا المستعمر في يوم الجلاء :
طال يا راجل سكونك عندنا
قرن والثاني انتصف وانته هنا
أيش ننسب لك؟ وشو تقرب لنا
هل أخونا أنت أو بن عمنا؟
ليت إنك عربي مثلنا
بانغض الطرف عنك كلنا
أنت أصلك تختلف عن أصلنا
ثم لغوك يختلف عن لغونا
بل ودينك يختلف عن ديننا
في الوطن هل أنت من جيراننا
هل حدودك لاصقة في حدنا
أيش جابك عندنا ..كيه قل لنا
بعد شاسع لا جوار بيننا
أين “بحر المانش” من حقاتنا” !؟
لغة بسيطة ومفردات عامية ،تتخللها ألفاظ فصحى تتدفق من ذهن الشاعر في سلاسة ، بل والأجمل خطابه للمستعمر بما يفهمه المستعمر ونلاحظ هذا في ضرب المثل في البيت الأخير بقوله:
أين “بحر المانش” من حقاتنا” !؟
سخرية مريرة ، تناسب اليوم المرير الذي مرّ على الاستعمار في صباح يوم الثلاثاء 30 نوفمبر 1967م
ونظل مع الشاعر سحلول في قصيدة أخرى يودّع بها المستعمر قائلاً :
فاترك الدّس يا استعمار واخجل قليل
وارحل إلى غير رجعه حان وقت الرحيل
ما أنت بالمالك الشرعي ولا بالأصيل
ولا على هذه الدنيا وصي أو وكيل
قتلت كم من بطل ثائر وكم من نبيل
لكنك اليوم قد أصبحت أنت القتيل
هيا انصرف أيها الضيف اللئيم الثقيل!
حقيقة بساطة الكلمات تجعل المستمع يظن أنه يقرأ لأبي العتاهية وليس لشاعر شعبي ، لكن روعة الموقف هي من أجرت هذه الألفاظ البسيطة من ذخيرة هذا المواطن البسيط - رحمه الله.
ولعل نفَسَ الشعر الشعبي كان هادرًا لأنه الأقرب من لغة الشارع ، ولنسمع لهذه النفثة لشاعر أبين أحمد عمر مكرش:
بَرَّعْ مِن أقطار الجنوب المحمية
بَرَّعْ بلاد الغرب يا نُجَّاسها
لابُد من دق العجوز الكاهنة
دق التلف حتى توطي رأسها
ولفظة (برّع) منتزعة من نبض الشارع ، وتذكرنا بالأغنية الشهيرة “برّع يا استعمار “ للرائع / محمد محسن عطروش، تلك الأغنية التي كانت بحد ذاتها السمفونية اليمنية التي ألهبت الجماهير المناضلة لتواصل عطاءها لتصل إلى أفق التحرر من المستعمر الغاصب ، ولنستمع لمؤلف وملحن - ولا أقول مغني الأغنية الوحيد - لأن الشعب اليمن قاطبة غناها معه ،لنستمع له وهو يصدح :
برّع يا استعمار برّع
ولى الليل ليضويك التيار
تيار الحرية.. تيار القومية
برّع يا استعمار من أرض الأحرار
تياري الجبار خلى شعبي ثار
طيارتك يا استعمار ما تفزعني
وأنا ثابت والأنوار تضويني
ما ظلمك يا قرصان أيقظني
ولا سحرك بعد اليوم يعنيني
برّع أقولك برع شعبي ما بيذعن
برّع وارجع بلدك لندن
وللشاعر/ مسرور مبروك أبيات شعبية عن ذلك اليوم الأغر يربطه بيوم 14 أكتوبر عام 1963م ،فيقول :
ها نحنُ ننشر بأربعة عشر أكتوبر
حول الثلاثين آخر يوم نوفمبر
والأجنبي قبل وعده بلدنا فر
والشعب فيها استقل بعيدنا الأكبر
يوماً عظيماً على طول المدى يذكر
عاماً فعاماً به شعب اليمن يفخر
ويحتفل في المدن والريف والبندر
بيوم خالد تسجل بالدم الأحمر
من بعد ما بالأجانب والأعداء دشر
جواً وبحراً ومنهم عن طريق البر
عودة للشعر الفصيح
حتى لا نغوص في لجات الشعر الشعبي وننسى أخاه الفصيح ، نعود لمجال الفصيح ولنبدأ مع قصيدة الشاعر الكبير د/ عبدالعزيز المقالح الذي احتفل بيوم الجلاء بقوله:
هذا هو الجلاء..
فلتكتبوا على النجوم في السماء.
قصتهَ
قصة زحفنا الطويل.
لتكتبوا قصة كل الشهداء
لتحفروا على صحائف الأحداق في القلوب
حكاية الأبطال في الجنوب.
