تعز.. الإفراج عن صحفي بعد أكثر من 12 ساعة اعتقال على ذمة مشاركة منشور على الفيسبوك    بحضور رسمي وجماهيري لافت... انطلاقة نارية لبطولة أوسان الرمضانية في القاهرة    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد «كوابيس وخيبات»    اختطاف مصابين تعرضوا لإطلاق نار في اشتباكات حوثية حوثية في أحد أسواق إب    أم تفارق الحياة أمام أحد السجون الحوثية بإب بعد رؤية نجلها مقيّدًا    فعاليات بعددٍ من المحافظات إحياءً لذكرى رحيل العالم مجد الدين المؤيدي    الإخوة المناصرين الجدد للحكومة من أبناء الجنوب: لا تدعوا التعصب يدفعكم لتنافسوا نجيب غلاب    مملكة بني إريان و "الحبر الأعظم المؤسس" عبدالكريم الإرياني (جزء1)    الجنوب العربي والذاكرة الرقمية    إسبانيا تدعو لتفعيل أدوات الاتحاد الأوروبي للضغط على كيان العدو    أمريكا تأمر بمغادرة الموظفين غير الأساسيين من سفارتها في بيروت    لا تثقوا فيهم!!!    تدشين توزيع 10 آلاف شتلة لوزيات وفواكه بالقطاع الشرقي    إصابة شرطي صهيوني باصطدام شاحنة جنوب نابلس    الإعلان عن مبلغ زكاة الفطرة لهذا العام 1447 ..    (نص + فيديو) للمحاضرة الرمضانية السادسة للسيد القائد 1447    الفريق السامعي: تصريحات السفير الأمريكي تمثل عدواناً سياسياً مباشراً وتحدياً سافراً للقانون الدولي    الأشول: الحكومة شكلت لجنة لمعالجة أزمة الغاز ونعمل على تعزيز مخزون السلع    تقرير بريطاني يكشف كيف تحاول واشنطن إبقاء السعودية "زبوناً حصرياً" للسلاح الأمريكي!    تراجع أسعار النفط عالميا    مصادر: انقطاعات الإنترنت مرتبطة بصيانة وتحديثات لخدمة «يمن فور جي»    اللغة فعل حي    بعد سقوط "إل منتشو".. مونديال كأس العالم مهدد    الأرصاد يخفض التحذير إلى تنبيه ويتوقع ارتفاعاً تدريجياً في درجات الحرارة    تعليق رسوم ترمب الجمركية يهبط بالدولار والنفط والعملات المشفرة    الخارجية اليمنية تؤكد دعم سيادة الكويت على مناطقها البحرية ومرتفعاتها المائية    شركة الغاز تعلن مضاعفة الإمدادات لعدة محافظات وتدعو السلطات المحلية لمنع أي تلاعب    كذب المطبلون وما صدقوا.. مجلس العليمي وأبوزرعة يفشلون في اختبار أسطوانة الغاز    الفرح: السعودية تسعى لإدامة الصراعات في الجنوب    يوفنتوس يخطط لإقالة المدير الرياضي والمدرب    هيئة المواصفات تدشن حملة تعزيز الرقابة وحماية المستهلك بذمار    المشروع يستهدف أكثر من 41 ألف أسرة بشكل منظم... النعيمي ومفتاح يدشنان مشروع السلة الرمضانية لمؤسسة بنيان للعام 1447ه    علوم المسلمين أسست للنهضة الأوروبية    وثائق عرفية وقبلية من برط اليمن "35"    المهندس الشغدري: انزال مخططات لقرابة 17 وحدة جوار في مديرية عنس    عبرت عن روحية التكافل الاجتماعي.. الهيئة العامة لرعاية أسر الشهداء تدشّن توزيع السلة الغذائية الرمضانية    تواصل بطولة الشهيد الصمَّاد للوزارات والهيئات الحكومية    يجب أن تعي كلُّ النساء هذه الحقائق المهمة .. فيديو    نتيجة القمع الحوثي.. إب تسجل كرابع محافظة في حالات النزوح خلال العام الماضي    صنعاء.. تعزيز قطاع الطوارئ ورفع مستوى الجاهزية    وزير الشباب والرياضة يوجّه بالبدء في ترتيبات انطلاق بطولة "المريسي" الرمضانية بعدن    افتتاح توسعة تاريخية للرواقين الجنوبي والغربي بالجامع الكبير بصنعاء    تراجع الازدحام في منفذ الوديعة الحدودي    عدن تحتفل بتخرّج 97 حافظًا وحافظةً للقرآن الكريم    السيتي يتخطى نيوكاسل يونايتد ويشعل سباق الصدارة مع ارسنال    اتلتيكومدريد يدك شباك اسبانيول برباعية    مليشيا الحوثي تنهب مخصصات دار الحبيشي للأيتام في إب    الحديدة.. حادث سير مروع يودي بحياة شخصين احتراقًا    الصحة العالمية: أوقفوا استهداف المستشفيات في السودان فوراً    نبيل هائل يدشن سلسلة اللقاءات التشاورية مع موظفي المجموعة    بنك الدواء يستقبل قرابة 300 حالة لمرضى القلب والضغط    المنتخب الوطني الأول يدشن معسكره الداخلي استعداد للجولة الأخيرة لتصفيات آسيا    فنانون عالميون يطالبون مهرجان برلين بموقف ضد جرائم "إسرائيل" في غزة    تسجيل أكثر من 14 ألف إصابة بمرض الملاريا في تعز خلال 2025    باحث في الآثار: تهريب نحو 23 ألف قطعة أثرية يمنية خلال سنوات الحرب    سوء فهم أم عجز أكاديمي خليجي؟    المجلس العالي للدولة في السلطنة القعيطية يرفض إعفاء العلامة بن سميط ويؤكد ثقته بكفاءته وخدمته لأهالي شبام    التضامن مع حاشد شهادة على الوفاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"تسونامي".. التحول الديمقراطي
نشر في المصدر يوم 03 - 02 - 2011

ما يحدث الآن ليست موجة ديمقراطية، "بل تسونامي" ضخم، يبعث الأمل في قدرة الشعوب العربية على التحول الديمقراطي، كما أنه يمكن أن يكون مدمرا وفوضويا، وقد "ينتكس" إذا لم نفهمه جيدا.
لا أحد من الباحثين توقع حدوثه في المنطقة العربية، مع أن دولا تتشابه معنا في أمريكا اللاتينية كانت قد سبقتنا إليه، مقارنة معها يمكننا القول إن ما حدث كان التطور الطبيعي لما بعد الثورة والديكتاتورية، هو ما يعرفه "غييرمو اودونيل" و"فيليب شميتر" في كتابهما "المراحل الانتقالية من الحكم الدكتاتوري" بمرحلة التحول إلى الديمقراطية.
يورد أودونيل وشميتر المراحل التي مرت بها الأنظمة في أمريكا اللاتينية، في تحولها إلى الديمقراطية، على شكل "احتلال، ثورة وتحرر، أنظمة دكتاتورية عادت للخضوع للهيمنة الاستعمارية الجديدة "الأمريكية"، مرحلة انتقالية للتحول للديمقراطية، أنظمة ديمقراطية".
كم تبدو هذه المراحل متطابقة تماما مع مراحل الأنظمة العربية التي عرفت التحرر والاستقلال لتعود للخضوع للدكتاتورية الوطنية الخاضعة بدورها للقوى الاستعمارية المهيمنة الجديدة "الأمريكية"، إلا أن ما لم تكن تفهمه الديكتاتورية العربية، أنه لم يكن يمكنها الاستمرار إلى الأبد، ولذلك لم تستجب للقوى المعارضة لصياغة مرحلة انتقالية للديمقراطية، كضرورة تاريخية كان يجب أن تحدث.
