مقدمة: شبوة.. ثروة منهوبة تحت ركام الفساد تتربع محافظة شبوة على واحدة من أغنى الخزانات النفطية والغازية في اليمن. فهي المنتج الثاني للنفط في البلاد بعد حضرموت بمعدل إنتاج يصل إلى 60 ألف برميل يومياً، والأولى من حيث احتياطي الغاز المؤكد، فضلاً عن احتوائها على موانئ استراتيجية وشبكة أنابيب حيوية. ولكن منذ عقود، تحولت هذه الثروة الهائلة من رافعة للتنمية إلى بؤرة للصراع والفساد، حيث تستحوذ عليها شبكات نفوذ قبلية وعسكرية وسياسية بالتحالف مع شركات أجنبية غامضة. في قلب هذه الشبكة المعقدة، تبرز شركة "ذكوان للخدمات النفطية والمعدنية المحدودة" بوصفها القاسم المشترك والأكثر نفوذاً في حقول النفط والغاز بشبوة ومأرب وحضرموت. تقف خلف هذه الشركة، التي توصف ب"ذراع الفساد الاقتصادي" في اليمن، شخصيات محورية مثل الشيخ محسن علي محسن الأحمر (نجل الجنرال علي محسن الأحمر) والنائب السابق أحمد إسماعيل أبو حورية، لتشكلا معاً تحالفاً يجمع بين النفوذ العسكري والقبلي والسياسي لاحتكار هذا القطاع الحيوي. سيركز هذا المقال على تفكيك آليات هذا الاحتكار من خلال التركيز على شركة "ذكوان" وعلاقتها بشركة "أويل سيرش" (Oil Search) الأسترالية، وكيف شكل هذا التحالف نموذجاً للعبث المنظم بالثروات النفطية والغازية في شبوة، مستغلاً غياب الشفافية والقانون. القسم الأول: شركة "ذكوان".. الوكيل الإلزامي للفساد 1.1 تأسيس الشركة وهيكل ملكيتها: تحالف السلطة والمال والقبيلة ليست "ذكوان" مجرد شركة خدمات نفطية عادية، بل هي تجسيد مؤسسي لتحالف السلطة والمال في اليمن. فهي مملوكة للشيخ محسن علي محسن الأحمر، النجل الأكبر للواء علي محسن صالح الأحمر، الرجل الذي يوصف بأنه "النافذ الأكثر فساداً ونشاطاً في هذا المجال". ويكتمل هذا التحالف بالشريك أحمد إسماعيل أبو حورية، القيادي القبلي والعسكري البارز، والذي يضفي على الشركة غطاءً قبلياً واسعاً وعلاقات متشعبة داخل مراكز صنع القرار. هذا الهيكل الفريد للملكية منح "ذكوان" نفوذاً لا يُضاهى في قطاع الطاقة، حيث أصبحت وكيلاً حصرياً لعدد من أكبر الشركات النفطية العالمية العاملة في اليمن، بما في ذلك شركة "أويل سيرش" الأسترالية، وشركة "بي جي بي" (BGP) الصينية، وشركة "سنوبيك" (Sinopec) الصينية. 1.2 نموذج الوكالة الإلزامية: شهادة "وول ستريت جورنال" كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" (Wall Street Journal) في تقرير استقصائي عام 2010 عن الطبيعة الاحتكارية لدور شركة "ذكوان". فقد أكد التقرير أن المدراء التنفيذيين لشركات النفط والغاز الأجنبية العاملة في اليمن "يدّعون أنه من المستحيل استيراد المعدات إلى اليمن إلا باستخدام شركة ذكوان كوكيل". والأكثر دلالة على النفوذ المطلق للشركة هو ما حدث مع شركة "شلمبرجير" (Schlumberger) العالمية، التي عندما حاولت إنهاء ترتيبها مع "ذكوان" وجدت أنه "أصبح من المستحيل عليها استيراد معدات إلى اليمن". هذا الحادث يوضح أن "ذكوان" ليست