يمزج الشاعر والروائي اللبناني عبده وازن في كتابه الجديد «غرفة أبي» بين حيرة الكائن المتروك في معية اليتم الوجودي، وبين حيرة المكان المتسرّب نحو صور وذاكرات طافحة بالطفولة والتأملات، كما في مشاهد الحرب واشتراطاتها القاسية. وتستفيد رواية وازن، الصادرة عن دار منشورات ضفاف ومنشورات الاختلاف، من تقنيات التجريب البصري في السينما والمتاهات السردية التي تتيح مجالاً أوسع للإيغال والسفر الذهني باتجاه ما يمكن أن نطلق عليه مجازاً «أرض الحوافّ»، حيث الكلمات الهاربة والمحصورة في ذات المقام تبحث عن ملاذ مؤقت وعن نوافذ وشرفات تكون فيها رغبة التحليق مساوية أيضاً لرغبة الانتحار!. تأتي هذه الرواية بعد رواية «قلب مفتوح»، وبعد عدد من الدواوين الشعرية والنثرية، لعل أهمهما كتاب «حديقة الحواسّ». وحول مناخات روايته الجديدة قال عبده وازن ل «الاتحاد»: ««غرفة أبي» هو عمل يجمع بين السيرة الذاتية وفن الرواية، أو كما يسمى في النقد الغربي (الأوتو بيوغرافي)». وأضاف أن الرواية تنطلق من وقائع شخصية ثم يعاد صياغتها في قالب روائي، بحيث يظل «أنا» الراوي أو الضمير المتكلّم موجوداً، ولكن في سياق من التخيل السردي. البحث عن الأب وحول ما يميز هذه الرواية بالذات مقارنة بروايته السابقة «قلب مفتوح»، قال وازن: «اشتغلت في «قلب مفتوح» على مزج وتفريق الخطوط السردية، ولكنني في «غرفة أبي» قدمت مزيداً من التجريب السردي، لأنه كتاب وباختصار يمثل تجربة البحث عن الأب، وهو هنا أبي الذي فقدته وأنا في العاشرة من عمري، ولا أذكر عنه سوى القليل القليل. أتذكره وكأنه طيف، مجرد طيف، أما المفارقة فإنني أسترجع صورة أبي الضبابية بعدما اكتشفت أنني أصبحت أكبر منه، فهو مات شاباً، ماذا يعني أن يصبح الابن أكبر من أبيه؟، هذا هو السؤال الذي دفعني لكتابة هذه الرواية، وهكذا استعيد الأب من خلال ذكريات الآخرين عنه، وعلى الأخص أمي وبعض أصدقائه المقربين منه، الذين لا يزالون أحياء وعجزة، إضافة إلى بعض الوثائق والمرويات والصور التي يظهر فيها أبي مع أمي أو في العمل والمنزل والحيّ». وحول توظيفه لسيرة الذات بإزاء سيرة المكان وذاكرة الحرب الأهلية في لبنان، يقول وازن: «استطعت من خلال الرواية أن أكوّن لوالدي الراحل شخصية أو كينونة مستقلة ربطتها بزمنه أو بعصره من خلال الأحداث المهمة التي شهدها في ذلك الزمن، مثل الحرب الأهلية التي وقعت في عام 1958 ثم التيارات التي ظهرت والتغيرات الاجتماعية والثقافية كظهور التلفزيون في الحيّ، ومجيء الهاتف، وكرة القدم التي كان يهواها، وغيرها من الأحداث». ... المزيد