في قلب تهامة الخير والعطاء، ومن بين ثنايا الأرض اليمنية التي وصفها الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه ب "بلدة طيبة ورب غفور"، سطرت ملحمة زراعية جديدة تعيد صياغة مستقبل الاقتصاد الوطني. لم تعد زراعة فول الصويا مجرد حلم بعيد أو تجربة محفوفة بالمخاطر، بل أصبحت واقعا ملموسا يبرهن على أن الأرض اليمنية تمتلك من الخصوبة ما يؤهلها لتكون سلة غذاء المنطقة، متجاوزة بذلك كل الدعايات المثبطة التي كانت تروج لعدم صلاحية تربتنا لهذا المحصول الاستراتيجي. وتكتسب تجربة زراعة الصويا في تهامة على وجه الخصوص أهمية قصوى في معركة الأمن الغذائي، كونه ركيزة أساسية لا غنى عنها في غذاء الإنسان وكعلف حيواني عالي القيمة بفضل محتواه البروتيني المرتفع، إضافة إلى ذلك، فإن التوجه مؤخرا نحو توطين زراعته يمثل خطوة استراتيجية لتحقيق الاكتفاء الذاتي والتحرر من تبعات الارتهان للخارج، وهو ما يجسد ترجمة عملية لمشروع الرئيس الشهيد صالح الصماد "يد تحمي ويد تبني"، الذي جعل من النهوض بالقطاع الزراعي ركيزة للسيادة الوطنية وبناء الدولة القوية. تقرير: محمد العلوي طموح وإنجاز نوعي لذلك، فإن النجاح الكبير الذي حققته زراعة الصويا في منطقة التربة بمديرية باجل، سيسهم بشكل مباشر في التقليل من فاتورة الاستيراد التي تستنزف العشرات من ملايين الدولارات سنويا، أي أن المرحلة المقبلة ستتوقف تدريجيا عن الاعتماد الكلي على الاستيراد للأعلاف والزيوت، من خلال تحويل هذه العملة الصعبة إلى الداخل لدعم المزارع اليمني، بما يؤدي إلى تحقيق نصر حقيقي في الجبهة الزراعية التي تمثل الوجه الآخر للجبهة العسكرية. ويقف خلف هذا الإنجاز الزراعي النوعي، طموح ووعي المزارع "عبدالمجيد الجرادي"، الذي نجح في مزارع منطقة التربة، واقتحام هذا المجال لأول مرة في اليمن، حيث بدأت الحكاية بتجربة ناجحة خلال الموسم الماضي بإنتاج 3 أطنان فقط، وبعد ذلك عمل الجرادي على تحويلها لمكاثرة البذور لينتج في الموسم التالي 80 طنا، وتوسعت مزرعة الجرادي خلال الموسم الراهن لتصل المساحة إلى 2250 معاد أي ما يعادل 9.9 كم2، موزعة على 12 مجموعة إنتاجية تضم كل منها ما بين 30 إلى 50 مزارعا يديرهم المُيسر، في تكاتف يعكس وعي وهمة المزارع اليمني. وأكد الجرادي، في تصريح ل"اليمن"، أن موسم زراعة الصويا مستمر طيلة العام دون توقف، مفندا الشائعات التي كانت تحاول إحباط المزارعين، بينما أثبت الإنتاج في تهامة وصنعاء جودة عالية جدا، مشيرا إلى أن الصويا محصول متعدد الاستخدامات في الزيوت والحليب والأعلاف. وأشاد بالتجربة الزراعية التي تعتمد على أسلوب المجاميع الإنتاجية باعتبارها السبيل الوحيد للنهوض بالقطاع الزراعي، ولهذا السبب تم توقيع عقد عبر الجمعية التعاونية لشراء الكيلو بمبلغ 1600 ريال وفق مبدأ الزراعة التعاقدية. معركة الانتصار الزراعي وعن تفاصيل زراعة الصويا، أفاد الجرادي