يرى "الكسندر باترو" أستاذ العلوم السياسية، في كلية ترينيتي دبلن، في دراسة عن "التحول الديمقراطي" إن "الفشل في تحقيق الانتقال السلس للسلطة، على مر التاريخ، يجلب الخراب للحكومات".
ويقول: "حاجة السلطة لتجنب الانهيار يعد عنصرا هاما لتبادر لكسر "الجمود"، بتشجيع أنماط سياسية جديدة لتطوير النظام السياسي، ما يمكن في النهاية من الانتقال السلمي للسلطة"..
لم تفهم الأنظمة العربية تلك الحقيقة، أن كسر حالة الجمود والإحباط السياسي، بتشجيع وتبني أنماط سياسية جديدة تقود في النهاية للتداول السلمي السلطة، كما أنه حاجة للشعوب، هو حاجة للحكومات لتجنب الخراب أيضا..
يحدد "يورد أودونيل" و"شميتر" في كتابهما "الانتقال من الدكتاتورية" لرسم ملامح هذه المرحلة الانتقالية إلى الديمقراطية في "الاتفاقات المبرمة والتفاوض بين شاغلي السلطة والمعارضة لغرض نقل نظام الحكم من الاستبداد إلى الحكم الديمقراطي".
وهي الاتفاقيات التي يعرفانها ب" اتفاقات انتقالية تسمح لمجموعة مختارة من الجهات الفاعلة لتحديد (أو على نحو أفضل، لإعادة تعريف) القواعد التي تنظم ممارسة السلطة على أساس متبادل لضمانات المصالح الحيوية لتلك الأطراف التي تدخل في الأمر".
ذلك ما لم يفعله النظامان التونسي والمصري في حالة محبطة وتؤدي لاكتئاب الشعب سياسيا كما وصفت "التايمز" الشعب المصري مؤخرا، تجاهل النظامان تماما المعارضة السياسية من يفترض أنها تنوب عن الشعب في هذه المهمة، بل تلذذا في إهانة الشعب بعمليات انتخابية مشينة، على شكل فوز رئاسي مزور بنسبة 95%، تونس، وبرلمان مطعون في شرعية كل مقاعده، مصر، لذلك لم يكن أمام الشعب إلا أن يقوم بهذه المهمة بنفسه لقيادة التحول بإسقاط الأنظمة نفسها..
نزل الشعبان إلى الشارع بغض النظر عن المحفزات التي شجعت على الخروج في أول الأمر، إلا أنكم لاحظتم أن مطالب الشعبين "التونسي" و"المصري"، لم تكن في البداية هي تغيير "النظامين القائمين"، وإنما مطالبتهما بتبني إصلاحات سياسية حقيقية تقود للتحول الديمقراطي، وعندما أصرا على الرفض و"عدم فهم" ما تريده الجماهير، عندها فقط قرر الشعب إسقاط النظامين، ليس لأنه يريد إسقاطهما كانتقام، وإنما "الإسقاط" كان الآلية لإزالة المعوقات التي كانت تقف أمام التحول المطلوب.
الآن.. بعدما انتهى الشعب التونسي من إسقاط النظام، عادت نخبته السياسية في السلطة والمعارضة للنقاش بشأن الصيغة المناسبة لمرحلة التحول للديمقراطية، لأنه الهدف الحقيقي، كما شكل المصريون وفدا سياسيا من المعارضة برئاسة البرادعي للتفاوض مع السلطة لصياغة التحول الديمقراطي المطلوب.
غير أن هذه المرحلة مرحلة "التحول" حساسة جدا، وأي ما سيتم فيها هو ما سيحدد ملامح المرحلة القادمة، وعما إذا كان التحول الديمقراطي ممكناً بدون الدخول في "الفوضى" أو قابليته للاستمرار بدون أن ينتكس.
