وبعد ذلك عندما انتقلت إلي جامعة كولومبيا عام..2005 لكن أهم ما استوقفني من كتاباتها كان كتابها الرائع التطبيع مع الانحراف أو اNormalizationofdeviance هذا الكتاب صنفته وقت صدوره كواحد من أهم كتب فلسفة الإدارة والإجتماع حيث درست الدكتورة ديانا في بحثها وبشغف شديد كيف تحدث الكوارث والأزمات الكبري وكيف تتخلق هذه الكوارث دون ان تقرأ المقدمات بعناية سواء في المؤسسات أو المجتمعات. ويكاد ينطبق هذا المدخل علي الكثير من الأزمات التي نحياها ونعيشها في كل يوم والتي تشعرنا بحتمية التغيير والتقدم وتبديل الأحوال دون أن نعرف كيف ودون أن نعرف الاجراءات اللازمة حيال ذلك. (ديانا فون) وهي تطرق الباب الاجتماعي والإداري لهذا الموضوع اعتمدت كثيرا علي تحليل عدة كوارث وأزمات كان من أهمها حادثة وكارثة انفجار مكوك الفضاء( تشالينجز) والذي حدث صباح يوم28 يناير عام1986 وأثار عاصفة التساؤلات والتحقيقات داخل الولاياتالمتحدةالامريكية وخارجها, كما أنه أصاب الكبرياء العلمي والأكاديمي وقتها بكثير من الطعنات خصوصا ان( ناسا) أو وكالة أبحاث علوم الفضاء الأمريكية هي درة التاج في المعاهد البحثية والتكنولوجية المتطورة في الولاياتالمتحدةالأمريكية. وتوصلت( ديانا فون) في نظريتها( التطبيع مع الانحراف) بعد أن حللت كل التفاصيل الخاصة بمكوك الفضاء( تشالينجز) منذ بدايته وخلال مراحل التطوير المختلفة والاجراءات الكثيرة التي تمت من أجل اختبار كل الأجزاء الخاصة بالمكوك ومدي صلاحيتها وسلامتها.. كما راجعت كل التقارير الفنية التي كانت تعقب كل رحلات المكوك ولاحظت ديانا أن المهندسين كتبوا في تقارير المتابعة أن هناك نوعا معينا من المعجون استخدم لدعم احد مكونات المكوك وتسرب من خلاله ونتيجة تآكله غازات إلي داخل جسم المكوك, وفي كل مرة يتم مراجعة هذه التقارير لا يتم تحديد الانحراف أو إدراك هذا الخلل.. بل يتم تفسير ما يتم علي أنه أداء متوقع بشكل ما ضمن حدود المخاطر المقبولة.. لكن استمرار قبول هذه المخاطر وهذه الانحرافات الصغيرة أدت يوما ما إلي تسريب كمية كبيرة من الغاز ورفع درجة الحرارة الموضعية مما أدي إلي كارثة بكل المقاييس وإلي مصيبة هزت كل الولاياتالمتحدة والعالم بأسره. إن تفسير بعض الانحرافات علي أنها ضمن حدود المخاطر والمشاكل المقبولة والمتوقعة أدي إلي إنفجار( تشالينجز) في صباح يوم28 يناير عام1986 وهو ايضا البداية الحقيقية لكل الكوارث التي تحدث حولنا. وفي المثال السابق فان التعايش مع الخلل والتطبيع مع الانحراف داخل مؤسسة بحثية وعلمية كبيرة أدي إلي فقدان رواد الفضاء السبعة وفقدان المكوك الفضائي وإهدار ملايين الدولارات وكذلك ضياع برنامج بحثي وعلمي كبير, ولذلك فان الجهد الذي قامت به( ديانا) لتعرف ولتبحث ولتحلل هذه الحادثة وحوادث اخري اعطتنا تعريفا لهذا المصطلح المهم جدا وهو( التطبيع مع الانحراف).. وهو كما عرفته.. أن الناس داخل منظمة أو مؤسسة أو كيان قد بدأوا في التعود علي سلوك أو طريقة آداء أو منهج عمل غير صحيح وغير آمن ولسبب او لاخر اصبحوا لا ينظرون إليه بهذه الصفة بل يتعايشون ويتعاملون معه علي أنه حقيقة أو جزء من منظومة العمل مما يؤدي إلي تجاوز قواعد السلامة والمعايير الآمنة.. وهو ما يخلق بيئة مواتية لميلاد كارثة أو تخليق مصائب قد تودي بحياة مؤسسات أو حتي دول. إن التهاون في الأخطاء الصغيرة والالتفاف حولها وإيجاد مبررات لها في الوعي أو اللاوعي في العقل الفردي أو العقل الجمعي هو الذي يؤدي إلي كوارث كبيرة قد تبدو في الوهلة الأولي أنها بسبب أخطاء بسيطة لكنها في حقيقة الأمر خطأ في منهج التفكير واعتمادية علي منطق الحظ والتفاؤل والتشاؤم وغيرها من الأدوات التي تساهم في تصنيع الكوارث. حاولت( ديانا) أن تصل إلي الأسباب التي تؤدي إلي التعايش مع الانحراف وهي: .1 ضعف الإجراءات التي يتبعها العاملون وعدم فعاليتها مما يؤدي إلي إهمالها. .2 عدم تدريب القائمين بالعمل وعدم المامهم بأهمية ما يقومون به وحتمية القيام به. .3 البعض من القائمين قد يري أن كسر القواعد وتجاوزها هو في صالح العمل أو المستفيدين. .4 العمال يخافون من الكلام ولذلك يتعايشون مع الخطأ دون تفكير ناقد وتصويب للأخطاء. إن التغيير المطلوب من أجل عدم التطبيع والتعايش مع الأخطاء هو تغيير ثقافي وتعليمي وتقني لمحاربة هذا النوع من الأخطاء التي تؤدي إلي كوارث في يوم ما. كما أن الشعور بالامان الزائف والتوهم بالسلامة رغم وجود مقدمات واخطاء هو نوع من الانتحار الاداري والاجتماعي والذي لايؤدي الي نتائج حقيقية في الامد البعيد. ولأن بلدنا عانت كثيرا من الكوارث في العقود الماضية ومازالت تعاني.. فلابد للجميع من الإلتفات إلي مقدمات تلك الكوارث ولابد من عمل حكومي وشعبي من أجل خلق ثقافة جديدة في مجتمعات الأعمال وداخل كل المؤسسات لكي نحارب هذا التعايش مع الأخطاء حتي لا ننتظر كوارث جديدة. ولقد كان من حديث الرسول صلي الله عليه وسلم قوله عن عبد الله بن عمر قال رسول الله صلي الله عليه وسلم كل مسكر حرام وما أسكر كثيره فقليله حرام, أي: ما يحصل السكر بشرب كثيره فهو حرام قليله وكثيره, وإن كان قليله غير مسكر وبه أخذ الجمهور. إن كل سيارة تسير عكس الاتجاه, وكل إلقاء للمخلفات في نهر الشارع. وكل تكاسل أو تهاون مع من يسرقون التيار الكهربائي وكل تسامح مع رشوة أو كل تهاون مع أي صورة من صور الفساد وغيرها هو شهادة ميلاد لكارثة أسأل الله أن ينجي مصر والمصريين منها.