الجنوب يخوض معركة "ذات البناكس": دماء الشهداء فوق كل مساومة    حضرموت لن تنسى ولن تغفر.. شبوة برس" ينشر أسماء شهداء الغدر الخنبشي والمليشاوي الغازي لحضرموت    رحيل المناضل الرابطي علي عوض كازمي... ذاكرة وطن لا تنطفئ    البخيتي والحسام يتفقدان المرحلة الرابعة للمركز الاختباري بجامعة صنعاء    أشاد بتوجه رأس المال الوطني نحو استثمارات تدعم خطط توطين الصناعات..القائم بأعمال وزير الاقتصاد يزور عددًا من المصانع الإنتاجية    فيمانعاه مجلس الشورى وأشاد بجهوده الوطنية.. الرئيس المشاط يعزي في وفاة الشيخ محمد علي التويتي    وثائق عرفية وقبلية من برط اليمن "40"    إيران.. شعب لا يهزم    وزارة الاقتصاد تؤكد عدم رفع أسعار المياه الصحية    مسيرات وجهوزية يمنية تؤكد أن :محور الجهاد والمقاومة ثابت في مواجهة الكفر والطغيان الصهيوأمريكي    رياح الغضب.. والصهيونية المتطرفة!!    وزارة حرب على مقاييس هيغسيث وترامب    الدورات الصيفية للطالبات بأمانة العاصمة تشهد إقبالا لافتاً في أسبوعها الأول    المتحف الحربي يفتح ابوابه مجاناً لطلاب المراكز الصيفية    المدارس الصيفية.. جبهة الوعي وبوابة صناعة المستقبل    خواطر ومحطات حول الوحدة اليمنية الحلقة (60)    استئناف افتتاح متحف الموروث الشعبي بصنعاء    مرض السرطان ( 6 )    الحالمي: استهداف حضرموت امتداد لمحاولات طمس القضية الجنوبية والانقلاب على منجزاتها    منظمة هيومن رايتس فاونديشن تدين مجزرة المكلا وتطالب بتحقيق دولي    اتحاد كرة القدم يحدد نهاية إبريل الجاري موعدا جديدا لانطلاق بطولتي كأس الجمهورية والدوري اليمني    سياسية الإصلاح تحذر من تداعيات استمرار إخفاء قحطان على مسار السلام    الشاشات ليست مجرد ترفيه.. تأثيرات طويلة المدى على دماغ طفلك    مجلس الشورى ينعي عضو المجلس محمد علي التويتي    الرئيس المشاط يعزّي الشيخ عبدالله الثابتي في وفاة والدته    إحباط تهريب قطع اثرية في مذيخرة    هاني مسهور: تجاهل اليمن دوليًا يفتح الباب للإفلات من العقاب.. ودعوة لتدويل قضية الجنوب    المكلا تُذبح بصمت... والرصاص يكتب فجرها الأسود    لماذا بقيت مأساة المكلا خارج الاهتمام الدولي؟ قراءة قانونية تكشف قصور الأداء الانتقالي    مدير عام المنصورة يناقش أوضاع وأداء مستشفى مايو الجراحي    فيسبوك تغلق صفحة الإعلامي الجنوبي غازي العلوي بعد 17 عامًا من النشاط ودون أي مبررات    اتحاد إب يواجه أزمة مالية خانقة تُعقّد مهمته لتمثيل المحافظة في الدوري اليمني    صنعاء: إعادة افتتاح متحف تعرض لقصف إسرائيلي    خلال 3 أشهر.. الهجرة الدولية توثق نزوح 813 أسرة أغلبها استقرت في مأرب    مليشيا الحوثي تشطب أكثر من أربعة آلاف وكالة تجارية لإحلال بدلاء موالين لها    وفاة مواطن داخل أحد سجون مليشيا الحوثي في إب وسط ظروف غامضة    صوت الذاكرة: المرأة المبدعة بين الأدب المبتكر والإبداع الرقمي الثقافي مقاربة تحليلية في تحوّلات الخطاب النسوي المعاصر    المهرة مهددة بالظلام.. مشاكل قطاع الكهرباء تعود إلى الواجهة وحكومة الزنداني تقف امام اول اختبار حقيقي    البرلماني حاشد يخاطب البرلمان الدولي: أتعرض لابتزاز سياسي ممنهج وحرمان متعمد من العلاج يرقى إلى تهديد مباشر للحق في الحياة    اتحاد كرة القدم يتفق مع وزارة الشباب والرياضة لتأجيل موعد الدوري