من المسلم به أن الأنظمة العربية الثرية ساهمت بشكل كبير في جعل رئيس عصابة البيت الأبيض ترمب يتحول إلى أن يكون فرعون هذا العصر، فزاد طمعه ليمتد إلى دول أخرى لابتزازها. ولذلك فإن ما يقوم به دونالد ترمب من انتهاك وتحدٍّ للقانون الدولي، وتهديده بغزو شعوب وخطف رؤسائها كما فعل مع مادورو رئيس فنزويلا بهدف احتلالها والاستيلاء على ثرواتها وخيراتها، إضافة إلى تهديده علنًا بأن أمريكا هي الأقوى ولن تستطيع أية قوة الوقوف في وجهها، وأنه لا يحتاج للقانون الدولي، مشيرًا إلى أن الوجود الأمريكي الحالي في القطب الشمالي غير كافٍ، وأن حاجته لغرينلاند الدنماركية حسب زعمه تأتي من أجل فرض سيطرة أكبر على المنطقة؛ كل ذلك قد جعل العالم يعود إلى تذكر حقبة الاتحاد السوفيتي السابق ومعسكره الاشتراكي، الذي كان يشكل توازنًا في السياسة الدولية ومنافسًا قويًا للولايات المتحدةالأمريكية ومعسكرها الرأسمالي، وكيف كانت مرحلة الاستقرار النسبي التي سادت العالم لأكثر من نصف قرن. فقد كانت الدول الضعيفة والصغيرة قوية ومستفيدة من المعسكرين الغربي والشرقي من خلال التنافس على كسب ودها، وأي اعتداء على أية دولة يحدث من خارج إطار المعسكرين كان المعسكر المعتدي يواجه مقاومة من قبل الدولة المعتدى عليها بدعم من المعسكر المنافس، وذلك بعكس ما يحدث حاليًا، عندما شكّل انفراد أمريكا بقيادة العالم بعد غياب وانهيار الاتحاد السوفيتي السابق وانشغال وريثته روسيا الاتحادية بمشاكلها قلقًا لكل المجتمع الدولي، خصوصًا إذا صادف الرئيس الأمريكي المنتخب، سواء كان ديمقراطيًا أم جمهوريًا، أنه متهور ومغرور مثل ترمب، الذي ضرب بكل الأخلاقيات عرض الحائط، ولم يعمل اعتبارًا حتى للداخل الأمريكي نفسه، متجاوزًا الأنظمة والقوانين التي تحكم أمريكا، وتجبر أي رئيس أمريكي على الرجوع إليها عندما يتطلب الأمر اتخاذ خطوات خطيرة قد تدخل الولاياتالمتحدةالأمريكية في مستنقع يصعب الخروج منه، ولها تجارب في هذا الجانب سابقًا. ولكن من العجيب أن الشعب الأمريكي غير مبالٍ ولم يكترث لما تسببه قيادته من كوارث للشعوب الأخرى، وهذا يؤكد ما حدثني به أحد الأصدقاء العرب عن الشعب الأمريكي بقوله: من مخالطتي للأمريكان وجدت أنهم على جهل كبير بالتاريخ والجغرافيا، وقد بُرمجت عقولهم لتصديق كل ما يقوله إعلامهم، كما أن بعض رؤسائهم صدرت منهم شطحات وفلتات تدل على قلة ثقافتهم وصغر عقولهم وفساد نفوسهم، وأن الحاكم الحقيقي في الإمبراطورية الأمريكية هو شركات السلاح والنفط والرأسمال الربوي، عن طريق مافيا المخابرات المركزية ونخب عسكرية فاشية وعنصرية متهمة باغتيال الكثير من قادة رأي وساسة خرجوا على الخطوط الحمر المرسومة. في هذا السياق، حول حقبة الاتحاد السوفيتي، أتذكر واقعة أوردها القائد الاشتراكي سالم صالح محمد عضو مجلس الرئاسة عقب إعادة تحقيق الوحدة اليمنية أثناء مشاركته في ندوة نظمتها صحيفة 26 سبتمبر بدائرة التوجيه المعنوي للقوات المسلحة، حيث قال إن الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين دعا زعماء العالمين العربي والإسلامي