كان الجو عادياً حين خرجت من السيارة باتجاه أحد المحال التجارية، وبعد خطوات قليلة، هبت عاصفة قوية، حملت إلي قنابل من الورق، وكتلاً من الرمال المتحركة، مال معها العقال الذي أضعه على رأسي، مما جعلني لا إرادياً أشيح بوجهي عنها، ومشيت مضطراً مشية الأعمى إلى هدفي، لأنني لم أستطع وقتها فتح عيني من شدة الغبار، لأنزوي في المحل الذي قدمت إليه وأنا أردد . . الحمد لله الذي رد عليَّ بصري . هذه الحادثة ذكرتني بحوار طويل مع أحد الذين عرفت عنه أنه ريح خفيفة منعشة، إن هبت فهي كنسيم الصبا، وإن تحركت باتجاه التواصل، حركت معها سحب الخير، وإن تحدث عن العمل الذي يقوم به غيره ممن تربطه به علاقة حميمية أعطاه حقه، وأنصف الجهد المبذول ورفعه مكاناً عليّا، وإن مشى معك، علم الجميع أن بينك وبينه ود قديم، وصداقة تقف شامخة كالجبال الرواسي، ولا يمكن لأي ريح أن تحركها أو تؤثر فيها، وكأنه يقول كما قال الأول: فإنك شمسٌ والنجوم كواكبٌ . . إذا طلعت لم يبدُ منهنَّ كوكبُ، بل ويتعدى ذلك إلى عرضه كل خدماته اللوجستية والمعرفية، للمساهمة في نجاح أي مشروع تقوم به، والمشاركة بقلمه وجهده ووقته من أجل إظهار هذا الود والتآلف بينه وبين الشخص "الصديق" أو المؤسسة "الصديقة" وعليك في المقابل أن تتناغم مع هذا الجو الأخوي، وأن تغض بصرك عن أي إخفاق أو زلل أو تمرد في الرأي وشطحة فكر، وأن تظهر هذا الصاحب على أنه أحد المبدعين الكبار، وربما لن يصل بك الأمر إلى هذا حين تكون منطقياً وأميناً في الحكم على تجارب الغير، لكن الألفة تجعلك تجامل كثيراً، وتعمل على أن تجمل الصورة، وتمسح غبار الضعف والوهن وتجاعيد التجربة والإبداع عنها، كي يراها الغير صورة ناصعة صافية، حتى وإن كنت غير مقتنع بأطروحاته الغريبة التي لا تستند إلى دليل عقلاني أو معرفي، وبهذا تسير الأمور كما تحب، ويكون التعاطي بينكما "سمن على عسل" مع أنها تكون في بعض الفترات علاقة شد وجذب، وكر وفر، يرتفع فيها الصوت، وتكبر مساحة التنافر لتصبح هذه الحالة شبيهة بعلاقة "الجنّي بالثوم" . الاختلاف مع شخص ما في وجهة نظر، ليس نهاية لمشروع أو حلم أو هدف، فربما يكون التدوير للفكرة تصحيحاً لمسار عملية ما، ويأتي بنتيجة أفضل من خلال تدارس تلك الفكرة، والتعديل على بعض فقراتها ومفاصلها، ثم تنفيذها حسب هذه الرؤية المعدلة، والتعاصف الذهني مطلوب في بعض الأحيان، إذا كان الموضوع يحتاج إلى النظر إليه من زوايا مختلفة، فالعين الواحدة قد لا تبصر جيداً، واليد الواحدة لا تستطيع التصفيق، والعمل الثقافي يحتاج إلى جهد جماعي من أجل إبرازه بصورة تليق بما وصل إليه من ألق وتميز، لكن القضية ليست في اختلاف وجهات النظر، إنما في العاصفة التي تهب عليك من دون سابق إنذار، ولا تستطيع رصدها بأجهزة الرصد الأخوي . هناك من يتحين فرصة خطئك في حقه حتى وإن كان الخطأ غير مقصود، لتبدأ بعد ذلك عملية الانقلاب على شرعية الأخوة الوهمية، ويثور بركان الشتم، وزلزال القذف والتنقيص، وبدلاً من أن تكون المبدع الفاعل في أنشطتك وبرامجك، تصبح المخطط السيئ، والمسؤول الفاشل، وصاحب المؤسسة التي لا تقدم جديداً أو إبداعاً، هكذا يكون حال بعض الذين لا يكون تعاملهم مع الغير إيماناً، إنما نفاقاً من أجل مصلحة، وكما يقول الشافعي: ولا خير في ود امرئٍ متلوّنٍ . . إذا الريحُ مالتْ، مال حيث تميلُ .