هناك الكثير من علماء السياسية الخبراء بمرحلة التحول يقولون ب "الحجة القائلة بأن طريقة الانتقال تلعب دورا هاما في تحديد مصير توطيد الديمقراطية، وتحتل صدى قويا للغاية على صعيد مع ما يسمى بنظرية التحولات".التي يقول بها تيري كارل لام: "إن طريقة الانتقال تحدد السياق الذي تحدث فيه التفاعلات الاستراتيجية، والذي بدوره يحدد ما إذا كان سوف تظهر الديمقراطية السياسية، والبقاء على قيد الحياة". أعتقد أن إسقاط النظام ليس بصعوبة هذه المرحلة الانتقالية التي تمثل تحديا كبيرا للنخبتين السياسيتين الحاكمة والمعارضة في تونس ومصر الآن، أو في تلك الدول المؤهلة والتواقة لتكرار التجربة كاليمن، في كيفية التوصل لمرحلة انتقال حقيقي للديمقراطية بدون الدخول في الفوضى التي يقول بها علماء ك ''إيان بريمر''، أو أن تكون قابلة للانتكاس التي حذر منها "تيري لام".

يرى ''إيان بريمر'' زميل معهد السياسة الدولية ورئيس مجموعة أوروآسيا هي الهيئة الاستشارية المختصة في إدارة الأزمات السياسية العالمية والتي تتخذ من نيويورك مقرا لها في نظريته ''المنعطف جي"، في كتاب بذات الاسم، أن الدول المستقرة "الهشة" بسبب الكبت والقمع يجب أن تمر بمرحلة فوضى لتصل لمصاف الدول المستقرة بسبب الحرية والديمقراطية.
النظرية نسبة إلى شكل الحرف اللاتيني ""G والذي يراه المؤلف أنه يعكس حالة الاستقرار في الدول والتي تتأرجح بين طرفي المعادلة فكلا الدول شديدة الانفتاح وشديدة الانغلاق تتمتعان بالقدر ذاته من الاستقرار، إلا أن ''بريمر'' يفرق بين استقرار متنام في الحالة الأولى "الديمقراطي" وآخر هش في الحالة الثانية "القمع"، لا تدرك قيادات الدول الأخيرة أنه قد ينفجر في أي لحظة.
تقوم نظرية المنحنى "جي" على وجود دول أسفل الرسم البياني للحرف اللاتيني "جي" شديدة الانغلاق، والتي يرتهن فيها الاستقرار بشخصية قائد فرد متسلط، بينما على أقصى يمين المنعطف جي تتجمع الدول الأكثر انفتاحا في العالم والتي يقوم استقرارها على مؤسسات غير حكومية وبرلمانات مستقلة قضائيا وتنفيذياً واتحادات عمال وجماعات ضغط شعبية، أما المنطقة الوسطى بينهما فيشغلها عدد من الدول التي تمر بمرحلة انتقالية.
ويجد بريمر أن التاريخ لم يقدم أية نماذج لدول اختصرت تلك المرحلة الانتقالية، ومرت منها دون اضطراب باستثناء جنوب أفريقيا التي نجت من الوقوع في الفوضى عند تحولها من نظام فصل عنصري إلى ديمقراطية حقيقية، وذلك بفضل الرؤى الحكيمة لقادتها السياسيين.
الكتاب صدر قبل وصول هذه المرحلة إلى المنطقة العربية، بدءا من ثورة تونس التي أعتقد أنها كانت ناجحة جدا في التحول الديمقراطي بدون المرور في مرحلة "الفوضى" التي يقترحها "بريمر" في مرتكز نظرية "المنحنى جي" رغم أن التجربة التونسية ما زالت مستمرة ولم تنته بعد.
لكن التحدي الحقيقي فعلا أمام تلك الدول التي تنتظر الدخول في المرحلة مع وجود تحديات أخرى، كالدخول في حالة "عدم الاستقرار" مبكرا قبل التحول، كاليمن، بسبب الصراعات الطائفية أو الدينية أو العرقية، أو الطبقية، بحسب "غرايم جيل" في كتاب ديناميكية السيرورة الديمقراطية.
