أنْ تُنَصِّبَ أمريكا المُجرِمة الطاغية من نفسها وصيّةً على هذا العالم، والمتحكِّم بأمره ومصائر دوله وشعوبه، وأن ترى الملعونة ذاتها المتغطرسة بأنها صاحبة الحق المطلق والوحيد في تصريف شؤون الدول والبلدان والحكومات، وبأنها وحدها الآمِرُ الناهي، وآلهة هذا الكون، والقاهر فوق عباده، ولا ينبغي أو يجوز لأحد أن يُخالف أمرها ويُعارض إرادتها ومشيئتها، وإن مشيئتها من مشيئة الرب، وإلا حلّت عليه نقمتها وغضبها واستحق عذابها، فهذا لعمري ما يفوق كل الاحتمالات والتصورات، بل ويُخالف كل فطرة سليمة، ولا يمكن تقبّله والسكوت عليه والرضوخ له، والتسليم بمقتضياته بأي حالٍ من الأحوال. لأنه لا يحق لدولة أو قوة، ولا لأي مخلوقٍ كان في الكون، أن يُنازع الله في ملكه ويدّعي لنفسه الألوهية والربوبية في الأرض، ويُمارس دور الرب والخالق لهذا الوجود وما فيه. والذين يُعظّمون من شأن أمريكا ويعطونها حجمًا أكبر من حجمها، ويخافون من بطشها وسخطها لما تملكه من قوى وإمكانات ضخمة مادية، سواء كانت اقتصادية أو عسكرية، ليسوا سوى حُقراء وضعاف إيمان ونفوس، ولو نظروا مليًّا وتأمّلوا حقيقتها لوجدوها، برغم تفوقها العلمي والعسكري وتقدمها الصناعي وغناها وثراها ونفوذها واستكبارها، أضعف من قشّة، لكنهم لا يجرؤون أن ينظروا إليها كذلك، وليست لديهم الشجاعة الكافية لأن يروها على حقيقتها، طالما لديهم قناعات قوية ترسّخت سلفًا بأن أمريكا، كما تبدو بنظرهم، كبيرة وعظيمة، وهم مجرد أقزام صغار وعبيد وغلمان لها، وأصغر وأضعف من أن يواجهوها ويقفون في وجهها كندّ. علاوةً على ذلك، فهؤلاء هم أنفسهم من ضخّموا أمريكا ويعظّمونها ويؤلّهونها ويُسبّحون بحمدها آناء الليل وأطراف النهار، وهم ذاتهم من يُدينون لها بالولاء والطاعة، ولا يملكون الحق والحرية والجرأة لعصيانها والخروج عليها والكفر الصريح البواح بهذا الصنم المعبود من دون الله الذي يُسمّى (أمريكا). ولهذا وغيره من الأسباب تجد أمثال أولئك العبيد والأذناب الخانعين لأمريكا وللغرب وأذنابهم من عداد الجبناء في هذا العالم، سواءً كانوا دولًا أو شعوبًا أو أفرادًا، وجميعهم يعيشون حياة المهانة والمذلة، حيث تفرض عليهم أمريكا، كقوة مستكبرة ومتجبرة في الأرض، ما تريد، وتوجّههم كيفما تشاء، وهي ربهم الأعلى وهم لها خاضعون طائعون، وفي عينها من الصاغرين المهينين الذين لا وزن لهم ولا حجم ولا اعتبار، ولا هم يحزنون! بيد أن هناك، في المقابل، دولًا وحكومات وشعوبًا، وحتى جماعات وأفرادًا أحرارًا في هذا العالم لا يمكن أن يقبلوا بحياة المهانة ويرضوا بعيش الخنا، ولا يرى أحدٌ من هؤلاء الأحرار الأباة أمريكا عظيمة ولا كبيرة، ولا يهابونها، ومنهم من لهم ملاحم بطولية معروفة ومشهودة في محاربتها ومنازلتها في مواطن مشهورة، مرغوا فيها أنف أمريكا وكبرياءها في الوحل، وأذاقوها مرارة الذل والهزيمة، وأجبروا قواتها في معارك معهم على الفرار. ومن أمثلة ذلك ما حدث للولايات المتحدة هذه في فيتنام وأفغانستان ولبنان وغزة واليمن والصومال، وغيرها من البلدان، حيث