مجرد مقدم خدمات، بل هي حارس بوابة إلزامي يفرض إتاواته على كل من يرغب في العمل في القطاع النفطي اليمني. بل إن وزارة العدل الأمريكية كانت قد فتحت تحقيقاً مع شركة شلمبرجير بتهم فساد تتعلق بأعمالها في اليمن، والتي كانت "ذكوان" طرفاً فيها كوكيل محلي. 1.3 ذكوان كوكيل وحليف استراتيجي ل"أويل سيرش" كانت شركة "أويل سيرش" الأسترالية إحدى أبرز الشركات التي اعتمدت على "ذكوان" كوكيل لها في اليمن. وقد تطورت العلاقة بينهما من مجرد وكالة تجارية إلى تحالف استراتيجي أعمق، حيث تؤكد مصادر أن شركة "ذكوان" كانت "متشاركة مع شركة (أويل سيرش) النفطية (الاسترالية) في اليمن". وبموجب هذه الشراكة، لم تكن "ذكوان" تقتصر على تقديم الخدمات اللوجستية، بل كانت تحصل أيضاً على نسبة من الإنتاج النفطي، مما جعلها شريكاً مباشراً في عمليات الاستكشاف والتنقيب. القسم الثاني: أويل سيرش في شبوة.. قصة تلاعب واستغلال 2.1 تعديل الاتفاقية: من استكشاف النفط إلى استغلال الغاز في مرحلة حاسمة من عملها، سعت شركة "أويل سيرش" إلى تعديل جذري لاتفاقية الاستكشاف المبرمة مع الحكومة اليمنية. ففي لقاء جمع مدير الشركة موري روش مع وزير النفط والمعادن آنذاك هشام شرف، طالبت الشركة بتعديل الاتفاقية "أسوة بالاتفاقيات التي أقرها مجلس النواب للشركات خلال السنوات الأخيرة"، وتحديداً فيما يتعلق باستغلال الغاز المصاحب. وقد أشار مدير الشركة صراحة إلى أن الشركة "لا تستطيع مواصلة عملها بالشكل المطلوب ما لم يكن هناك تعديل للاتفاقية". هذا المطلب لم يكن مجرد طلب فني، بل كان تحولاً استراتيجياً يهدف إلى تغيير طبيعة العقد من التركيز على النفط إلى استغلال الغاز، وهو ما كان سيحقق أرباحاً هائلة للشركة ولوكيلها "ذكوان"، لكنه كان سيتم على حساب حقوق الدولة اليمنية في موردها الطبيعي الأهم. 2.2 منصة إنتاج غاز الطبخ: الهدف الخفي للتصدير الهدف النهائي من هذا التعديل كان أبعد من مجرد إنتاج الغاز، بل كان إنشاء منصة متكاملة لإنتاج غاز الطبخ المنزلي (LPG) تمهيداً لتصديره إلى دول القرن الإفريقي. وقد كشفت تحقيقات صحفية أن هناك مساعي حثيثة لتغيير اتفاقية الاستكشاف في أحد قطاعات شبوة إلى اتفاقية لإنشاء منصة إنتاج غاز منزلي. هذا التحول كان سيمنح تحالف "ذكوان-أويل سيرش" سيطرة كاملة على سلسلة قيمة متكاملة، من الاستخراج إلى التسويق، محققاً أرباحاً طائلة على حساب احتياجات السوق المحلي الذي يعاني من أزمة خانقة في غاز الطبخ. 2.3 الأطراف المستفيدة من التعديل كان المستفيدون الرئيسيون من هذا التعديل هم: . شركة ذكوان: باعتبارها الوكيل المحلي والشريك، كانت ستحصل على حصة من الإنتاج وعقود خدمات طويلة الأجل. . محسن علي محسن الأحمر وشبكته: تعزيز سيطرتهم على القطاع النفطي في شبوة. . أحمد إسماعيل أبو حورية: تأمين النفوذ القبلي لضمان استمرار العمليات. . شبكات التهريب: تحويل تجارة الغاز غير المشروعة إلى تجارة رسمية عبر المنصة الجديدة. القسم الثالث: غياب