دياز على رادار باريس.. وإعارة محتملة من ريال مدريد    رفع علم العدو اليمني على مبني شرطة شبوة استهانة بدماء شهداء 11 فبراير    إسقاط العلم اليمني قصر الكثيري في سيئون.. جرأة حضرمية تعكس نبض الشارع الجنوبي    قائد لواء يمني يستولي على ثمانين مليون ريال سعودي في مأرب ويهربها الى صنعاء    قوات الطوارئ الغازية تتحول إلى غطاء لنهب أراضي الحضارم.. وتحذيرات تؤكد خطورة المشهد    اليمن واحد    الخدمة المدنية تحدد مواعيد وساعات الدوام في شهر رمضان المبارك    البحرين بعد 14 فبراير: استقرار بالقوة وأزمة بلا أفق    فضائح إبستين والوجه القبيح لحضارة الغرب اللا أخلاقية ! ..    خطة ترامب صورة أخرى للحرب    خواطر ومحطات حول الوحدة اليمنية الحلقة (59)    وثائق عرفية وقبلية من برط اليمن "34"    دعا وسائل الإعلام والخطباء ورواد التواصل الاجتماعي للتفاعل مع الحملة.. صندوق المعاقين يدشن حملة توعوية رمضانية لتعزيز دعم وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة    الأوطان.. وصناعة المستقبل..!!    رمضان شهر الرحمات    رمضان.. موسم الاستقامة وصناعة الوعي    مرض الفشل الكلوي (41)    عدن.. جمعيات الصرافين تعمم بشأن ضوابط صرف العملات الأجنبية    لأول مرة... الصوت الجنوبي يتصدر نقاشات مجلس الأمن الدولي .. (تقرير خاص)    عبدالكريم الشهاري ينال الماجستير بامتياز من جامعة الرازي عن دور رأس المال الفكري في تطوير شركات الأدوية    6 من أعضاء وفد العليمي في ألمانيا يقيمون تظاهرة تضامن مع رئيسهم    تسجيل هزة أرضية شمال محافظة ذمار    نصب تذكاري يثير العاصفة في تعز... تخليد افتهان المشهري يتحول إلى موجة غضب    من يقف وراء حرمان عشر مديريات بلحج من الغاز؟ ولماذا أوقفت حصة شركة الصبيحي؟ وثائق تكشف المستور ..    القائم بأعمال الأمين العام لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي يلتقي نقيب الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين    رمضان يا خير الشهور    فينسيوس يعادل رقم نيمار بالليغا    ريال مدريد يسخر من برشلونة: "كرنفال جنوني ومزحة"    الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً جديدة لإنقاذ حياة الحوامل    شاهد بالصور .. حريق هائل يلتهم مركزاً تجارياً في مأرب    بعد أن تخلت عنه سلطات بلاده.. برلماني يمني يوجّه طلبًا عاجلًا للمنظمة الدولية للهجرة    برئاسة الحالمي .. الأمانة العامة للانتقالي تعقد لقاءً موسعًا لمناقشة المستجدات على الساحة الوطنية الجنوبية "صور"    تعز.. معلمون يشكون من استمرار الاستقطاعات من مرتباتهم رغم إحالتهم إلى التقاعد دون صرف مستحقاتهم    اليمنية تحدد موعد انتظام جدولها التشغيلي إلى المحافظات الشرقية    أزمة سيولة تضرب عدن المحتلة    تدشين توزيع شهادات الإعفاء الضريبي لصغار المكلفين المرحلة الثالثة في محافظة البيضاء    الامارات تنتقم من سقطرى    كيف يساعدك الصيام على التخلص من إدمان السكريات؟    