لكي تمدنا بالحب والضياء
لكي تظل في حياتنا.. أغنية انتصار..
تحملها الجدات في غدا..
حفية التذكار ..من دار لدار..
فلتحفروا على صحائف الأحداق في القلوب
قصته
قصة كل الشهداء..
أولئك الذين بدماء..
قد سطروا تاريخنا المضاء..
وأشعلوا أرواحهم في الطرقات في البيوت..
من أجلنا..
من أجل أن تحيا بلادنا فلا تموت..
أراد الشاعر د.عبدالعزيز المقالح الإعلاء من نضال الجماهير اليمنية ضد المستعمر الغاصب طيلة أكثر من قرن وربع القرن مريرة حتى تحقق الجلاء الذي يطالب الشاعر هنا بكتابة قصته على النجوم في السماء ، ولنفاسة هذا الجلاء فقد طالب الشاعر أن تحفر على صحائف الاحداق في القلوب قصته ، لكن قصة ماذا بالضبط فيه ؟
يجيب الشاعر : قصة كل الشهداء..
يذكرني هذا بقول أحمد شوقي :
إن تسل أين قبور العظما
فعلى الأفواه أو في الأنفس ِ
وهذا هو مكانهم دائما .
وفي صباح الحرية والاستقلال كان للشاعر الكبير محمد سعيد جرادة قصيدة عنونها ب 30 نوفمبر يقول فيها :
غرّد بشعرك يا شادي الجماهيرِ
ففي قوافيك أنت تحفةُ الصورِ
بعثتها عن أماني الشعب ناطقةً
والشعب أروع من يوحي بتعبيرِ
اليوم تشرقُ فيك الشمسُ يا وطني
سنينةَ الوجه غرّاء الأساريرِ
شمسٌ لها تعلو عراء من شفقٍ
كغيب صبٍ حليفِ السهد مهجورِ
لعلها قطراتٌ من دماءٍ في
ضربٍ بروح لوجه الله مقدورِ
أو خد حسناءَ في ساح الجهاد قضتْ
وللقذائف إعوالُ الأعاصيرِ
أو ثغرٌ صغيرٌ شاركت يدهُ
في فتح نارٍ وفي أحداثِ تفجيرِ
شمسانُ حدِّثْ عن الماضي فأنت لهُ
راوٍ له صدقُ إسنادٍ وتقريرِ
بالأمس كان هنا المستعمرون لهم
نظامُ حكمٍ ضعيفِ الوجهِ شريرِ
جاءوا قراصنةُ في البحر تدفعهم
أطماع شرِ نظامٍ إمبراطوري
هنا يوثق الشاعر الكبير محمد سعيد جرادة للأحداث التي جرت ومشاركة صغار السن والنساء في النضال حتى تم الاستقلال ، وكذلك التفت إلى جبل شمسان لكي يحدث عن الماضي وعن القراصنة الذين جاءوا بأسوأ نظام حكم إمبراطوري .
ونعود إلى الشاعر الكبير / لطفي جعفر أمان وهو يكتب هادرًا:
الله أكبرُ .. أكبرُ
وهتف الزمانُ .. وللزمان تلفتٌ وتحيرُ
من ذا الذي يدوي السماء بجانبيه ويزخرُ
شعبي يشق الشمسَ عبر نضاله ويتحررُ
يمضي به التاريخُ عن أبطالنا يتفجر
حمماً تناثر من شظايا نارها مستعمرُ
ما كان إلا بالسلاح .. وبالضحايا .. يقهرُ
ويُرد مندحراً .. على شهواته يتحسرُ
يبكي عروش التابعين له.. هباءً تنثرُ
لم يبقِ سلطانٌ حقيرٌ.. أو أميرٌ أحقرُ
لم يبقِ إلا الشعبُ يكدحُ باسلاً ويعمّرُ
لم يبقِ إلا الحقُ يحميه السلاحُ وينصرُ
لم يبقِ إلا موطني بين الكواكب يخطرُ
أبيات كأن الشاعر يلخّص نضالات عشرات السنين ليخُلصَ إلى ما سطّره في آخر الأبيات التي سنرددها معه قائلين :
لم يبقِ إلا الشعبُ يكدحُ باسلاً ويعمّرُ
لم يبقِ إلا الحقُ يحميه السلاحُ وينصرُ
لم يبقِ إلا موطني بين الكواكب يخطرُ
وفي الختام بعد أن تم الجلاء في ال30 من نوفمبر عام 1967م ، نُزعت من أرض الجنوب طعنةٌ مسمومةٌ التي أدمت فؤاد شعبٍ كاملٍ ، وليس فؤاد الشاعر المتألمِ وحده كما قال شاعرنا محمد سعيد جرادة.
رابط المقال على فيس بوك


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.