الشفافية وانهيار القانون في قطاع شبوة 3.1 الالتفاف على السلطة التشريعية يمثل مطلب "أويل سيرش" و"ذكوان" بتعديل الاتفاقية محاولة للالتفاف على السلطة التشريعية. فالدستور اليمني وقانون الاستثمار النفطي يلزمان بعرض أي تعديل جوهري على اتفاقيات الاستكشاف والإنتاج على مجلس النواب للمصادقة عليه. وقد أقرت الحكومة اليمنية نفسها - على لسان وزير النفط - بأن أي تعديل لا بد أن يمر عبر مجلس النواب. ومع ذلك، فإن محاولات تغيير طبيعة الاتفاقية لتحويلها من استكشاف نفطي إلى إنتاج غازي تمت بعيداً عن أعين البرلمان والرقابة الشعبية. 3.2 غياب الرقابة وبيئة الفساد الخصبة يرتبط تفشي الفساد في قطاع شبوة ارتباطاً وثيقاً بحالة "اللادولة" التي خلقتها الحرب والانقسام السياسي. فقد أوجد هذا الوضع "شبكات فساد تسيدها نافذون من قادة وشيوخ القبائل الموالية للنظام السابق بالإضافة لبعض الشركاء من الجنوب تحت أسماء وشركات معظمها وهمية". ويؤكد خبراء أن قطاع النفط في شبوة يعاني من "كمية كبيرة من الفساد والإهمال والعزلة الدولية"، وأن "الشركات النفطية الدولية وجدت في شبوة بيئة خصبة للاستكشافات النفطية والغازية قليلة التكلفة، حيث لا رقابة حقيقية على أنشطة هذه الشركات وطرق عملها". 3.3 التعتيم الإعلامي وصمت المجتمع الدولي لم تحظَ قضية "ذكوان-أويل سيرش" بالتغطية الإعلامية الكافية، مما يشير إلى وجود تعتيم إعلامي متعمد على هذه القضية الحساسة. كما أن المجتمع الدولي، الذي يحرص على مكافحة الفساد في الدول النامية، لم يبدِ اهتماماً كافياً بفضح هذه الممارسات، مما شجع على استمرارها. خاتمة وتوصيات تكشف دراسة حالة شركة "ذكوان" وعلاقتها بشركة "أويل سيرش" عن نموذج متكامل لآليات نهب الثروات الطبيعية في اليمن. إنه تحالف عضوي بين النفوذ العسكري (محسن الأحمر)، والنفوذ القبلي (أبو حورية)، ورأس المال الأجنبي (أويل سيرش)، يعمل جميعاً في بيئة تفتقر إلى أبسط قواعد الشفافية وسيادة القانون. لمواجهة هذا العبث، تقترح هذه الدراسة التوصيات التالية: 1. مطالبة مجلس النواب اليمني باستدعاء جميع الاتفاقيات والتعديلات المبرمة مع شركة "أويل سيرش" والشركات الخلف لها في قطاعات شبوة، للتحقيق في مدى قانونيتها وموافقتها للدستور. 2. دعوة منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام الاستقصائية إلى تكثيف جهودها لكشف ملابسات هذه القضية أمام الرأي العام المحلي والدولي. 3. مطالبة الجهات الرقابية الدولية، مثل مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية (EITI)، بالتحقيق في مدى التزام اليمن بمعايير الشفافية في إدارة موارده النفطية والغازية. 4. حث الحكومة اليمنية على إعادة النظر في منظومة "الوكالات الإلزامية" التي تمنح شركات بعينها احتكاراً لخدمات القطاع النفطي، وفتح المجال للمنافسة العادلة. إن استمرار هذا النهج من النهب المنظم لن يؤدي إلا إلى مزيد من إفقار اليمن وشعبه، وتعميق أزماته، وإطالة أمد الصراع على موارده.