قمة الكالتشيو تنتهي بسقوط يوفنتوس امام إنتر ميلان بثلاثية    دوري روشن السعودي: النصر بقيادة رونالدو يتخطى الفتح    كاس الاتحاد الانكليزي: ليفربول الى الدور ال 16 بتخطيه برايتون    السامعي يعزي رئيس المجلس السياسي الاعلى بوفاة والدته    على أبواب رمضان: العالم يحتفل والجنوب ينتظر فرجاً لا يأتي    إطلاق حملة تكريم ودعم أسر شهداء عملية المستقبل الواعد    تغاريد حرة.. أخترت الطريق الأصعب    دية الكلام    من زنزانة "الجوع" في صنعاء إلى منفى "الاختناق" في نيويورك    عدن.. جمعيات الصرافين تعمم الضوابط الجديدة لشراء وبيع العملات الأجنبية    السيد القائد: شعبنا من أكثر الشعوب اهتماما واحياء لرمضان    التضامن مع حاشد شهادة على الوفاء    ابشِروا يا قتلة شبوة بعذاب جهنم الطويل.. طفل يتيم ابن الشهيد بن عشبة ينظر إلى تراب قبر أبيه وحسرة قلبه الصغير تفتت الصخر(صور)    هيئة الآثار: لا وجود لكهف أو كنوز في الدقراري بعمران    أكسفورد تحتفي بالروحانية الإسلامية عبر معرض فني عالمي    لا...؛ للقتل    تهريب تمثال يمني نادر يعود للعصور السبئية    الجمعية اليمنية لمرضى الثلاسيميا تحذر من نفاد الأدوية الأساسية للمرضى    ارسنال يهزم سندرلاند3-0 وتشيلسي يفوز علي ولفرهامبتون 3-1 في الدوري الانجليزي    إب.. فريق "صقور بعدان" يتوج ببطولة كأس "بعدان" ال 18 بحضور جماهيري واسع    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحنين إلى الوطن
نشر في الجمهورية يوم 29 - 09 - 2008

جاء في لسان العرب «لابن منظور»، في باب وطن: الوَطَنُ: المَنْزِلُ تقيم به، وهو مَوْطِنُ الإنسان ومحله، والجمع أَوْطان. ووَطَنَ بالمكان وأَوْطَنَ أَقام. وأَوْطَنَهُ: اتخذه وَطَناً، يقال: أَوْطَنَ فلان أَرض كذا وكذا أَي اتخذها محلاً ومُسْكَناً يقيم فيها وموطناً. وجاء في باب الحنين: الحَنينُ: الشديدُ من البُكاءِ والطَّرَبِ، وقيل: هو صوتُ الطَّرَبِ كان ذلك عن حُزْنٍ أَو فَرَحٍ. والحَنِينُ: الشَّوْقُ وتَوَقانُ النَّفس، والمَعْنَيان متقاربان، حَنَّ إليه يَحِنُّ حَنِيناً فهو حانٌّ.
والإنسان - كما تردد أغلب أدبيات علم الاجتماع البشري - بطبعه كائن اجتماعي يهوى العيش في مجتمعات أو جماعات كبيرة، ويأبى العيش المنفرد أو حياة العزلة، وقد جبل على هذه الصفة الفطرية منذ الأزل؛ فتجده يندفع إلى الاتحاد مع الجماعات وتكوين الصداقات وعقد التحالفات والانتماءات المتعددة بتعدد الأوساط التي ينتمي لها: اجتماعية كانت أو ثقافية أو سياسية أو مهنية، وبتعدد الحاجات والمصالح الفردية. وكلما زادت حاجات الإنسان المادية والمعنوية، ونمت ثقته في نفسه وفي الآخرين زادت دوائر ارتباطه وانتماءاته وتعلقه بها والولاء لها والحنين إليها، والعكس صحيح.
ولا يجد المرء منا غضاضة أو حرجاً في تعدد تلك الارتباطات، بل إن أعجب ما في الإنسان أنه يستطيع أن يختار لنفسه ما شاء من تلك الصداقات والانتماءات والتحالفات والروابط وأن يكثر منها أو يقلص من عددها بتغير العوامل التي أشرنا إليها أعلاه: أي بتغير عاملي الحاجة والثقة. وبإمكانه أن يبدل ويغير دوائر الانتماء الشخصي بكيفية تتفاوت من وضعية إلى أخرى؛ فيتحول من هذا الحزب السياسي إلى حزب آخر إذا لم يقتنع بمبادئه وبرامجه وسياساته أو سياسات قادته وممارساتهم اليومية، وينتقل من هذه النقابة المهنية إلى تلك، ومن تلك المؤسسة إلى مؤسسة غيرها، وربما إلى مؤسسة ثالثة، ونفس الشيء يمكن أن يحدث مع كل انتماء أو رابطة تربط الفرد بغيره من الأفراد والجماعات داخل المجتمع - خارج إطار الأسرة طبعاً - دون أن يشعر بتغير كبير أو فرق مهم، لأنها في المحصلة الأخيرة ولاءات وانتماءات مؤقتة وغير دائمة وتتبدل بتبدل مكان العمل، وبتغير مستوى الوعي السياسي، وبتحول المصالح الشخصية أو بتأثير وسائل متعددة لا مجال لحصرها هنا.