اليمني ومعالجة مشاكل أندية عدن وتعز    وفاة ثلاث شقيقات غرقاً أثناء محاولة إنقاذ في حجة    رشاد العليمي.. الرئيس اللعنة الذي أنهك الجنوب وأغرقه في الفشل.. سجل قبيح من الحرب والعداء والخبث    شيطنة الخصم حتى يستحق القتل    في زنجبار كيف أثر ابن سميط في إنجرامس قبل وصوله لحضرموت    وزير الكهرباء ورئيس مصلحة الجمارك يبحثان تطوير التسهيلات الجمركية لقطاع الطاقة    عوامل تزيد خطر الوفاة بعد سن الخمسين    مراثي القيامة    الخارجية الإماراتية توضح بشأن أوضاع الجالية الإيرانية    هيئة الشؤون البحرية بحضرموت: موانئ البحر العربي تمتلك مقومات التحول إلى مراكز لوجستية عالمية    اليمنية تستأنف رحلات عدن – عمّان ابتداءً من 1 إبريل    عدن.. نقل عريس إلى العناية المركزة بسبب منشط جنسي    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليفربول .. ما هي وجهة صلاح المقبلة؟    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    رسمياً.. 3 دول تفاجئ العالم باعلان الخميس أول أيام عيد الفطر    وزارة الأوقاف:الخميس متمم لشهر رمضان والجمعة أول ايام عيد الفطر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



غزة تفاجئ العدو
نشر في الجنوب ميديا يوم 22 - 11 - 2012

هي ضريبة ثابتة تدفعها غزة من لحمها الحي . من أرواح أهلها وسكانها، ومن منازلها ومنشآتها، لتثبت دوماً جدارتها بالحياة . لكل شخص ولكل متر في مساحة غزة الصغيرة التي لا تتعدى مساحتها 360 كيلومتراً مربعاً، نصيب من أسلحة "إسرائيل" الفتاكة، التي تحارب هذا القطاع الساحلي الصغير بكل ما في ترسانتها الحربية من أسلحة، عبر الجو والبر والبحر، تتنوع الأسلحة والقاتل واحد، والضحية دوماً فلسطيني الهوية .
العملية العسكرية العدوانية على غزة استهلتها "إسرائيل" باغتيال نائب القائد العام لكتائب عز الدين الذراع العسكرية لحركة "حماس" أحمد الجعبري المعروف "إسرائيلياً" بوصفه رئيس أركان الحركة في غزة، ويعتبر اغتياله خسارة وحتى ضربة موجعة لحركة "حماس"، وربما للشعب الفلسطيني، نظراً لما تمتع به الراحل من مكانة في صفوف "كتائب القسام"، أهلته لقيادتها في مرحلة مهمة، بعد سلسلة اغتيالات طالت قياداتها المؤسسة، ثم وربما كان هذا هو الأهم، في لحظة حسم الصراع الداخلي على السلطة، حيث استطاع رغم حساسية الأمر أن يقود أهم تنظيمات "حماس"، وأن يحافظ عليها من دون أن تتعرض لأية انشقاقات او تصدعات، أو حتى تسربات ذات شأن .
ورغم مراهنة الاحتلال "الإسرائيلي" على الترهل الذي لابد أن يصيب هذه المجموعات العسكرية، بعد دخول "حماس" معترك السلطة، كما حدث مع السلطة السابقة، الا أن هذه المجموعات حافظت على المسافة بينها وبين السلطة بشكل ملحوظ، متمثلة بذلك تجربة حزب الله، وقد ظهر ذلك جلياً في قدرتها على تنفيذ عمليات استراتيجية ذات أهداف سياسية وحتى عسكرية نوعية، كان من أهمها عملية الوهم المتبدد، التي نجحت في أسر الجندي "الإسرائيلي" جلعاد شاليت، والأهم -وربما كان هذا هو السبب الرئيسي لاستهدافه شخصيا- هو قدرته الأمنية الفائقة في التغلب على القدرة الاستخبارية "الإسرائيلية" بالاحتفاظ بشاليت طوال ست سنوات، من دون ان ينجح "الإسرائيليون" في الوصول إليه، حتى وهم يشنون الحرب على غزة أواخر العام 2008 ومطلع العام ،2009 والرأي للكاتب الصحافي رجب أبو سرية .
