نظام السوق والمسؤولية الجماعية في قبيلة ذو محمد تظهر القواعد التي أقرتها قبيلة ذو محمد لتنظيم سوق آل عنان نموذجاً متقدماً من أنظمة الضبط الاجتماعي في المجتمعات القبلية، حيث تتداخل مفاهيم الشرف والضمان والمسؤولية الجماعية لضمان الأمن وتحقيق العدالة، ولم تكن هذه القواعد مجرد أعراف متفرقة، بل شكلت منظومة قانونية متكاملة أُضيفت إليها بنود جديدة مع الزمن لتعزيز الاستقرار داخل السوق ومحيطه. أحد أهم هذه المبادئ يتمثل في حماية الغرباء الذين يفدون إلى السوق، فالقبائل الخارجية التي تدخل أراضي ذو محمد تتمتع بضمان أمني واضح، فإذا ارتكب أحد هؤلاء الغرباء مخالفة داخل حدود القبيلة، سواء في السوق نفسه أو على الطرق المؤدية إليه، فإن المسؤولية الأولى تقع على عاتق ضامني القبيلة، وهؤلاء يلتزمون بتعويض المتضرر فوراً في إطار ما يُعرف ب"التجبير"، وهو تعويض يُدفع حفظاً للشرف وضماناً لعدم ضياع الحقوق، وبعد ذلك يتولى الضامنون ملاحقة الجاني وقبيلته لاسترداد ما دفعوه. ولا تقتصر القواعد على الغرباء فقط، بل تشمل أيضاً أبناء القبيلة والقبائل المجاورة، فإذا اتُهم أحد بالسرقة في سوق آل عنان أو في الطرق المؤدية إليه، فإن القضية تُعرض على الحكم، وقد تُستخدم وسائل تقليدية مثل المبشعة للكشف عن الحقيقة، وهذه الممارسة التي تعتمد على نوع من العرافة أو الاستدلال الرمزي كانت تُستخدم لتحديد الجاني أو استرجاع المسروقات دون أن تكون بالضرورة مصحوبة بالاختبارات القاسية التي عُرفت في مناطق أخرى. وفي حال ثبوت التهمة تكون العقوبات شديدة وواضحة، فالجاني من قبيلة ذو محمد يُحرم من حماية قبيلته، ويُقطع عنه دعم أقاربه حتى إخوته من جهة الأب، بل إن القبيلة بأكملها تتكاتف ضده لإجباره على دفع التعويض، وإذا تخلّف أحد عن اتخاذ موقف ضده أو تأخر في تنفيذ العقوبة فإنه يُعد شريكاً في الجرم ويُعاقب اجتماعياً، حيث يُلام ويُنبذ وتُسحب منه بعض حقوقه داخل الجماعة. ويبرز في هذا النظام مبدأ صارم، وهو منع التدخل لصالح الجاني، فلا يُسمح لأي فرد مهما كانت صلته به أن يقف في وجه الضامنين أو يحول دون تنفيذ الحكم، ويُعد هذا التدخل إهانة ليس فقط للضامنين بل للقبيلة بأسرها، مما يعكس أولوية العدالة الجماعية على العلاقات الشخصية. أما من حيث العقوبات المالية فقد حُددت القواعد بدقة مقدار التعويض، فإذا وقعت السرقة داخل بلدة آل عنان وثبتت على أحد من ذو محمد فإنه يُلزم برد المسروق أربعة أضعاف، وإذا حدثت الجريمة على الطرق المؤدية إلى السوق فإن المسؤولية لا تقع على الفرد وحده بل تشمل الجماعة بأكملها، بما في ذلك القبيلة وأفرادها المقيمون تحت حمايتها من الفئات الأضعف، ويتولى أهل الشهر — وهم جماعة تتناوب مسؤولية الإشراف — متابعة تنفيذ هذه الالتزامات. ومن المفاهيم الأساسية في هذا النظام مفهوم الحرم، وهو نطاق آمن يحيط بالسوق ويشمل طرقه، فداخل هذا الحرم يتمتع الجميع بالحماية الكاملة سواء كانوا جناة أو متضررين، فالسوق يُعد مساحة محايدة لا يُسمح فيها بالاعتداء أو الانتقام، بل تُحل النزاعات فيها بطرق سلمية، ويؤكد هذا المبدأ أن السوق مفتوح للجميع ولا يُستثنى منه أحد، مما يضمن استمرار النشاط التجاري دون خوف أو اضطراب. وخارج حدود الحرم تختلف المسؤوليات، فالنزاعات بين أفراد قبيلة ذو محمد تعود إلى النظام القبلي العام ولا يتحمل أهل الشهر مسؤوليتها، أما قضايا الغرباء فتظل خاضعة لقواعد السوق وتُحال إلى الضامنين الذين يتصرفون بدعم كامل من القبيلة. ويُختتم هذا النظام بتوثيق أسماء الضامنين من مختلف بطون القبيلة والقبائل المجاورة، حيث يمثل كل واحد منهم جماعته ويتحمل المسؤولية عنها سواء كان أفرادها حاضرين أم غائبين، ويعكس ذلك مفهوم الضمان الجماعي، حيث يرتبط شرف كل ضامن بمدى التزامه بتطبيق هذه القواعد. في المجمل تكشف هذه القوانين عن نظام دقيق يوازن بين حماية الأفراد والحفاظ على تماسك الجماعة، فهي تؤكد على أن الأمن مسؤولية مشتركة، وأن العدالة لا تتحقق إلا بتكاتف الجميع، ومن خلال هذه القواعد استطاعت قبيلة ذو محمد أن تؤسس بيئة آمنة للتجارة والتفاعل الاجتماعي قائمة على الثقة والانضباط والاحترام المتبادل.