بيد أن الإنسان لا يستطيع أن يجد لنفسه وطناً آخر ليتخذه بديلاً له عن وطنه الأم مهما بذل من محاولاتٍ يائسة، ومهما تزايدت المغريات التي قد يصادفها في طريقه؛ لأن الولاء الوطني نوع من الارتباط العضوي والنفسي الدائم الذي يربط الإنسان بوطنه دون أن يكون له على نفسه سبيل للتحلل منه أو التخلي عنه. وعليه فمهما اتجه الإنسان بحثاً عن العلم أو طلباً للرزق وسعياً وراء فرص العمل ومغرياتها - وما أكثرها - أو هرباً من ثأر قبلي أو وضعٍ اقتصادي وسياسي وإداري وحقوقي يراه غير ملائم داخل وطنه، فإنها تظل محطة أو محطات مؤقتة قد تطول فترة مكوثه فيها أو تقصر ببقاء السبب الذي من أجله فارق الأهل والوطن، لكنه يعاود الحنين دائماً وأبداً إلى موطنه الذي ولد فيه وانطلق منه في رحلة البحث عن سبل العيش الكريم، مهما تكاثرت المغريات أو تعددت الحوافز ومهما طالت فترة مكثه خارج وطنه. وليصدق فيه قول الشاعر:
وطني لو شغلت بالخلد عنه
نازعتني إليه في الخلد نفسي
إن الحنين إلى الوطن شعور عاطفي ووجداني دائم يتولد لدى الإنسان كلما أدرك بعده عن ثرى الوطن لأي سببٍ من الأسباب. وهو شعور خاص لا يضاهيه أي نوع آخر من المشاعر البشرية، لذا لا يستطيع أن يدرك كنهه أو يتحكم في مداه أو يصفه كما يتراءى له وكما يحس به، ليس لأنه شعور خفي غير محسوس، وإنما لأنه شعور تلقائي وطبيعي تتقاطع فيه مشاعر متباينة ومتداخلة في ذات اللحظة، حتى ليكاد يعجز الإنسان عن السيطرة على انفعالاته؛ لأنها مشاعر تتداخل فيها لحظات شوق دائم إلى البدايات الأولى وإلى ذكرياته القديمة عن مراحل الطفولة والصبا، وإلى الصحاب ممن شاطروه قسطاً عظيماً من حياته في بدايات التشكل الجنيني لوعي طفولي تأبى الذاكرة أن تنساه، ومن الرغبة في لقاء زملاء الدراسة بمراحلها المختلفة والمعلمون الأوائل من جيل الرواد، والسير في شوارع المدينة العتيقة وأزقتها والتجول بين حاراتها لتنشق هواءها العليل ساعات الصباح الأولى.
إنه نوع من الحنين إلى ذكريات الزمن الجميل - كما نتذكرها أو نتخيلها جميعاً - وإلى الذكريات التي لا يمكن لأحدنا أن ينساها مهما طالت غيبته عن وطنه، ومهما بعدت به المسافات عن الأحبة والأهل والأصدقاء، ومهما تعددت أسباب الهجرة والسفر بعيداً عن الأوطان.
وكم عجبت لأناس وصحاب عرفتهم، كانوا دائمي الشكوى من أوضاعهم النفسية والمعيشية داخل الوطن اليمني نتيجة ندرة فرص العمل وقلة الحيلة ونقص ما في اليد، وظلوا يحلمون ويتطلعون إلى اليوم الذي يغادرون فيه مطار صنعاء متجهين إلى أرض المهجر بحثاً عن فرص الرزق وسبل العيش الكريم، وأغلبهم لم يكن يهتم بالمكان الذي سيتجه إليه طالما أنه سيغادر هذا الوطن، وتجد أكثرهم يقسمون أغلظ الأيمان أنهم سيقطعون كل صلة لهم بوطنهم، وأنه لو قدر لهم قطع كل جذر أو رابط ومحو كل ذكرى تربطهم بهذا الوطن لن يتوانوا عن فعله، وهم في كل هذا - كما نعتقد - أسرى لحظات يأس وقنوط من تغير الحال إلى أفضل منه.