الذين حضروا القمة الإسلامية في المغرب عام 1974م لحضور احتفال الجزائر بيومها الوطني، وتعمد أن يكون مقعد الرئيس اليمني الجنوبي آنذاك سالم ربيع علي بجانب مقعد الملك السعودي فيصل بن عبدالعزيز، عله يحدث تقارب بينهما لإقامة علاقات دبلوماسية بين عدنوالرياض. وأثناء الحديث بين الزعيمين قال الملك فيصل، الذي كان له موقف متشدد من الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي بشكل عام، للرئيس سالم ربيع: يا سالم، نحن لا نطلب منكم في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية أن تقطعوا علاقتكم بالاتحاد السوفيتي، فوجوده لينافس أمريكا رحمة للدول الضعيفة والصغيرة، ومن حقكم وحقها أن تستفيدوا من هذا التنافس بين المعسكرين الغربي والشرقي، ولكن ما نطلبه منكم كشرط لإقامة علاقات بين الرياضوعدن هو أن تحذفوا كلمة العدو التاريخي التي تقصدوننا في السعودية بها من المناهج الدراسية، لأن بقاءها ينشئ جيلًا جديدًا حاقدًا علينا ويصدق أن السعودية هي العدو لليمن. وكان هذا اللقاء بين فيصل وربيع على هامش احتفالات الجزائر بيومها الوطني قد شكّل فاتحة للتواصل بين عدنوالرياض، تُوِّجت بزيارة سالم ربيع علي للسعودية عام 1976م، واستقبله في المطار الملك خالد بن عبدالعزيز الذي خلف الملك فيصل عقب مقتله، وتمت إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين. لكن لأن الجناح المتشدد في الحزب الاشتراكي اليمني كان مصرًا على أن السعودية ستظل العدو التاريخي لليمن، وهي نظرة لم تأتِ من فراغ، فقد أثبتت الأيام والأحداث صحتها، بدليل ما يحدث من عدوان بربري وفرض حصار جائر على اليمن تقوده السعودية مضى عليه أكثر من عشرة أعوام، كما أن قصف الطيران السعودي على حضرموت والضالع مؤخرًا يزيد من تأكيد حقيقة عداوة السعودية لليمن شماله وجنوبه، وللوحدة اليمنية بشكل أكبر، برغم أن القيادات الجنوبية، وخاصة تلك المتطرفة ضد السعودية، قد غيرت وجهتها وارتمت جميعها في الحضن السعودي والإماراتي، ولم يشفع لها ذلك للتعامل معها كشخصيات مسؤولة تمثل دولة وبلدًا جارًا له حقوق وعليه واجبات، وإنما يُنظر إليهم كعملاء ومرتزقة تُدفع قيمة مواقفهم سلفًا، ثم يتم رميهم إلى سلة المهملات، وما حدث للعميل عيدروس الزبيدي أنموذجًا، الذي كان يهدد نيابة عن تحالف العدوان باجتياح صنعاء، ولكنه لم يطل لا بلح الشام ولا عنب اليمن، فانتهت مهمته التي أوكلت إليه بتوجيه له تهمة الخيانة العظمى، وصار مصيره مجهولًا. وعليه، فإن القوى التي لم تعتبر من دروس ما يحدث وكيف يتم التعامل مع العملاء من قبل أعداء اليمن ستظل أكثر المعرقلين في الوصول إلى حلول لمشاكلنا وقضايانا الشائكة، وتعمل على تعقيدها رغبة منها في استمرار العدوان على اليمن، بل إننا نشهد تصعيدًا مخيفًا من قبل تحالف العدوان، وكأن حربهم على اليمن التي مضى عليها أكثر من عشرة أعوام ما زالت في بدايتها، وإذا لم تغيّر هذه القوى من مواقفها ونهجها المتمثل في استعانتها بالخارج ضد وطنها، فإن الفشل سيظل حليفها الدائم، ولن تخرج من النفق المظلم الذي اختارته للسير فيه.