يشير "جيل" إلى تحديات إضافية تسببه تلك الصراعات وطبيعة المؤسسة العسكرية أمام النخبة الحاكمة والمعارضة لصياغة مرحلة "التحول"، حيث يجد ارتباطا بين نماذج تفكك النظام، والأنماط المختلفة من التحول المرتبطة، بالصراعات القائمة، وواقع المعارضة وبرامجها من جهة، وطبيعة المؤسسة العسكرية، والأجنحة التواقة للإصلاح من جهة أخرى في النظام ذاته..
يقول غييرمو وأودنيل وفيليب شميتر في كتاب التحول من الحكم الديكتاتوري، عن أجنحة السلطة الإصلاحية، بأن "كافة عمليات "الانتقال" تصبح ممكنة بسبب الانقسام بين المتشددين والمتساهلين في نظام الحكم، فقد يكون المتشددون انتهازيون يعارضون اعتماد الديمقراطية في البلاد لمجرد كونهم يريدون التمسك بالسلطة والصلاحيات، أو أنهم يعارضون اعتمادها على أسس مبدئية، أما المتساهلون فيعتقدون بوجه عام أن نظام الحكم يحتاج إلى درجة معينة أو شكل معين من الشرعية الانتخابية في المستقبل، ولذلك فإنهم يناصرون الشروع في الإصلاحات السياسية في الوقت الذي يكون فيه نظام الحكم لا يزال قادرا قبل أن ينهار بسبب جموده"..
يضيفان: "من المهم أن لا ننسى أن المتساهلين ليسوا بالضرورة ليبراليين أو إصلاحيين، بدلا من ذلك فإنهم أفراد يفهمون أن البلاد لا تستطيع أن تبقى جامدة، وأن التكيف من خلال الإصلاحات السياسية العميقة أصبح ضروريا"..
ويؤكد "جيل" في "ديناميكية السيرورة الديمقراطية" على أهمية كفاءة النخب السياسية في إيصال هذا "التحول" إلى هدفه، بدلا من الدخول في "الفوضى" أو استبدال النظام السلطوي بنظام سلطوي آخر.
أعتقد أن ذلك ما ينطبق تماما على الحالة اليمنية المعتملة والتواقة لتكرار التجربتين التونسية والمصرية في مرحلة حساسة جدا تختلط فيها الرغبة بالمشاعر والآليات بالأهداف إضافة إلى التحديات القائمة المتمثلة في حالة عدم الاستقرار في البلد "الحوثي، والجنوب"، التي سبقت "التحول" الديمقراطي، هو ما يجعل من مهمة التحول في اليمن أكثر حساسية وصعوبة..
ولذلك في هذه اللحظة العاطفية التي بات الكثيرون فيها يراهنون على الفعل الشعبي لتكرار التجربتين التونسية والمصرية، أجد أن الأمر يحتاج دعما للنخبة السياسية اليمنية في "السلطة والمعارضة" لتتمكن بكفاءة من قيادة التحول الديمقراطي، بدون تعريضه لمخاطر الدخول في "الفوضى" أو استبدال الديكتاتورية الراهنة بديكتاتورية أخرى..
في الحالة اليمنية لا أعتقد أن أحدا من الأطراف الموجودة يمتلك القدرة على الإتيان "بديكتاتورية أخرى"، جل ما نستطيع فعله هو الإتيان ب "الفوضى"..
هناك من أصحاب المشاريع الصغيرة من يستغلون اللحظة للتحريض على إسقاط "الدولة"، ويعتقدون أنهم كأمراء حرب وجاهزون، يستطيعون حسمها لصالحهم بعد ذلك والسيطرة على كل الشمال، فيما يتركون للانفصاليين في الجنوب تقرير مصيرهم..
ما يتجاهله أولئك أن أمراء الحرب في الصومال قبل 20 سنة عندما اتفقوا على إسقاط "زياد بري" كان كل منهم يعتقد أنه يمكنه حسمها لصالحه، حتى الآن لا أحد فعل ذلك.