والأعجب أنك ستفاجأ بهم بعد فترة قصيرة من سفرهم يتحينون كل فرصة للاتصال بالأهل والأحبة في اليمن، ويترقبون كل عطلة للعودة إلى أحضان الوطن، ويعزفون على وتر الحنين إلى أرض الوطن، والأهم من هذا أنهم - وعلى اختلاف انتماءاتهم المناطقية والسياسية وتعدد مرجعياتهم ومشاربهم الحزبية، وربما باستثناءات محدودة لا علاقة لها بعدم حب الوطن، بقدر ما لها علاقة بتضخم شديد في حب الذات والحرص على المصالح الشخصية التي تتخذ لديهم رتبة تعلو مرتبة الوطن - يمثلون حائط الذود الأول عن كل مقدساتنا وثوابتنا الوطنية في الخارج، وتجدهم أحرص الناس على تتبع أخبارنا الوطنية أولاً بأول عبر وسائل الاتصال المختلفة، والمداومة على الاحتفال بمناسباتنا وأعيادنا الوطنية والدينية المختلفة، والحرص على الظهور بأحسن مظهر والتميز عن الآخرين في شتى الميادين والمجالات، لإيمان الكثير منهم بأنهم سفراء الوطن الواحد، وهذا الشعور بالانتماء يفرض عليهم ذلك، وكأن لسان حالهم يردد ذلك البيت من الشعر:
بلدي وإن جارت علي عزيزة
أهلي وإن ضنوا علي كرام
في ختام هذه التناولة نؤكد: إن واحداً من أسوأ أنواع المشاعر الإنسانية التي يمكن أن يمر بها المرء - وخاصة من الشباب المفعم بالأمل والحالم بمستقبل جميل في وطنه وبين أهله - هو الحنين والشعور بالغربة أو الاغتراب النفسي الذي قد يشعر به المواطن داخل وطنه، وينجم عن الإحساس بفقدان الأمل بالغد وتضاؤل الرغبة في الحياة، بسبب ندرة فرص العمل في القطاعين العام والخاص، واليأس من تبدل الحال الاقتصادي إلى الأفضل، نتيجة تزايد الأزمات السياسية التي تعرقل مسيرة التنمية وتعيق مساعي تحسين حياة الناس، وتحول الحلم الجميل بتحسن الحال وتبدل الوضع إلى كابوس مزعج يراود الجميع. ويزيد من تأجيج تلك المشاعر باليأس تنامي الفجوة واتساعها يوماً إثر يوم بين طبقات فقيرة ومسحوقة تأكل الثرى، أو تقف في طوابير طويلة أمام بعض المحلات والمراكز التجارية بحثاً عن صدقة يتبعها «مَنّ وأذىً كثير» وخاصة منهم «محدثي الثراء أو محدثي النعم» - الذين يزدادون غنى وثراء، ويتباهون باقتناء كل جديد في عالم السيارات والفيلات الفخمة والأثاث الفاخر والملابس على أحدث موضة، وغيرها من مظاهر البذخ والترف المبالغ فيها، دون أن يجرؤ أحد على سؤالهم: من أين لكم هذا؟! وحتى إن سأل فلن يجد إجابة مقنعة وشافية ..
في انتظار أن تتنبه الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد إلى نبش ملفات بعض هؤلاء من «محدثي الثراء» - ممن يقعون ضمن دائرة اختصاصها - وتحيل ملفاتهم إلى نيابة الأموال العامة للتحقيق في مصادر تلك الأموال، لتعيد إحياء الأمل في نفوس كثير من مواطني هذا البلد في تحقق العدالة ولو جاءت متأخرة وبطيئة. في انتظار تحقق ذلك، تُرى إلى متى سيبقى الخيار لكثير من أبناء هذا الوطن: العيش في وطن يعشقونه حد الجنون لا يملكون فيه أدنى فرص العيش الكريم، أو الهجرة والهوان خارج أرض الوطن بحثاً عن فرصة لتحسين الدخل .. وتوفير سبل العيش الكريم، ليواصلوا رحلة لا تنتهي في الحنين إلى وطن سعيد ... نحلم به جميعاً.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.