لاقت القوات الأمريكية النخبوية التي تتفاخر بها واشنطن بأنها قوات لا تُهزم، لاقت في تلك البلدان وبال أمرها، وتجرّعت كؤوس الهزائم والمهانة على أيدي من تفوقهم عدّةً وعتادًا. ولا غرابة في أن تنكسر قوة عظمى كأمريكا في تلك المواطن والمعارك، رغم تفوقها على خصومها في كل شيء، فالمسألة هنا ليست مسألة تفوق عسكري وامتلاك قوات ردع استراتيجي، بل المسألة مسألة إرادات حرة وكرامة وثبات وعقيدة إيمانية وقتالية في مناجزة الباطل الذي تمثله أمريكا ومن معها بالنسبة لمن ثبتوا وسيثبتون دومًا في وجهها، ولا يخافون أن تنزل بهم النازلة الماحقة إن هم واجهوها وتصدّوا لها. ومما يتوجب أن يترسّخ في ذهن كل حر وشريف في هذا العالم، وفي أذهاننا كعرب ومسلمين بوجه خاص، إن أمريكا التي بدأت تاريخها بجرائم واستهلّت وجودها بآثام وفظائع لا تُحصى ضد الإنسانية، لا تزال هي ذاتها أمريكا الشيطان الأكبر في هذا العالم، وأم الإرهاب وأبوه وصاحبته وفصيلته التي تأويه، ومصدر كل شر وقلق لدول العالم. وقد أثبتت هذه الإمبراطورية الاستعمارية الملعونة للعالم أجمع أنها كانت ولا تزال عدوًا مبينًا للإنسانية التي تدّعي زورًا وبهتانًا احترام حقوق من ينتمون إليها عبر عقود وقرون من الزمان، وهي المنتهك الأول لحقوق الإنسان في أكثر من بلد ومكان على ظهر البسيطة. ومنذ مرحلة النشأة والتأسيس وحتى اللحظة، والولايات المتحدةالأمريكية تُمارس هوايتها المفضلة في غزو البلدان الضعيفة وشن الحروب عليها ونهب خيراتها وسرقة ثرواتها، وتواصل تدخلها الفج في شؤون الدول والشعوب وتفرض وصايتها عليها، وتؤكد للجميع مدى استكبارها وغطرستها ووحشيتها وتنمّرها وتفرعنها وطغيانها وبغيها على هذه الدولة أو تلك، والمضي قدمًا في القيام بأعمال الشر والإرهاب المنظم هنا وهناك بحجج واهية ومبررات ودعاوى باطلة، وترى أن من لم يكن معها فهو ضدها وعدوها، وتحل نقمتها وغضبها عليه، وتحشد من تحشده من الأعوان والمؤيدين لسياستها الاستعمارية لاستهدافه، وتُصنّفه ضمن الأشرار والإرهابيين. ولو رجعنا إلى سجل أمريكا الإجرامي وتاريخها الأسود، لوجدناه حافلًا ومليئًا بشتى أنواع الجرائم بحق الدول والشعوب والأفراد والجماعات التي تنتمي إلى هذا العالم وإنسانيته المعذبة بمثل هذه القوة الغاشمة. وآخر ما ارتكبته أمريكا من جرائم، إقدامها مع سبق الإصرار والترصّد على سرقة النفط الفنزويلي من عرض البحر عن طريق أعمال القرصنة والسرقة بالقوة لناقلات نفط فنزويلية ومصادرتها، ثم العدوان المباغت جوًّا وبحرًا وبرًّا على دولة فنزويلا واختطاف رئيسها وزوجته من غرفة نومهما في العاصمة كاراكس فجر 3 يناير الجاري، ونقلهما إلى نيويورك، وتقديمهما للمحاكمة بتهمة الاتجار بالمخدرات، وبهذا جعلت أمريكا من نفسها قاضيًا وخصمًا في نفس الوقت، وتجاوزت بفعلتها الشنيعة هذه بالاعتداء على دولة مستقلة ذات سيادة الأممالمتحدة وما يُسمّى بالشرعية والقانون الدوليين، وهذا هو دأب المستكبرين وديدنهم على الدوام، وما فعلته أمريكا لا يخرج عن هذا الإطار أو السياق!.