لاقت دعوة المملكة العربية السعودية لاستضافة مؤتمر الحوار الجنوبي- الجنوبي في العاصمة الرياض ترحيبًا واسعًا من مختلف الأطياف اليمنية، في لحظة تحديات معقّدة، تتقاطع الحسابات الإقليمية والدولية، وتفرض الحاجة إلى الحوار لإيجاد حلول عقلانية تعيد الاعتبار للدولة. وتأتي استضافة الرياض لهذا الحوار في سياق دور سعودي متقدم تجاوز حدود الجغرافيا، ورسخ مكانة المملكة كأهم فاعل عربي يعتمد سياسة متزنة تجمع بين الحكمة والحزم، ويقدم الحلول السياسية بوصفها خيارًا أول دون التفريط بمتطلبات الأمن والاستقرار.
في تاريخ اليمن الحديث لم تكن المنعطفات الكبرى مجرد محطات عابرة، ولكنها لحظات اختبار حقيقي لصدق المواقف وعمق الروابط، وفي كل تلك اللحظات ظلت المملكة العربية السعودية حاضرة بوصفها شريك استراتيجي يتعاطى مع الهمّ اليمني بروح الأخوّة ومعرفة عميقة
وتجسد هذا الدور مؤخرا في دعوة المملكة لرعاية واستضافة الحوار الجنوبي- الجنوبي، من أجل بحث حلول مستدامة للقضية الجنوبية تنطلق من حوار شامل يحترم التنوّع ويبحث عن تسويات عادلة تحفظ كيان الدولة وتلبّي تطلعات المواطنين في اليمن بشكل عام.
الحوار لمواجهة العواصف ورأى النائب البرلماني على عشال "إن المملكة العربية السعودية لم تترك اليمن يومًا في مواجهة العواصف وحده"، لافتا "أن استضافة الحوار الجنوبي تمثّل امتدادًا لدورها الأخوي الصادق، وإيمانها بأن الحوار هو الطريق الآمن لتحقيق الاستقرار".
وأضاف -بمنشور على "فيسبوك"- "أن القضايا العادلة لا تحتاج إلى تهوّر، بل إلى صبر وعقل راجح، وقدرة على تحويل الألم إلى مشروع سياسي مسؤول، لا إلى صراع مفتوح يستنزف الأرض والإنسان".
كما شدّد على أن الحوار الحقيقي لا يُدار تحت تهديد السلاح، ولا ينجح في ظل قوى مسلحة خارج القرار الوطني، معتبرًا أن الدولة هي الضمانة، وأن الشراكة لا الإقصاء هي السبيل لصناعة سلام قابل للحياة. من جانبه قال الكاتب السياسي أحمد عثمان "إن المملكة تثبت مجددًا أنها دولة عريقة تحترم تعهداتها الدولية، وتقدّم الحوار والحلول السلمية قبل اللجوء إلى الحسم، دفاعًا عن أمنها وأمن جيرانها، وبعد استنفاد كل الوسائل السياسية".
وأضاف في تصريح خاص ل "الصحوة نت"، "أن هذا السلوك يعكس توازنًا واعيًا بين القوة والحكمة، ويجعل من حماية الإنسان جوهرًا للسياسة السعودية، وأن التعامل مع الأحداث الأخيرة في المحافظات الشرقية جاء بحسم وسرعة استجابة لدعوة القيادة اليمنية".
ولفت عثمان: "أن الحسم كان دون التخلي عن خيار الحوار ولمّ الشتات لتحقيق أهداف واضحة، في مقدمتها إنهاء الفوضى، واستعادة الدولة، وتوحيد التشكيلات العسكرية في جيش وطني واحد تحت إطاري وزارتي الدفاع والداخلية".
بناء الدولة ومواجه التفكك
يمثل الحوار الجنوبي محطة مفصلية لمعالجة التشظّي السياسي والاجتماعي في المحافظات الجنوبية والشرقية، خاصة بعد سنوات من الانقسام والصراع. ويرى مراقبون أن نجاح هذا الحوار مرهون بشموليته، وابتعاده عن منطق السلاح وفرض الأمر الواقع، وأن يُدار تحت سقف الدولة، لا تحت ضغط المليشيات.