ولاشك أيضاً أن "للإسرائيليين" أهدافا أمنية وسياسية عديدة في اغتيال الجعبري، لعل من أهمها، دفع كتائب القسام الى التلاشي، وإدماج ما يتبقى منها في "الجيش" النظامي أو مجموعات سلطة "حماس" وحكومتها في غزة، ذلك أنه ورغم ظهور مجموعات عسكرية أخرى مثل القوات الشعبية وسرايا القدس الذراع العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي على خشبة مسرح المواجهات، إلا أن كتائب القسام تظل هي العمود الفقري لمجموعات "المقاومة" في غزة، ثم إن العملية تشكل رسالة قوية ل"حماس"، بضرورة حسم كل تردد ازاء الانتقال من مربع المقاومة الى مربع السلطة .
كذلك يمكن قراءة، كل الفعل التصعيدي المتواصل من قبل "إسرائيل" ضد المجموعات العسكرية في غزة وفي سيناء في الوقت ذاته، إن كان عبر قيامها به مباشرة أو من خلال زج الآخرين للقيام به، بعد افتعال أحداث مريبة، الهدف منه هو ضمان خلو الجبهة الجنوبية من أية قوة يمكن ان تشغل ظهر "الإسرائيليين"، فيما لو نشبت حرب اقليمية .
ويعتقد أبو سرية أن ما يفسر إقدام "إسرائيل" على الاغتيال، الذي يعتبر مفصلا نوعيا في التصعيد، هو الظروف والتوقيت، الذي جرى بعد إجراء الانتخابات الأمريكية وقبل إجرائها في "إسرائيل"، والتي يمكن ان تشكل مدخلا لتنفيذ قرار الحرب الإقليمية، ومحاولة الكشف عن مستوى التسليح في غزة، حيث حرصت المجموعات العسكرية في غزة على عدم الإفصاح عن كل ما لديها، لمباغتة "إسرائيل"، وكان لابد من عمل "استفزازي" للوقوف عند رد الفعل، لدى كل الحلقات العسكرية والسياسية في غزة وحتى في مصر .
ولا شك أيضاً أن حكومة نتنياهو، تسعى الى تعزيز فرصتها الانتخابية، وهذا يظهر أكثر ما يكون عند إيهود باراك وزير الحرب الذي على الأغلب سيختفي شخصياً من دائرة الرؤية السياسية بعد الانتخابات القادمة، كذلك تسعى حكومة نتنياهو الى محاولة التشويش على توجه السلطة الفلسطينية الى الأمم المتحدة للحصول على عضوية فلسطين كدولة غير عضو في الأمم المتحدة، والتي اعتبرها نتنياهو بمثابة اعلان حرب، لأن من شأن تلك المكانة، ضمن ما يمكن ان تحققه للفلسطينيين هو قدرتهم على رفع قضايا اتهام قادة "إسرائيل" بارتكاب جرائم الحرب .
أما الأهداف الاستراتيجية، فهي، طي صفحة وجود مجموعات وقوات عسكرية في قطاع غزة وسيناء، لتأمين أنبوب الغاز، الحالي الذي يمد "إسرائيل" بالغاز المصري، أو المستقبلي، الذي سيجعل من غزة، ميناء التصدير الأهم -ربما- في المنطقة، حين يتجمع فيها الغاز القطري مع المصري، وربما مع "الإسرائيلي"، قبل إطلاقه للتصدير الى أوروبا .
قواعد جديدة للصراع
تتعمد حكومة نتنياهو تضليل مواطنيها إزاء الأهداف الحقيقية التي أرادت تحقيقها من وراء هذه الحملة الدموية الجديدة ضد غزة، والتي تدخل في إطار الحسابات الحزبية، التي تسعى لتوظيف الدم الفلسطيني في الحملات الانتخابية لتحسين فرص تحالف "نتنياهو-ليبرمان" . . . أراد نتنياهو أن يشتري بالدم الفلسطيني أصوات الناخبين في المدن والبلدات والمستوطنات القريبة من غزة، والتي تسقط عليها الصواريخ الفلسطينية، كرد فعل على اعتداءات "إسرائيلية" متكررة، تبادر إليها "إسرائيل"لتحقيق أهداف معينة .
فوجئت "إسرائيل" بمستوى وطبيعة الجاهزية الفلسطينية، وطبيعة الرد الذي أخضع خمسة ملايين "إسرائيلي" لتهديد الصواريخ الفلسطينية بعد أن اعتقدت "إسرائيل" أن نحو مليون فقط هم الذين يخضعون لهذا التهديد .