فأي تحريض تحت نشوة اللحظة في تونس ومصر، لفعل شعبي، ينحرف عن الهدف إلى الآليات كإسقاط "النظام"، و"الأشخاص"، و"الدولة" لا يخدم الهدف الحقيقي للتحول الديمقراطي، ما لم يؤد لنتائج عكسية تؤدي لضياع الفرصة، وبدلا من البحث عن الديمقراطية الآن، سنعود بعد 20 سنة لنبحث عن دولة أولا.
أظنكم لاحظتم حرص المصريين والتونسيين على التفريق بين النظام والدولة، والحرص الشديد على الإبقاء على الدولة فيما كانوا يسقطون النظام، لا يعاني التونسيون ولا المصريون من انقسامات داخلية فئوية أو طائفية كتلك التي نعاني منها في اليمن، ولذلك كان من السهل عليهم الإبقاء على الدولة.. في اليمن أشك أننا نستطيع فعل ذلك.
قد يفهم البعض الحديث عن الفوضى نوعا من دعم الإبقاء على النظام الراهن. لا، فبقاؤه يؤدي إلى "الفوضى" أيضا. بعد الذي حدث في تونس ومصر، لا أعتقد أن أحدا يؤمن أن بقاء النظام على هذا الشكل، أو أن تجديد شرعيته على طريقة الانتخابات المصرية الأخيرة، لا يقود إلى انهيار النظام أيضا..
بعد الذي حدث، لا أحد يمكنه الجدال بشأن نظرية "الكسندر باترو" إن الفشل في تحقيق الانتقال السلس للسلطة على مر التاريخ يجلب الخراب للحكومات"، وأن التحول الديمقراطي كما هو حاجة ضرورية للشعوب هو حاجة للأنظمة الحاكمة أيضا..
فالاطمئنان للتهديد ب "الفوضى" بديلا، والاستمرار في الحديث عن القدرة على تجديد الشرعية من خلال انتخابات منفردة في ابريل 2011، وتمرير التعديلات الدستورية، لا يعني إلا أن السلطة لم تفهم بعد، وأنها لا زالت تمارس "العبث" عينه، وتقودنا للكارثة..
كما أن الحديث العاطفي عن استنساخ تجربة شعبية مماثلة لما حدث في تونس ويحدث في مصر بدون وعي وتفريق بين الأهداف والآليات، يمكن تسميته "ثورية طفولية" مغامرة ومدمرة للتجربة، قد يقود الاستسلام لها إلى انتكاس "التحول الديمقراطي"، أو تسليمه للفوضى وأمراء الحرب المنتظرين والطامعين..
لست هنا أمارس دور "العاقل" الأخير، أوالمثبط للأحلام الشعبية المشروعة، ما أريد قوله هو ما قاله الكاتب التونسي "محمد الحداد" بشأن ما يحدث في بلاده، بأن "بين الثورية الطفولية، وصلف دعاة الاستقامة والنظام، يتعين أن يقوم خطاب قادر على تعميق الأحلام لتكون وقوداً في مواجهة التحديات الضخمة المقبلة، فلا يقتل الأمل لدى الناس باسم الواقعية، كما لا يعدم حسهم الواقعي بالشعارات المعسولة.
لست مع ضياع الفرصة لاستغلال ما حدث للانتقال إلى الديمقراطية، باسم الواقعية، إلا أني أخاف عليها من الضياع أيضا باسم الحماسة والشجاعة الزائدة، الشجاعة التي لا أراها في القدرة على تقليد الآخرين في الفعل "الشجاع" كفعل استنساخي غبي، وإنما في الاستلهام لتفعل ذلك بطريقتك الخاصة..
في أمريكا اللاتينية شهدت شعوبها أنماطا عديدة من الديكتاتورية المتشابهة في كليتها، المختلفة في خصوصياتها، وعندما هبت موجة التحولات الديمقراطية، فعلتها كل دولة بطريقتها الخاصة وبما يتناسب مع خصوصيتها وطبيعة الديكتاتورية التي كانت تعيشها..
لن تجد أن دولة ما تطابقت مع دولة أخرى في طريقة فعل ذلك، أو في شكل الحلول التي توصلت إليها، في شكل وطبيعة النظام السياسي الذي توصلت إليه، مع أنها جميعا يمكن تسميتها بأنظمة متحولة إلى الديمقراطية.
