تبرز الدورات والانشطة الصيفية كحائط صد منيع أمام محاولات الاستهداف الممنهجة للنشء والشباب في الوقت الراهن، حيث لم يعد الصراع عسكريا فحسب، بل تحول إلى صراع وعي وقيم، لتأتي الأنشطة والدورات الصيفية لتكشف طبيعة المؤامرة الحقيقية التي تحاك ضد الشعب اليمني، بعيدا عن الادعاءات الزائفة التي يروج لها الأعداء، وسط مساع للقوى الخارجية إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وإفراغ الجيل الصاعد من محتواه القيمي والديني والوطني. وتمثل المراكز الصيفية استجابة عملية من وزارة التربية والتعليم والبحث العلمي، و كذلك اللجنة الفنية للأنشطة والدورات الصيفية، لتحصين النشء والشباب من الحرب الناعمة التي تتسلل عبر الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي، مستهدفة أخلاقهم وسلوكياتهم، حيث من خلال الدورات التربوية، يتم بناء جيل متسلح بالوعي والبصيرة وليكون مدركا لحجم المؤامرة التي تستهدف البلد. استطلاع | محمد العلوي تسهم الانشطة الصيفية المختلفة في تعزيز الجوانب التعليمية والعلمية والأخلاقية وتبني جيلا متسلحا بالوعي، والمعرفة ومتحصنا بتعاليم الدين الحنيف وفق المنهج القرآني السليم وخلق بيئة آمنة تحمي الشباب من الانزلاق خلف الأفكار الهدامة والمتطرفة، وتجنبهم مخاطر الانجرار نحو الجريمة أو آفة والسلوكيات الخاطئة التي يحاول الأعداء تدمير حاضر ومستقبل الشباب. خلال نزولنا الميداني إلى المدرسة الصيفية، أبي الحسن الهمداني بذمار، وجدنا في بوابة المدرسة المواطن "أحمد مقبل خالد"، وسألناه عن أهمية إلحاق أبنائه بالدورات الصيفية، حيث أشار إلى أنه أصطحب ولديه "محمد وأمير" ليكونا ضمن الانشطة والدورات الصيفية بدلا من الجلوس في البيت واللعب في الشارع مع بعض الأطفال دون فائدة، ليتعلما ويحفظا القرآن الكريم حتى أنه ما إن يدخل إبنه "أمير" الصف الأول الأساسي حتى يكون قد حفظ بعض السور وتعلم أشياء تنفعه. قتل الفراغ من جهة ثانية، أوضح الأخ "عبدالقدوس محمد خالد"، وهو أحد أولياء أمور الطلاب، أنه يحرص على تسجيل اولاده في الدورات الصيفية في كل عام، لقتل الفراغ الذي يعانون منه خلال الإجازة الدراسية. وأضاف أن الدورات والأنشطة الصيفية المختلفة ينقصها الجوائز التشجيعية التي تحفز الطلاب على الالتحاق بالمراكز وتجعلهم ملتزمين بالحضور ومتابعة الدروس، وليكون ذلك دافعا لالتحاق الآخرين بالدورات الصيفية. وخلال تجولنا في بعض الفصول الدراسية، التقينا بعض الطلاب وتبادلنا معهم الكلام حول أهمية التحاقهم، حيث أفاد الطالب "عمار حميد علي راشد"، المستوى الثاني، أنه جاء إلى المركز الصيفي للاستفادة من انشطة الدورات الصيفية لأن الفراغ في الإجازة لا ينفع بشيء، مبينا حرص أسرته على أن يتعلم القرآن الكريم، ويحفظه. وأضاف: "تعلمنا اليوم القاعدة اليمانية التي تسهل لنا قراءة القرآن ونطق كلماته بطريقة صحيحة، مع أنها صعبة في البداية ولكن تحتاج إلى تركيز، وهذا الشيء ينفعنا للعام الدراسي القادم". بينما يؤكد الشاب "سيف شمسان المزرقي" أن الدورات الصيفية تعمل على بناء شخصية الإنسان وتعليمه السلوكيات الصحيحة، وكذلك تعزيز الوعي حتى لا يذهب للضياع مع أصدقاء السوء، من