حرب دونالد ترمب ضد إيران التي مضى عليها حتى اليوم الإثنين 9 مارس 2026م عشرة أيام ليست حرب أمريكا كما يؤكد مسؤولون أمريكيون، بدليل أن ترمب لم يطلب تفويضاً من الكونغرس ولا حتى اعتماد موازنة لتمويلها، لأنها في الأساس حرب الخمسة تريليونات دولار التي استلمها من بعض دول الخليج للدفاع عن إسرائيل، وفي الوقت نفسه بهدف إسقاط النظام الإسلامي في إيران بحجة منعه من الحصول على السلاح النووي. ولأن ترمب قد أخطأ في الحساب، حيث كان يعتقد أن اغتيال مرشد الثورة القائد العظيم علي خامنئي سيسهل مهمته ويجعل الشعب الإيراني يثور على نظامه، لكن النتيجة جاءت بعكس ما كان يخطط له مع شريكه النتن ياهو، فشكّل اغتيال المرشد دافعاً قوياً للشعب الإيراني للالتفاف حول النظام الإسلامي والتمسك به، ووحّد كل الفئات بما فيها من كانوا يعترضون ويتذمرون من الأوضاع للوقوف ضد العدوان ودعم القوات المسلحة بمختلف أفرعها لمواجهته. أما المفاجأة الأكبر التي نزلت على ترمب ونتنياهو كنزول الصاعقة فقد تمثلت في أن إيران امتصت الضربة الأولى التي كان يعتقد ترمب أنها مدمرة وسيحقق من خلالها هدفه الخبيث، وسارعت بالرد بقدرات أذهلت الأصدقاء قبل الأعداء، مستهدفة القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج واعتبارها أهدافاً استراتيجية، لأنها أساساً لم يكن وجودها في هذه الدول لحمايتها والدفاع عنها بقدر ما كان الهدف من وجودها هو الدفاع عن إسرائيل، وقد أثبتت الأحداث هذه الحقيقة. لكن من يقنع دول الخليج التي تضحي بأموالها لتدمير نفسها وتجلب القوى الأجنبية لاحتلالها، بل وتسخر مواقفها السياسية من أجل خدمة إسرائيل، في الوقت الذي كان يفترض فيه أن تشكر إيران لأنها كشفت لها هدف تواجد القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها. إن صمود الشعب الإيراني المسلم في وجه هذه الحرب الظالمة عليه، والوقوف مع قيادته وقواته المسلحة للتصدي للعدوان، وعدم تنازله عن مبادئه المرسومة التي تبنتها الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني رحمه الله منذ أكثر من سبعة وأربعين عاماً، وفي مقدمتها الدفاع عن قضايا الأمة الإسلامية التي تتصدرها القضية الفلسطينية بعد أن فرطت فيها الدول العربية وهي المعنية بها أكثر من غيرها، يشكل نموذجاً يمكن أن يُحتذى به في الشعوب الأخرى. وهو ما يذكرنا بموقف الشعب اليمني الذي يقترب من إكمال العام الحادي عشر صموداً في وجه تحالف العدوان بقيادة أمريكا وأذيالها إسرائيل والسعودية والإمارات، وهو صمود غير مسبوق تجلت من خلاله مواقف مختلف شرائحه الاجتماعية وقواه الوطنية باستثناء العملاء والمرتزقة دفاعاً عن سيادة الوطن اليمني وحريته واستقلاله، ورفضاً لأي تدخل خارجي كما كان يحدث في السابق. فمثل هذا الموقف رسالة بليغة وعظيمة وجهها أبناء الشعب اليمني للداخل والخارج على حد سواء، جعلت قوى تحالف العدوان تدرك بأن اليمن بات ولأول مرة في تاريخه الحديث رقماً صعباً في المعادلة السياسية الجديدة التي تشهدها المنطقة، وكلمته