ما حدث في تونس ويحدث في مصر، كان حتمية تاريخية لتحول الأنظمة الديكتاتورية إلى الديمقراطية، لم تفهمه تلك الأنظمة، ولم تستمع لمطالبات الشعب لذلك، وهو ما أجبر الشعوب للخروج إلى الشارع لإسقاطها، ليس لأن إسقاط الأنظمة كان هدفا بحد ذاته، ولكن كآلية لإزالة المعيق الذي يقف أمام التحول..
ولذلك وجدنا أن المهمة في تونس لم تنه بإسقاط النظام، وإنما لا تزال النخب السياسية في الحكم والمعارضة والنقابات في نقاش لتحديد طبيعة النظام السياسي الذي يتيح الانتقال إلى الديمقراطية، كذلك الأمر في مصر فيما يطالب الشارع بإسقاط النظام كانت قواه السياسية تفعل العمل الصحيح، والذي هو الهدف الأساسي لصياغة مشروع سياسي لنظام جديد باتجاه الديمقراطية، من خلال الوفد السياسي الذي شكل برئاسة البرادعي للتفاوض مع الحكومة بشأن ذلك.
في اليمن لدينا خصوصيتنا وتجربتنا، لكن هناك من أبهرهم المشهد، فراحوا ينادون لاستنساخ ظاهر التجربتين، لا عمقهما، في خلط مخيف بين الأهداف والآليات.. هناك من يجعل الآن من إسقاط "النظام"، وحتى "الدولة" هدفا له، بدون وعي لما يريد من ذلك، أو ما هو البديل..
يقولون إن الأهم أن "يسقط"، فالذي سيأتي لن يكون أسوأ مما هو موجود، غير مدركين أن مستقبل فعل شيء مهم ومحوري كذلك بهذه الطريقة الطفولية، كم هو مخيف ومرعب!؟ يعميهم المشد الراهن عن رؤيته الآن.
أتفق مع هؤلاء الغاضبين أن النظام السياسي في اليمن كما هو في تونس ومصر، هو المشكلة الأساسية التي تعيق التحول إلى الديمقراطية، لكن ينبغي أن لا تأخذنا الحماسة لنجعل من "إسقاط النظام" الهدف، ونحيد عن الهدف الأساسي المتمثل في "التحول الديمقراطي"، فتغييب الهدف والعماية عنه يجعل من تحقيقه أمرا غير ممكن، ويقود لمآلات غير محسوبة.
نريد تحولا ديمقراطيا كما يريده التوانسة والمصريون، وهذه موجة الآن كتسونامي ضخم يجتاح المنطقة ويقضي على المشاريع الاستمرارية للديكتاتورية "التمديد، والتوريث"، ويجب أن لا نضيع فرصته، لكن هل علينا أن نفعله بنفس التطابق مع المصريين والتونسيين بدون النظر لخصوصيتنا الاجتماعية وحالتنا السياسية وتجربتنا الماضية التي في الأكيد أنها تختلف عن المصريين والتونسيين!؟
أعتقد أن ما أريد قوله هو أن نمضي إلى تحولنا "الديمقراطي" ونحن واعون جيدا لما نريد، ومدركون تماما لخصوصيتنا المحلية وتجربتنا السياسية الماضية، في تقرير ل"كارنجي"، عن أزمة "الحكم في الوطن العربي" في 2007، يشير إلى فرادة اليمن والجزائر بوجود كتلة حزبية معارضة حقيقية كأرضية مهمة لمتطلبات "التحول الديمقراطي" من خلال تفاوض السلطة المحتاجة لتجديد شرعيتها مع المعارضة لرسم ملامح المرحلة الانتقالية إلى الديمقراطية.