خلال البرنامج اليومي المتنوع، والأكثر من ذلك أنه يلقى ما يملأ به أوقات فراغه بالتعليم وتنفيذ مختلف الأنشطة ومنها كرة القدم كنشاط مفضل. ويتفق الطلاب ممن التقيناهم في المدرسة خلال نقاشات عامة حول أهمية الدورات الصيفية، الذين اعتبروها فرصة للتقوية العلمية والبناء المعرفي، وكيف يكونوا رجال المستقبل، كما أنهم وجدوا في الدورات الصيفية أوقاتا أخرى لممارسة الأنشطة الرياضية، لا سيما لعب كرة القدم باعتبارها من أهم الأنشطة المفضلة لديهم، رغم عدم توفير الكرات وبعض الألعاب الأخرى ك الطائرة وغيرها في المدرسة. إقبال كبير من جانب آخر، التقينا مدير مدرسة أبي الحسن الهمداني الصيفية، الأستاذ محمد أحمد عبدالله العلوي، والذي قال: "نحن في المدرسة لم نقدم الانشطة والدورات الصيفية مجرد تسلية أو تقضية الوقت، بل نبني الوعي في أوساط الطلاب، لأن طبيعة المرحلة تحتم علينا أن نكون بمستوى التحدي، لأن المؤامرة على اليمن كبيرة وتسعى لتجهيل هذا الجيل واستهدافه في هويته، ودورنا هنا هو تنمية الوعي المعرفي وتحصين النشء والشباب من تلك المخططات وتبيين الحقائق المستمدة من واقعنا الإيماني". وأضاف: "كذلك نركز بشكل أساسي على تعليم القرآن الكريم وتعزيز الجانب الأخلاقي الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، في أوساط الطلاب وكذلك تكريس ثقافة الاحترام والاخوة بين الطلاب ببعضهم البعض سواء في المدرسة أو في الحارة، بعيدا عن العداوة والألفاظ النابية والسلوكيات الخاطئة". وذكر أن الطالب الذي يشارك في الأنشطة والدورات الصيفية شاب يمتلك الوعي بطبيعة الحرب الناعمة وأدواتها ووسائلها، وكذلك معركة الصراع مع اليهود ومعرفة خبثهم ومكرهم وخداعهم وجرائمهم المرتكبة بحق ابناء فلسطين والأمة والبشرية. وتابع قائلًا: "إن الإقبال الكبير هذا العام على الانشطة والدورات الصيفية، والذي تجاوز عدد الملتحقين 140 طالبا، يعكس وعي أولياء الأمور وحرصهم واهتمامهم على الدفع بأبنائهم للمدرسة الصيفية واستغلال أوقات فراغهم بما ينفعهم". ولفت مدير المدرسة الصيفية إلى أن العمل وفق الخطة التي تدمج بين العلم والعمل والأنشطة المختلفة، لا سيما الرياضية والزراعية والفنية كالرسم والشعر والأدب وغيرها من البرامج، لكسر الملل في أوساط الطلاب. تعزيز السلوكيات ويدل الاقبال الواسع على الانشطة والدورات الصيفية في مختلف المدارس لهذا العام، على اهتمام الأسرة بابنائها والدفع بهم للالتحاق بالدورات الصيفية، لذلك أشار المسؤول الثقافي في مدرسة الهمداني، وهو أيضا خطيب أحد المساجد، الأستاذ محمد عبده سبيع، إلى أن الدورات الصيفية تضع اللبنات الأولى للوعي بخلاف المناهج التعليمية التي تركز على الجوانب العلمية، التي تعد الانشطة والدورات الصيفية مهمة جدا، فلا نكتفي بالتدريس النظري للقرآن الكريم للطلاب، بل نوجه الطلاب لتطبيقها في الواقع العملي من الاخاء والمحبة وتقوية الروابط المجتمعية. وأكد سبيع، أن الدورات الصيفية تعمل على تعزيز السلوكيات لتكون واقعا بين الطلاب، وكذلك سد الفجوة التي قد يتركها الفراغ الدراسي وتحويلها إلى فرصة لتعميق الارتباط بالمنهج القرآني الذي يعزز العزة والكرامة، وكذلك هي فرصة