المفاجأة تعني مسبقاً، وقبل كل شيء فشل أجهزة الأمن والاستخبارات "الإسرائيلية" التي لم تنجح في الحصول على معلومات بشأن أنواع ومديات وفعالية الأسلحة التي تراكمت في غزة، والترتيبات اللوجستية، والتحسن النوعي في التدريبات، وهو فشل آخر يسجل على تلك الأجهزة بعد فشلها في اكتشاف واعتراض الطائرة بلا طيار التي أرسلها "حزب الله" وتوغلت في الأجواء "الإسرائيلية" مسافة تقارب ستين كيلومتراً، يقول الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل .
لكن هذا الفشل الذي أوقع هذه المفاجأة، أدى إلى إرباك الحسابات السياسية والعسكرية والأمنية "الإسرائيلية"، ما أوقع حكومة نتنياهو في ورطة كبيرة، فلا هي قادرة على تصعيد عدوانها إلى اجتياح بري، ولا هي قادرة على الانكفاء والتراجع، وتجرع الهزيمة .
نتنياهو يسوق على جمهوره كذبة كبيرة، وهي أنه ذاهب إلى غزة، لكي يمنع سقوط الصواريخ على مواطنيه في البلدات المحيطة بالقطاع على محيط سبعة كيلومترات . لكن النتيجة جاءت على نحو مختلف، إذ يتضح أن الحل العسكري غير ممكن، وأن استخدامه لإسكات الصواريخ الفلسطينية يؤدي إلى اتساع دائرة التهديد "للإسرائيليين" حتى بلغ تل أبيب والقدس .
ويسوق نتنياهو على جمهوره كذبة أخرى، وهي أن سلوكه العدواني يحظى بتفهم ودعم المجتمع الدولي، وفي الحقيقة فإن التأييد الذي يحظى به من الإدارة الأمريكية، التي تكرر موقفاً تقليدياً حيث تعطي "إسرائيل" الحق في الدفاع عن نفسها، لكنها في الواقع تخشى من أن يؤدي استمرار هذا العدوان إلى خلط الأوراق في المنطقة، ولذلك فإنها لا تخفي رغبتها في أن تتوسط مصر لتحقيق تهدئة بين الطرفين الفلسطيني و"الإسرائيلي" .
وبرأي عوكل يبدو أن الفلسطينيين في هذه الجولة أصبحوا في موقع الأفضلية، وأنهم جاهزون أكثر من أي وقت مضى للتعامل مع الوتائر التي يمكن أن تذهب إليها الحملة "الإسرائيلية" بما في ذلك إذا قررت "إسرائيل" تصعيدها إلى اجتياح بري لا ترغب "إسرائيل" في الوصول إليه، لأنه سيكون بلا هدف يستحق الخسائر التي ستتكبدها قواتها ومدنها . "إسرائيل" المتورطة تخشى من تصعيد الموقف، واستدامة العنف فترة طويلة، إذ قد يؤدي ذلك إلى انتفاضة شعبية عارمة في الضفة الغربية، وفي الأراضي المحتلة منذ العام ،1948 وأيضاً، قد تضطر مصر الجديدة إلى اتخاذ المزيد من المواقف والإجراءات المتشددة، التي التي قد تطال تجميد اتفاقية كامب ديفيد، إضافة إلى أن استمرار هذا العنف قد يؤدي إلى تصاعد التوتر في جنوب لبنان، والجولان والأردن .
لذلك عمدت حكومة نتنياهو إلى العمل على خطين: أولاً، تصعيد القصف الجوي والبحري والبري ليطال أهدافاً مدنية، من مؤسسات، وبيوت سكنية، لتضخيم فاتورة الفلسطينيين عسى أن تشفع ولن تشفع له أمام مواطنيه، والثاني تكثيف الضغط لتحسين شروط التهدئة التي يجري بحثها في القاهرة .
في الواقع، شكل الرد الفلسطيني القوي على العدوان "الإسرائيلي"، عاملاً مهماً في وضع المسؤولين العرب أمام مسؤولياتهم على نحو مختلف هذه المرة، وبما قد يفرض عليهم إعادة ترتيب أولوياتهم لصالح الاهتمام بالقضية الفلسطينية باعتبارها قضية العرب الأولى .
