لا يمكن فهم الأحداث الجارية في المنطقة اليوم بمعزل عن الأحداث التي جرت قبلها من استعمار غربي للمنطقة، وحروب كبرى ضد أمتنا، وعمليات عسكرية عدوانية استهدفت أحرار الأمة وقادتها ورموزها، كل ذلك في سياق واحد هو سياق العداوة لأمتنا. وبالتالي، فإن سلسلة الأحداث المتسارعة في منطقتنا ليست أحداثًا عابرة، ولا مشاكل منفصلة، وخلافات طارئة تنشب عنها مشاكل آنية تنتهي بمجرد انقضاء لحظتها. كما إن القراءة المتفحصة لطبيعة الصراع تكشف عن «مخطط استراتيجي» طويل الأمد تتبناه قوى الهيمنة والاستكبار، وتسعى في كل مرحلة إلى تنفيذ خطوات تراكمية تهدف في جوهرها إلى إعادة تشكيل واقع الأمة العربية والإسلامية، وتلعب الظروف الراهنة من الوهن والتخاذل والضياع العربي عاملًا كبيرًا في تشجيع العدو للمضي قدمًا في مخططه الإجرامي. وأخطر ما يواجهنا ليس فقط في حجم المؤامرات المتلاحقة، بل في تعامل قطاعات واسعة من النخب والجماهير مع هذه الأحداث بوصفها «أزمات عابرة»، وتخص فئات ونطاقات محدودة من أبناء الأمة، وهو تصور قاصر يغفل عن حقيقة أن الأعداء ماضون في مشروع الاستهداف الشامل لأمتنا دون توقف. ومما يجعل الأمة تغط في الغفلة والسهو والسبات اعتماد العدو على سياسة «التدجين» كأداة محورية لا تقل خطورة عن العمل العسكري المباشر. فالعدو الحريص على تفادي أي ردة فعل واعية داخل الأمة، ومن خلال تلك السياسة، يستهدف شلَّ إرادة الأمة وتحويلها إلى كيان جامد، غافل، وبيئة مفتوحة غير محصنة، ليحول ذلك دون قيام مشروع مستمر يواجه مشروعهم المستمر؛ مشروع يمتلك الوعي الذي يواجه تضليلهم، ويمتلك الرؤية التي تواجه إغواءهم، ويمتلك البعد الحضاري الذي يسخر ثرواته وممتلكاته المادية ليواجه مشاريعهم الهدامة، ويمتلك عوامل القوة المعنوية التي تمكن الأحرار من التغلب على كل الآلام والمصاعب التي سيضعها الأعداء في طريقهم. ولذلك يقول السيد القائد، يحفظه الله: (الأمة بحاجة إلى أن تتحرك ضمن مشروع يعالج وضعيتها وظروفها، يصحح واقعها، يبنيها لتكون في مستوى مواجهة التحديات والأعداء والمخاطر، وهذا هو ما ركز عليه شهيد القرآن «رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ» في المشروع القرآني الذي قدمه للأمة، مشروعًا متكاملًا، يبني الأمة، يصحح وضعيتها، يعالج مشكلتها، يبنيها على مستوى كل المجالات). ولذلك، فإن مسؤوليتنا اليوم كأتباع للمشروع القرآني هي أن ندرك عالمية المشروع القرآني، وأن نتعامل مع مجريات الأحداث انطلاقًا من ثقافتنا القرآنية الجامعة، لا سيما والعدو اليوم يسعى إلى تأطير الساحات وعزل المسلمين عن نصرة بعضهم ليستفرد بكل ساحة على حدة، ويهجم عليها في الزمان والمكان المحددين حسب توقيته، وهذا ما أفشلته وأسقطته معادلة «وحدة الساحات» التي أرساها محور الجهاد والمقاومة خلال الجولة المنصرمة، مستندًا إلى استراتيجية البنيان المرصوص. واليوم، حيث تتزامن هذه الأحداث مع الذكرى السنوية للصرخة في وجه المستكبرين، نزداد وعيًا وإدراكًا لأهمية المشروع وعنوانه المتمثل بالصرخة في وجه المستكبرين، ونتأمل كيف عمل هذا المشروع على تنفيذ خطوات استباقية أفشلت مساعي الأعداء في اليمن، وفضحت أساليب التدجين والاختراق، وينسف الحرب الإعلامية والترهيب والهزيمة النفسية بتعبئة شعبية عارمة قيدت الساحة أمام العملاء والخونة، وأوصدت الباب أمام مؤامرات العدو الجبان، ليصبح شعبنا اليمني في صدارة الموقف الإسلامي، يحمل مشروع الحرية في مواجهة مشروع الاستباحة، واثقًا بربه الأكبر، ومستحقرًا لكل من طغى وتكبر، يلعن اليهود اللئام، ويهتف بالنصر للإسلام. *مدير عام شرطة حراسة المنشآت وحماية الشخصيات