من المهم عدم إغفال هذه النقطة المتقدمة في الديمقراطية اليمنية، كإحدى متطلبات التحول الديمقراطي المتمثلة في وجود تكتل "اللقاء المشترك" الذي يضم مختلف أطياف المجتمع المعارضة، وتجربته الطويلة في الحوار مع السلطة لتحقيق "التحول الديمقراطي" السلمي والمتدرج، والأهم منه اتفاق جميع أطرافه في 2005 على ملامح الإصلاحات السياسية المطلوبة للتحول الديمقراطي، التي يحددها مشروع الإصلاح السياسي، ووثيقة "الإنقاذ" في التحول إلى النظام البرلماني والقائمة النسبية والحكم المحلي، وإصلاح الجيش والقضاء والوظيفة العامة..
في تونس كما في مصر لم يكن النظامان يتيحان وجود معارضة حقيقية، تبحث بشكل جدي معه متطلبات التحول الديمقراطي، لذلك وجدت النخب السياسية في تونس في الحكم والمعارضة، حتى بعد إسقاط النظام نفسها مضطرة لخوض نقاشات لتحديد طبيعة النظام السياسي الذي يريدونه لتحقيق التحول الديمقراطي، وكم تذكرني حواراتهم الآن على شاشات التلفزيون بتلك الحوارات التي كان يجريها المشترك منذ 2005، كما في مصر، وهم يريدون إسقاط النظام، تجد نخبه السياسية، أنه لابد من التفاوض مع السلطة القائمة لصياغة مشروع التحول الديمقراطي.
وهو الأمر الذي سنعود إليه حتى إذا استطاعت التجمعات الشعبية إسقاط النظام بسلاسة ويسر، وبقيت الدولة قائمة، فالشعب لا يصيغ بنفسه اتفاقات التحول الديمقراطي، وإنما تلك مهمة "النخب السياسية" التي تفعله النخبة اليمنية منذ فترة طويلة، وإن بدا الأمر أنه لم يحقق شيئاً..
ما حدث في تونس وتبعه في مصر، ليس سهلا البتة، إنها مرحلة التحولات الديمقراطية، لا تريد واقعية مفرطة كما لا تريد حماسة زائدة، ما تريده الآن "الذكاء"، والذكاء فقط لكي لا تضيع الفرصة.
علينا أن نفكر جيدا في الطريقة المثلى لاستغلال ما حدث، في دعم مفاوضات النخب السياسية لصياغة مشروع التحول الديمقراطي الذي ستفعله سواء قبل أو بعد إسقاط النظام، أعتقد أن أي فعل وضغط شعبي يجب أن يكون في ذلك الاتجاه، ذلك هو الهدف الحقيقي.
لسنا في حاجة لإسقاط النظام، فالذي حدث في تونس ومصر أسقطه بالفعل، وقضى تماما على فكرة ديمومته واستمراره، من خلال "التمديد" أو التوريث"، فمجنون من يعتقد في السلطة الآن أنه لا يزال بمقدوره التجديد لشرعية النظام من خلال الانتخابات البرلمانية القادمة منفردا أو تمرير التعديلات الدستورية، إلا إذا كان يرغب في المضي إلى المآلات التاريخية لنظرية "الكسندر باترو" حتى النهاية "انهيار السلطة نتيجة الفشل في تحقيق التحول الديمقراطي"، وقد بدت صادقة في تونس ومصر.
حاجة السلطة إلى تجنب ذلك من خلال صياغة اتفاقات "تحول ديمقراطي" تضمن جزء من مصالحها أيضا، كما في تعريف "يورد أودونيل" و"شميتر"، للاتفاقات الانتقالية، أعتقد أنه سيدفعها في النهاية إلى الدخول في تلك الاتفاقات باتجاه التحول الديمقراطي الحقيقي.
ما نحتاجه الآن في تصوري، ليس التفكير في "إسقاط النظام"، وإنما التفكير جديا في الطريقة المثلى لتجنيب "التحول الديمقراطي" مخاطر الدخول في "الفوضى" أو "الانتكاس"، أي ما سنفعله الآن سيحدد مصير ذلك.

المصدر أونلاين


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.