لاكتشاف المهارات المختلفة للطلاب منها التلاوة والخطابة والشعر والرسم والعمل على تنميتها وتطويرها. وقال سبيع إن "الثقافة المغلوطة التي جاءت للمجتمع من خارج الثقلين هي ثقافة ماسونية تلمودية مستوحاة من الصهيونية بهدف ضرب الإسلام في عقر داره ومن الداخل بواسطة ابناءه". وأضاف أن الأفكار الدخيلة المحرفة والمنحرفة عن الدين الإسلامي، منذ عهد بني أمية، واستهداف آل البيت، وعملت على تأطير الأمة ليكونوا أذلاء خاضعين خانعين للأعداء، كما هو حال الفكر الوهابي" الذي كرس الولاء لأمريكا وإسرائيل، وهذا ما برز جليا وواضحا خلال المرحلة الراهنة. قيم الصمود إلى ذلك، التقينا مدير عام مكتب التربية والتعليم بمحافظة ذمار، الأستاذ محمد أحمد الهادي، حيث قال: "الدورات الصيفية ضرورة ملحة في سياق المواجهة الشاملة مع قوى الاستكبار، حيث تهدف إلى تحصين النشء والشباب من الثقافات المغلوطة والأفكار الهدامة التي تروج لها الماكينة الإعلامية للأعداء، ونعمل على غرس قيم الصمود والولاء لله وللوطن". واضاف إن "ما يتلقاه الطلاب في الدورات الصيفية هو منهج متكامل يجمع بين علوم القرآن الكريم وقرائته وفق القاعدة اليمانية، وكذلك الأنشطة الثقافية والرياضية والادبية التي تشمل الشعر والخطابة وفنون الخط، وغيرها من الأنشطة الإبداعية، بما يساهم في اكتشاف المواهب الدفينة لدى أبنائنا وتنميتها بشكل سليم". وأضاف: "لقد حرصت وزارة التربية والتعليم والبحث العلمي، واللجنة العليا للأنشطة والدورات الصيفية على أن تكون هذه المدارس بيئة خصبة للاستفادة منها، حيث يتم قتل وقت الفراغ ببرامج نافعة لمستقبل الطلاب، لضمان حماية الشباب من الانجرار خلف السلوكيات الخاطئة، ولهذا تجد الأعداء منزعجين في كل عام من الانشطة والدورات الصيفية التي تبني وتؤهل مئات الآلاف سنويا". التمسك بالهوية الإيمانية وأشار الهادي إلى أن كل شيء في هذه المراكز متاح ومفتوح أمام الجميع، ولهذا ندعو جميع أولياء أمور الطلاب وكل أبناء فئات المجتمع إلى زيارة المدارس الصيفية للاطلاع عن كثب على ما يتلقاه الطلاب من البرامج المختلفة، ودعم المدارس الصيفية بالاحتياجات اللازمة، والاهتمام بمتابعة تحصيل ابنائهم اليومي. واختتم الهادي حديثه قائلا: إننا "نراهن على الشباب الذي يتربى اليوم في رحاب المسيرة القرآنية ليكون هو الجيل الذي يقود اليمن نحو السيادة واستقلال القرار بعيدا عن الولاءات الخارجية، متسلحا بالوعي الكافي لمواجهة الاطماع الأجنبية وكل أشكال الغزو الفكري، متمسكين بهويتهم الإيمانية التي هي سر قوة المجتمع بخلاف ما يتم في دول المنطقة من تكريس الولاء لأعداء الله". مشروع وطني إيماني ختاما.. إن الأنشطة والدورات الصيفية ليست مجرد موسم عابر لقضاء أوقات الفراغ للنشء والشباب، بل هي مشروع وطني إيماني استراتيجي لبناء جيل قرآني متسلح بالوعي والبصيرة، قادر على مواجهة الحرب الناعمة ومخططات الاستهداف الممنهجة للهوية والثوابت الدينية والوطنية. لذلك، من خلال هذه المدارس الصيفية يتحول الفراغ إلى طاقة من البناء والابداع، وتصبح الأفكار الهدامة والدخيلة في مواجهة صلبة مع المنهج القرآني الأصيل الذي يعزز العزة والكرامة والولاء لله وللوطن.