الحرب وخيارات "إسرائيل" المضطربة
وبدا أن الموقف العربي في تطور عما كان عليه سابقاً، وإن كان لا يرقى إلى حجم الجريمة التي ترتكبها "إسرائيل" في غزة، ولا يزال في جعبة العرب الكثير من أوراق القوة . بدأت القاهرة بنفسها فأقدمت على سحب سفيرها من تل أبيب ودعت إلى عقد جلسة خاصة لمجلس الأمن الدولي، إلاّ أن الخطوة الأهم كانت تتمثل في إيفاد رئيس حكومتها إلى قطاع غزة .
وتعتبر القاهرة الطرف الأبرز، بمشاركة أطراف عربية وإقليمة ودولية، في البحث عن آليات للوصول إلى تهدئة، تبدو عصية بفعل إصرار طرفي الحرب ("حماس" و"إسرائيل") على الوصول إلى التهدئة في اللحظة التي يبدو فيها منتصراً وحقق إنجازات على الأرض . حركة "حماس" تريد أن تترجم نتائج هذه الحرب إلى خطوات تؤكد هيمنتها التامة وبلا منازع على قطاع غزة من دون تهديد "إسرائيلي" وحصار دائم وإجراءات على الأرض تتعلق بفتح المعابر خاصة مع مصر، والاعتراف السياسي بها، بعدما أثبتت جدارتها في مقارعة الاحتلال خلال هذه الحرب التي لم تكن ترغب في خوضها في هذا الوقت تحديداً، وعلى الجانب الآخر، فإن حكومة نتنياهو التي فوجئت بالرد الفلسطيني القوي والفاعل، أدركت أن أهداف هذه الحرب "الإسرائيلية"، من الصعب تحقيقها إن لم يكن مستحيلاً الانتصار فيها على ضوء النتائج الأولية لهذه الحرب، حتى هذه اللحظة، أوقعت حكومة نتنياهو نفسها في فخ من الصعب الإفلات منه، وبعد أن وصلت صواريخ غزة إلى تل أبيب والقدس، فإن قواعد اللعب قد تغيرت تماماً، ما أوصل حكومة نتنياهو إلى مأزق بالغ التعقيد ذلك أن الاستمرار في حرب مكلفة بشرياً، لن يغير من نتائج هذه الحرب كثيراً، لجهة التخلص من صواريخ غزة، وهذا ما قد يدفع ب"إسرائيل" إلى تقبل تهدئة بعد توجيه ضربات موجعة للقطاع، يبدو من خلالها أن "إسرائيل" قد حققت أهدافها في الحد من قدرة المقاومة على إطلاق الصواريخ، وفقاً لما يراه الكاتب والمحلل السياسي هاني حبيب .
وتبقى خيارات حكومة نتنياهو محدودة، باستثناء استمرار القصف الجوي المتواصل وهو بدوره ليس خياراً يمكن معه حسم المعركة أو تحقيق الأهداف المعلنة لهذه العملية، خاصة أن هذا القصف بات لا يستهدف أهدافاً محددة، ما يشير إلى أن "بنك الأهداف" قد نفد أو كاد، بعدما اتخذت "الأهداف الفلسطينية" احتياطاتها الأمنية، ومع الوقت في حال استمرار العمل بهذا الخيار، سيتبين أن حكومة نتنياهو قد وصلت إلى حالة إفلاس . . أما إذا اضطرت إلى حرب برية، فإنها لن تتمكن بسهولة من إنهاء هذه الحرب التي ستتحدد في الميدان حيث سيجد جيش الاحتلال على الأرجح مفاجآت لم يكن ليتوقعها أحد!! .
الهدنة لن توقف عدوان "إسرائيل"
ويعتقد الكاتب الصحافي هاني عوكل أنه كان متوقعاً أن ترتكب "إسرائيل" حماقة في قطاع غزة، عبر استهدافها المباشر للجعبري، ومن ثم مواصلة سلسلة الغارات والقصف . "إسرائيل" التي درست كل خطواتها قبل تنفيذ أي عملية في غزة، وضعت نفسها كما كل مرة، في خانة الضحية التي تتعرض لإطلاق صواريخ من قبل المقاومة، وسوقت هذه النظرية على المجتمع الدولي، الذي لم يحسم أمره في إعطاء قرار ينهي وقف العدوان "الإسرائيلي" .
