إن محاربة الفساد لن تتم بمجرد إطلاق الشعارات والخطب والبيانات الرنانة.. وإنما من خلال عمل جاد ودؤوب هدفه المحوري هو إنشاء وتعزيز مؤسسات وآليات المساءلة والمحاسبة وتمكين النزاهة كطابع للعمل العام.. إن الحاكمية الرشيدة وإدارة التغيير، الشفافية والمساءلة والرقابة يأتي في وقت تتزايد فيه أهمية ترسيخ العمل المؤسسي وتطوير الأعمال الرقابية للحفاظ على المال العام وصيانته وفق أفضل ممارسات الرقابة المالية والمحاسبية والإدارية. وليعلم من لا يعلم أن الفساد ينتشر بشكل أكبر في الدول ذات الأنظمة المركزية، حيث يكون دور القطاع العام فيها كبيرا وتقل الرقابة عليه وعلى المسئولين الحكوميين، كما أن الفساد أيضا في الدول الصناعية أكبر منه في الدول النامية وأنها المصدر الرئيس له، ولكنه في البلدان المتقدمة خاضع للسيطرة والمساءلة بما يتوافر فيها من عدالة نسبية لتوزيع الثروة والقوة ومن مؤسسات رسمية وشعبية قوية تراقب وتساهم وتحاسب من يؤدي إلى اتساع دائرة الفساد لأن ذلك سيؤدي إلى عواقب وخيمة ومن ثم إعاقة البلدان الفقيرة عن تحقيق خطط التنمية الاقتصادية وعرقلة جهود الاستثمار فيها وشوهت سياسة السوق المفتوحة، وأساءت إلى الإصلاحات المعززة للديمقراطية وكادت في أحيان كثيرة أن تقوض الشرعية السياسية وهي عواقب تضاعف من معاناة المواطنين في هذه الدول، وتؤدي إلى زعزعة الاستقرار والأمن في شتى النواحي، أيضا نلاحظ أن غالبية الأجهزة الرقابية تسهم بشكل أو بآخر من خلال تحكيم المساءلة المالية العامة، وبالتالي خلق مناخ من الشفافية والحاكمية الرشيدة وتهدف غالبية الأجهزة إلى الوقاية من الفساد أكثر من السعي إلى الكشف عن الأنشطة غير المشروعة في ضوء التحديات التي واجهت مهنة التدقيق والمراقبة وبعد التزايد الملحوظ لتلك الظاهرة فقد امتد دور الأجهزة الرقابية إلى إيجاد إجراءات تدقيق في المخالفات المالية والإدارية ومراجعة فحص القرارات الصادرة بشأن المخالفات المالية في كافة الجهات الخاضعة للرقابة وإبداء الرأي بشأنها واتخاذ الإجراءات التأديبية والقانونية ضد المخالفين أو طلب اتخاذها من قبل الجهات التابعة لها، وهذا يتطلب اتخاذ المزيد من الخطوات لضمان التحسين المستمر في الكيفية التي يؤدي بها المراقبون والمسئولون دورهم في الكشف عن البيانات غير الصحيحة.. لذا نقول: إن الشفافية والمساءلة أهم مكونات الحكم الرشيد وهي الأساس في مكافحة الفساد، أضف إلى ذلك بأن زيادة الشفافية تساهم في زيادة درجة الثقة التي تمنحها الإدارة للموظفين والمراجعين للحصول على الخدمات التي يريدونها بسهولة ويسر.. كما أن من أهم متطلبات نجاح المساءلة والشفافية التركيز على تحسين وتطوير الكفاءات الإدارية من خلال التدريب ومراجعة طبيعة العمل ومنح الحوافز المشجعة للموظفين والاعتماد على تدوير الموظف بحيث لا يبقى فترة طويلة في مكان واحد ومراجعة التشريعات بشكل دوري، وتبسيط آليات العمل في المرفق ونشر الوعي حول النزاهة والشفافية في العمل العام وتحمل الموظفين للمسئولية وشفافية التشريعات والإجراءات وتقييم أداء العاملين والتعيين بحيادية ومسئولية.. لذا يمكننا القول إن عملية الإصلاح تحتاج إلى التدرج، والعدالة عنصر أصيل في ثقافتنا العربية والإسلامية. خلاصة القول: إن من يتحدثون عن الفساد ومحاربته وعن الإصلاح الشامل اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وفي كل نواحي الحياة وكل الأطراف منهمكة في هذه العملية، وكلنا نسمع جعجعة ولا نرى طحينا، حيث إن الطحين هو الذي يجب أن تتمخض عنه كل هذه الحركة، التي تريد أن تؤسس لعلاقة متجانسة بين مواقف الناس حتى تستقر الأمور بالاتجاه الذي يحفز الاقتصاد وينمي المجتمع ويساعد كل فئاته على العمل المنتج المفيد للجميع، كون الفرد والجماعة مستفيدين من هذه الأجواء التي نعيشها ونتجاوب معها وتؤثر علينا شئنا أم أبينا.. والله من وراء القصد.