إن المأساة العربية المعاصرة ليست في نقص العتاد، بل في "عقم الذاكرة". نحن أمة تلدغ من الجحر الواحد ألف مرة، وتسمي انتحارها "دبلوماسية"، وتبعية أعدائها "واقعية". إن ما نعيشه اليوم هو استنساخ كربوني لفصول السقوط الكبير؛ من بغداد العباسية إلى أندلس ملوك الطوائف. أولاً: دروس الدم.. من غفلة "المستعصم" إلى خيانة "شاور" قبل أن نبكي على واقعنا، يجب أن نتذكر المستعصم بالله، آخر خلفاء بني عباس، الذي غرق في تردده وظن أن مهادنة "هولاكو" وتجاهل استغاثات الدول التي اجتاحتها جيوش المغول ستحمي عرشه في بغداد. بخل بالمال على جيشه، وتراخى في نجدة جيرانه، فكانت النتيجة أن سِيقَ إلى حتفه "بساطاً" تحت أقدام خيول التتار. ولا يختلف المشهد عما فعله "شاور بن مجير" في مصر، الذي استدعى الصليبيين لنكاية خصومه، فكان كمن يستجير من الرمضاء بالنار. واليوم، يتكرر "شاور" و"المستعصم" في كل عاصمة تظن أن الاحتماء ب "إسرائيل" هو طوق نجاة من الخطر الإقليمي، بينما هو في الحقيقة فتح لأبواب "الهيكل" على أنقاض العواصم العربية. ثانياً: متلازمة "الاستقواء بالعدو".. لدغات من الجحر ذاته! إن المتأمل في شريط الوجع العربي منذ مطلع القرن العشرين، يدرك أننا أمة تتقن صناعة قيودها بيديها؛ ففي عام 1918م، اندفع العرب خلف وعود بريطانيا وفرنسا للمساهمة في إسقاط "الخلافة العثمانية"، فكانت المكافأة هي "سايكس بيكو" وتمزيق الجسد الواحد إلى أشلاء مستعمرة، توجت بتمكين الكيان الصهيوني من قلب فلسطين. ولم يتوقف العقم السياسي عند هذا الحد، بل تكرر المشهد حين استُهدِف مشروع "جمال عبد الناصر" التحرري، ووجد الكيان والولايات المتحدة في بعض التناقضات العربية ثغرة لإسقاط حلم الكرامة في نكسة 1967م، وهي النكسة التي ما نزال نتجرع مرارتها اليوم احتلالاً لغزة والضفة والجولان. وعلى ذات النهج الانتحاري، شُق الطريق أمام الغزو الأمريكي للعراق في مطلع الألفية الثالثة بمباركة وتسهيلات عربية، ليتحول "البوابة الشرقية" إلى دولة مفككة وركيكة، وليبكي العرب بعدها دماً وندماً على "الثور الأبيض". واليوم، تُفتح الأبواب لذات السيناريو تحت ذريعة إسقاط إيران، لا لشيء إلا لتصبح المنطقة لقمة سائغة في براثن "إسرائيل"، وتنصيبها حاكماً أوحداً يقرر مصير العواصم من المحيط إلى الخليج. ثالثاً: ملوك الطوائف.. انتحار الهوية ألم يغرق ملوك الطوائف في الأندلس في أحقادهم التافهة؟ استنصروا ب "ألفونسو" ضد بعضهم البعض، ودفعوا الجزية وهم صاغرون ليحموا كراسيهم، فكانت النتيجة أن سقط الجميع، وبكى "أبو عبدالله الصغير" ملكاً لم يحافظ عليه كالرجال. واليوم، يتفرج العرب على ذبح جيرانهم وإخوانهم، منتظرين دورهم في "المقصلة الصهيونية" التي لا تستثني أحداً. رابعاً: الأجندة الصهيونية.. "الشرق الأوسط الجديد" كما أوضحنا في دراستنا ل "الشرق الأوسط الجديد بأجندة صهيونية"، فإن المخطط يتجاوز "إسقاط نظام" هنا أو هناك. الهدف هو إعادة هندسة المنطقة برمتها لصالح السيادة الصهيونية المطلقة، عبر تفتيت الجيوش العربية الكبرى وتحويل الدول إلى "كانتونات" هزيلة متصارعة. إن ضرب إيران اليوم، وتفكيك قدراتها، ليس هدفه حماية "الأمن العربي" كما يُروج، بل هو "إزالة لآخر العوائق" الجيوسياسية أمام مشروع إسرائيل الكبرى. فبمجرد الفراغ من الجبهة الشرقية، ستتفرغ آلة الحرب الصهيونية لتمزيق ما تبقى من نفوذ عربي في القاهرة والرياض والدوحة. إن العرب اليوم يغرقون في غيبوبة "أحقادهم الصغيرة"، مرعوبون من "قنبلة إيران" المفترضة، بينما هم مطمئنون لمئات الرؤوس النووية الصهيونية الموجهة لصدورهم! الخاتمة: صرخة قبل الطوفان إن من يظن أن الصهيونية ستكون حليفاً له، هو كمن يطعم التمساح على أمل أن يأكله آخراً. التاريخ لن يرحم، والندم القادم لن يكون على "لبن مسكوب"، بل على كرامة مستباحة ودماء إسلامية عربية ستسيل من أقاصي باكستان وإندونيسيا شرقاً إلى أقاصي المغرب في طنجة وشنقيط. يا سادة: لسنا بصدد خلاف مذهبي أو سياسي عابر.. نحن بصدد صراع وجود أو فناء!