وفي هذا السياق قال القيادي في الحراك الجنوبي عبد الكريم قاسم "أن الدعوة إلى مؤتمر الحوار "مباركة ومحل ترحيب"، مشيرا "أن الجنوب عجز لسنوات عن إيجاد حوار جنوبي - جنوبي حقيقي بسبب تعنّت بعض الأطراف التي حاولت فرض رؤاها بالقوة".
وأضاف -في تصريح تلفزيوني- "أن المؤتمر الجنوبي يشكّل فرصة حقيقية لترميم النسيج الاجتماعي وجبر الضرر، والبحث عن المشتركات ومعالجة القضية الجنوبية معالجة عقلانية تحفظ كرامة الجنوبيين، وتجنبهم تكرار المآسي والحروب، مؤكدًا أن الجنوب بحاجة إلى مصالحة حقيقية تداوي جراح الماضي وتفتح أفقًا جديدًا للمستقبل".
ويجمع محللون على أن الواقع على الأرض، بمخاطره وضغوطه السياسية وتحدياته المتشابكة، يؤكد حقيقة واحدة وهي لا يمكن بناء دولة قوية مع تعدد الجيوش، ولا استقرار مع قوى مسلحة خارج القرار الوطني، ولا مستقبل مع تحويل السلاح إلى أداة تفاوض بديلة عن السياسة.
ويشكّل تعدد المسميات والتشكيلات العسكرية إحدى أبرز العقبات أمام استعادة الدولة وبناء مؤسساتها، وهو ما يجعل من توحيد القوات العسكرية والأمنية شرطًا أساسيًا لاستكمال مشروع التحرير الشامل، وفي مقدّمته تحرير المؤسسات من مليشيا الحوثي، واستعادة العاصمة صنعاء.
الرياض بوابة الحل خلال الأسبوع الماضي ومع تصاعد الازمة في محافظتي حضرموت والمهرة بعد إعلان بدء تسلم المعسكرات والمؤسسات الحكومية من قوات المجلس الانتقالي لقوات درع الوطن، بدأ أعضاء مجلس الرئاسة الذين رفضوا قرارات الرئيس العليمي بالتوجه إلى الرياض لمناقشة وجهات نظرهم في لقاءات منفصلة مع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان.
وقال الصحفي والمحلل سامي حروبي "إن الحوار الجنوبي ضرورة حتمية، وكان لا بد من السعي إليه بالطرق السلمية منذ البداية، مؤكدًا أن المبادرة السعودية لقيت ترحيبًا واسعًا من مختلف المكونات السياسية الجنوبية، بما فيها قيادات الدولة".
وأضاف حرب -في تصريح تلفزيوني- "أن أمن السعودية خط أحمر، وأن القضية الجنوبية يجب أن ألا تُستغل للعبث بأمن المنطقة أو تحويلها إلى ورقة صراع إقليمي"، موضحًا "أن القضية الجنوبية ليست حكرًا على مكون واحد، بل تضم طيفًا واسعًا من المكونات السياسية والاجتماعية، ونجاح الحوار مرهون بمشاركة الجميع دون شروط مسبقة أو محاولات فرض الوصاية".
في المحصلة تبدو الرياض اليوم أكثر من مجرّد عاصمة تستضيف حوارًا سياسيًا، إنها بوابة حقيقية لإعادة ترتيب المشهد اليمني والعمل على ترسيخ مشروع استعادة وبناء الدولة اليمنية، وتقديم نموذج إقليمي يقوم على التوازن بين الحوار والحسم، ويعتبر استقرار اليمن جزء من الحفاظ على الأمن القومي السعودي الذي يرتبط بشريط حدودي كبير.
وبينما تتكاثر المخاطر وتتداخل الضغوط، يظل الرهان الحقيقي على توحيد الصف، وتوحيد السلاح تحت راية الدولة، بوصفه الطريق الأمثل نحو استعادة المؤسسات والدولة إلى العاصمة صنعاء وبناء يمن آمن ومستقر، ضمن محيط عربي يدرك أن استقرار اليمن جزء لا يتجزأ من استقرار المنط