أصبحت مسموعة. والشيء الذي لا نشك فيه إطلاقاً، رغم تكالب الأعداء على اليمن، هو أن اليمنيين ماضون في طريقهم إلى النهاية وصولاً إلى صنع مستقبلهم المشرق بأيديهم وبناء دولتهم القوية والعادلة دون وصاية خارجية، ولن يتراجعوا إلى الوراء أبداً، مدركين بفطرتهم أنه ليس هناك أخطر على الشعوب والأوطان من العداوة والبغضاء والحقد الذي يكنّه الإنسان ضد أخيه الإنسان تحت أية ذريعة كانت. وأيضاً ليس هناك أخطر على المسؤولين من البطانات الفاسدة والسيئة التي ترشدهم إلى سلوك طريق مسدود يفصلهم عن مواطنيهم ويحجب عنهم الحقائق، وهي حالة سائدة في العالم العربي لم يتم التخلص منها، جعلت الأعداء يتمكنون منهم ويضعفونهم ويشلون قدراتهم، فاتحين لهم الأبواب على مصاريعها ليتدخلوا في شؤونهم ويفرضوا عليهم أجنداتهم. إن هذا الوضع السيئ الذي تشهده الأمتان العربية والإسلامية قد استفاد منه أبناء الشعب اليمني لمزيد من الصمود ومقاومة العدوان، رافعين صوتهم عالياً رفضاً لأية وصاية على قرارهم السياسي من أية جهة كانت، بعد أن تغيرت المعادلة في المنطقة وأصبح اليمن فيها وشعبه العظيم رقماً صعباً كما أشرنا آنفاً يُحسب له ألف حساب. إن مبعث الضعف والهوان اللذين مرت بهما الأمة العربية وما زالت سببه الحكام ومواقف الشعوب السلبية، لأنهم لم يستوعبوا حقيقة ما يجري وليس عندهم بعد نظر لما سيأتي. وهنا يطرح السؤال نفسه: لم كل هذا الهوان الذي فرضه العرب على أنفسهم مع أنهم يمتلكون كل مؤهلات التحول لصالحهم، بدليل ما حدث في اليمن من مقاومة للعدوان والتصدي له، وما يحدث اليوم في إيران كترجمة عملية للإرادة الشعبية حينما تكون حاضرة ولا تستطيع أية قوة الوقوف في طريقها، إضافة إلى أن العرب حباهم الله بثروة اقتصادية كبيرة لو تم توظيفها لصالح قضايا الشعوب العربية لاستطاعوا أن ينافسوا الدول الكبرى ويمتلكوا كل أسباب القوة، بالإضافة إلى موقعهم الجغرافي المتميز المتحكم في مداخل البحار. وكما هو الحال بالنسبة للدول الكبرى التي تعمل على رعاية وخدمة مصالحها، فمن حق الدول الصغيرة أن تقوم بالدور نفسه لأن ذلك حق من حقوقها القانونية، وليس من حق أحد أن يمنعها. ولنا في التاريخ عبرة، حيث نجد دولاً صغيرة استطاعت عبر التاريخ بقوتها وفرض إرادتها أن تتحكم في مصائر دول كبرى ذات مساحات شاسعة واستعمرتها لمئات السنين، حتى انتفضت تلك الشعوب وتحررت من التبعية والهيمنة الاستعمارية. لكن لأن الروح الانهزامية قد طغت على كل شيء عند العرب، فأصبحوا عاجزين عن حل مشاكلهم حتى مع أنفسهم في إطار المجتمع الواحد، فكيف بالدفاع عن قضاياهم ضد الدول الأخرى، وإن كانوا أسوداً على بعضهم، بدليل تحالفهم ضد اليمن وشعبه وموقفهم من الحرب العدوانية على إيران. وعليه فإن أطماع الآخرين فيهم ستزداد، وإن كانت تختلف في أهميتها من فترة إلى أخرى نظراً لما يشهده العالم من متغيرات متسارعة وتطورات اقتصادية وتكنولوجية، إضافة إلى الدور الذي يلعبه الأعداء بتعميق الانقسامات في العالم العربي لمعاداة بعضهم البعض.