بأن المحصول يستغرق في تهامة 3 أشهر و10 أيام، بينما في صنعاء والمناطق الباردة يحتاج من 4 إلى 5 أشهر، وتتطلب زراعته حِراثة عميقة وتسوية للأرض، مع مراعاة مسافات ري دقيقة ومسافة 10-15 سم بين البذرات، مشددا على أهمية استخدام السماد الأبيض "يوريا" والمبيدات الفطرية في الري الأول لضمان استدامة الإنتاج، مبينا أن طول شجرة الصويا بين 60 سم إلى 1.8 متر. ورغم ذلك، فإن هذا النجاح الباهر في زرعة الصويا يضعنا أمام مسؤولية وطنية كبرى بضرورة التوجه الجاد نحو التوسع الزراعي الشامل، ومع ذلك فإن المعركة اليوم هي معركة بقاء، والانتصار فيها يبدأ من الحقل وصولا إلى المستهلك، وفق سلاسل القيمة، الذي يسهم الاتحاد التعاوني الزراعي والسمكي بدورا محوريا في دعم الإنتاج المحلي، وتشبيك الجهود الرسمية والشعبية لتحويل اليمن إلى بلد مكتفي ذاتيا تنفيذا لتوجيهات قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي، يحفظه الله. استراتيجية الاتحاد والجمعيات من جهة ثانية، أكد الأمين العام للاتحاد التعاوني الزراعي، المهندس محمد مطهر القحوم، أن النجاح المبهر الذي حققه المزارع، عبدالمجيد الجرادي في زراعة فول الصويا بمنطقة التربة في مديرية باجل، ليس مجرد قصة نجاح فردية، بل هو إنجاز وطني يضع حجر الأساس لتقليص فاتورة الاستيراد المثقلة التي تتجاوز 200 مليون دولار سنويا معلنا بذلك فجرا جديدا على طريق السيادة والاكتفاء الذاتي. وأوضح القحوم، أن هذه الإنجاز لم يقف عند حدود مزرعة الجرادي، بل امتد أثره كشرارة أمل أوقدت الحماس في نفوس المزارعين الذين تسابقوا لتحويل مساحات شاسعة من الأرض إلى حقول خضراء تنبض بالحياة، مستلهمين تجربته ومستفيدين من بذوره لتحقيق معدلات إنتاجية استثنائية تعيد لليمن اعتباره الزراعي. وأشار إلى أن رؤية واستراتيجية الاتحاد والجمعيات التعاونية الزراعية وفق التوسع الرأسي من خلال تشكيل المجاميع الإنتاجية، محولة العمل الفردي إلى منظومة وطنية متكاملة تهدف إلى تحصين لقمة عيش اليمنيين بعرق جبينهم ومن خيرات أرضهم المعطاءة. وخلال تكريم المزارع الجرادي من قبل الاتحاد التعاوني الزراعي، والسلطة المحلية والجمعية التعاونية الزراعية بمديرية باجل، بدرع العمل التعاوني، تقديرا وعرفانا لجهوده الزراعية كأول مزارع يخوض تجربة زراعة محصول فول الصويا، والتوسع في زراعته بمساحات كبيرة، أشار القحوم إلى أن زراعة محصول الصويا كان له أثر كبير لدى بقية المزارعين الذين بادروا بزراعة المحصول في مساحات كبيرة، بمعدلات إنتاجية عالية من خلال التوسع الرأسي الذي ترعاه جمعية مديرية باجل التعاونية بتشكيل المجاميع الإنتاجية. ختاما.. ما ينبغي في هذه الفترة بالذات هو استشعار المسؤولية من قبل القائمين على الجمعيات التعاونية كضرورة ملحة لاستنهاض الهمم، وتشكيل المجاميع الإنتاجية التي تضمن استمرارية العطاء ووفرة الإنتاج بأقل تكلفة ممكنة.