ما كان وارداً في ذهن "إسرائيل" لا يتصل برد الفعل، فهي تضع نفسها دائماً في موقف الفاعل، ولذلك لا يمكن اعتبار عمليتها العسكرية الحالية تأتي في سياق الاستجابة الفورية للفعل الفلسطيني، خصوصاً وأن هذا الفعل لا يعنيه حالياً خرق التهدئة، وهو الذي يحصن نفسه ويعزز من إمكانياته الوجودية والتسليحية .
إن "إسرائيل"، بحسب رؤية عوكل، تدرك سلفاً بأن المقاومة الفلسطينية تسعى لتطوير قدراتها، ويتضح هذا من المتابعة "الإسرائيلية" المكثفة وعبر قنواتها المختلفة، لحجم وقوة المقاومة، لذلك كان الفعل الاستباقي يتصل بضرورة توجيه ضربة مؤلمة للمقاومة، وفي الوقت نفسه وضع "إسرائيل" في موقع الضحية التي تُستهدف بصواريخ المقاومة .
لكن لماذا تقوم "إسرائيل" بهذا العدوان الآن؟ أولاً ربما هناك خطة عند نتنياهو، مفادها أنه من الضروري التوجه كل فترة لضرب وإضعاف المقاومة الفلسطينية، حتى لا تشكل تهديداً حقيقياً ل"إسرائيل"، ومن ثم استثمار هذه الضربة "الإسرائيلية" في حصد أصوات الجمهور لصالح اليمين "الإسرائيلي"، تحت راية الدفاع عن السكان وأمن "إسرائيل" .
لكن الملاحظ في هذا العدوان "الإسرائيلي"، أن المؤسسة العسكرية لم تكن تعتقد بأن المقاومة الفلسطينية قادرة على الوصول إلى مواقع "إسرائيلية"بعيدة في عمق الكيان . إذ يبدو أن "حماس" استفادت من الدروس والعبر في الحرب الماضية، وذلك أنه يتضح جلياً بأنها طورت من إمكانياتها الهجومية، تلك المتعلقة باستخدام صواريخ "بعيدة المدى" قياساً بقذائفها التقليدية، وتصل إلى حوالي من 60 إلى أكثر من 80 كيلومتراً .
والواضح أيضاً أن "حماس" والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، تأخذ بمبدأ التصعيد التدريجي في العمل المقاومي، وهي تسترشد بذلك وتتبع نموذج المقاومة اللبنانية في حرب عام ،2006 إذ يعتقد بأن لدى المقاومة الفلسطينية أسلحة ربما لم تستخدم إلى اللحظة، ويتعلق هذا الاستخدام بطبيعة العدوان ومجرياته .
"إسرائيل" في كل الأحوال، لا تريد للعدوان أن يأخذ وقتاً طويلاً لأسباب عدة، أولها أنها لا ترغب في الدفع العسكري البري لاجتياح غزة، والثاني أنها لا تريد عودة النبرة الفلسطينية بصدد التوحد ومغادرة الانقسام، وثالثاً، هي تحاول اختبار الموقف المصري الإخواني من العدوان .
ربما بعد وصول صواريخ المقاومة إلى تل أبيب، رغبت "إسرائيل" في تكثيف عدوانها واظهار المزيد من الوحشية، في سبيل استدعاء وإظهار كل قوة المقاومة، وتحديداً الحمساوية، لمعرفة الحجم الحقيقي ل"حماس" وكيفية التعامل معها اليوم وفي المستقبل .
في كل الأحوال لن تسكت "إسرائيل" عن "حماس" وعن قوتها وقوة المقاومة التي تتعاظم يوماً بعد يوم، إنما قد تحتاج هذه المرة إلى القبول بهدنة بين الطرفين، ستعود بعدها حتماً إلى تفجير أزمة جديدة، أملاً في إضعاف المقاومة وإبقائها عند مستوى رد الفعل، بمعنى الرد الضعيف والخالي من كل عوامل التهديد الحقيقي ل"إسرائيل" .
إذا أمكن التوصل إلى هدنة بين "إسرائيل" والمقاومة، بعد هذا العدوان الحالي، علينا أن نتوقع عودة "إسرائيل" مرة أخرى إلى مواصلة مثل هذا النوع من الاعتداءات، وربما بطريقة وحشية أكثر، وفي المقابل مطلوب من فصائل المقاومة عدم الاسترخاء والتعامل مع الهدنة كأنها "استراحة مقاتل" .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.