حتى في الفقه الإسلامي فإن مفهوم النية أو العمد لا يطابق ما هو معروف في إجراءات المحاكم الإنجليزية أو الأمريكية؛ ففي الشريعة يعتمد الأمر إلى حدٍّ كبير، كما هو الحال في العرف، ليس على سبق الإصرار بمعناه الشكلي، بل على طبيعة الأداة المستخدمة، وفي العرف كثيرًا ما يحدِّد ذلك نوع التعويض المستحق؛ فمثلًا في النص (ب) القسم 2 الجزء السادس أدناه، إذا أثبتت الأيمان عدم القصد دُفع عن الأذى الواقع على امرأة تعويضٌ مضاعف، أما إذا ثبت العمد فيُدفع أربعة أضعاف، وفي النص (ب) القسم 4 يبدو أن العمد يحدِّد أصلًا ما إذا كان التعويض مقبولًا أم لا؛ فانتهاك رابطة الخبز والملح لا يقتضي سوى التعويض إذا أثبتت الأيمان أن الفعل وقع خطأً، لكنه يستوجب تعويضات إضافية في حالة العمد.. وكذلك إذا قررت الأيمان أن الفعل كان غير متعمد، فإن من كانت عليه الشوفة تعويضات الجرائم الواقعة على النساء للقبائل المجاورة... فإن ذي محمد جميعًا مسؤولون عن الدفع... وإلا فيُفترض أن الجاني يتحمّل المسؤولية وحده، ويُعمل حينها بالقاعدة القائلة: لا تدخل في أفعال العار؛ فطبيعة الجرم ذاتها تُعرَّف بالقَسَم. يجوز للرجال أن يحلفوا أفرادًا على أفعالهم هم، وكذلك على ما وقع عليهم من مظالم، وفي حالات معينة لا يحتاج هذا النوع الأخير من الشهادة إلى دعم إضافي؛ فمثلًا يُصدَّق من سُلب في طريقه إلى السوق، كما يُصدَّق الضعيف الذي ظلمه أفراد من القبائل. ومن جهة أخرى يُعدّ المُحكِّم شاهدًا موثوقًا فيما يقع من مظالم أثناء التحكيم، وكذلك القاضي المحمي فيما يصيبه شخصيًا أو يمسّ سِلْمه أو ممتلكاته. وفي حالات أخرى يُطلب تعدد الشهادة لإثبات وقائع مفترضة؛ فمثلًا يجب أن يحلف خمسة رجال من كل طرف يختارهم الطرف الآخر على موضع الحدود المختلف عليها، غير أن صيغة شائعة في العرف هي: على المدّعي البيّنة، وعلى المنكر أو المجحد اليمين، أي إن المدّعي يقدّم دعواه، وعلى المدّعى عليه المعيّن أن يحلف إن شاء على براءته. وكثيرًا ما يكون هذا الدَّين الفردي الظاهر متضمّنًا في ذاته التحليف الجماعي الذي يُسند النية والمسؤولية معًا، فضلًا عن إثبات الوقائع أو تقرير ما إذا كان الالتزام قد أُدِّي، ويُشترط أربع وأربعون يمينًا في قضايا القتل، واثنتان وعشرون في غيرها. ولا يُشترط في الحالفين أن يكونوا قد شاهدوا الواقعة، غير أن وصفهم ب«شهود السيرة» قد يكون مضلِّلًا؛ إذ إن علاقتهم بالمتهم أوثق بكثير مما يوحي به هذا التعبير؛ فمثلًا إذا قُتل شخص في قتال بين خُمُسَين من ذي محمد، وادّعى خُمُس القاتل أنهم لا يعرفون على التحديد من المسؤول، فقد يحلفون جميعًا على ذلك ويتحملون المسؤولية مجتمعين. والحلف على فعل فردٍ بعينه، مع أنه وحده المتهم، ينطوي على تطابق أخلاقي وثيق، ويجب أن يكون الشاهد نفسه على نحوٍ ما أهلًا لليمين، غير أن حكمه يتضمن استعدادًا للاصطفاف علنًا مع المتهم، ولا يختزل في لا مبالاة أو مصلحة ذاتية. والحلف على أن الفعل كان متعمدًا بالعمد أو بالقصد المقصود، أو غير متعمد خطأً أو بغير العمد، هو في العادة حكمٌ على ما إذا كان المتهم يستحق الاعتراف: أي ما إذا كانت له سِنّة، وهو الحق العام في إعطاء الحماية أو أخذها، وهو يقرّر فعليًا ما إذا كان فعله يمكن الاعتراف به في المطالبات العلنية، وبالتالي كيف ستتطور القضية. وقيمة الحقيقة الممنوحة لهذه الإجراءات عالية، ويُفسَّر الفشل في تحصيل اليمين الجماعي بالقول إن المدّعى عليه أو أفراد قبيلته لا يجرؤون على الكذب خوفًا من الله. وتُعدّ الأماكن والأشخاص المحميون، شأنهم شأن الروابط شبه التعاقدية، محورًا للقيم الأخلاقية. أما مدى اتفاق الرجال على الحالات التفصيلية فمسألة أخرى؛ إذ قد تتشظى السمعة إلى ما لا نهاية، مع ادعاء كل فرد أو فئة حقًا في مواجهة الآخرين. وكان الضعفاء، كاليهود مثلًا، يُحمَون أفرادًا، وكان يُفترض في شرق اليمن آنذاك، حين كان حبشوش هناك نحو 1870م، وجودُ حامٍ ثانٍ يُسمّى جار الغواية، فإذا قصّر الحامي الأول في واجبه أو ظلم المحمي طالبَه الثاني بتعويضات جسيمة. ويقول حبشوش، ولا شك بقدرٍ من الوجاهة، إنهم في الغالب لا يفعلون إلا أن ينخرطوا في القتل والاقتتال فيما بينهم، فضلًا عن الخسائر الواقعة. هكذا هو شرع قبائل اليمن، غير أن همَّ الأنثروبولوجي، ولا سيما عند التعامل مع سجلات محدودة من الماضي، ينبغي أن يكون أقلَّ تعلّقًا بسير الوقائع، وأكثر انصرافًا أولًا إلى نوع الوقائع الممكن تصوّرها.