محمد المخلافي من خلال حوار خاص أجريته مع الشاعر اليمني معاذ حميد السمعي، انكشفت لي تفاصيل رحلته العميقة التي لم يكن طريقها إلى ذاته مفروشًا بالورود، بل كان أشبه بالسير في بلاد الجن. ليس سهلاً أن تكون صديقًا لكل شيء عدا نفسك. بهذه الكلمات بدأ حديثه، مؤمنًا بصداقة الفكر أكثر من أيّ شيء آخر، لكنه وجد أن أقصر المسافات بينه وبين ذاته تمتهنها ظروف وعرة، والولوج إليها يشبه السير في بلاد الجن. ينحدر معاذ من بيئة صاخبة إلى أقصى حدود الهزيمة والخذلان. من قرية صنمات، مسقط رأسه، التي يحمل اسمها غرابة الحظ وحنينًا لا ينتهي. تقع القرية في الناحية الشرقية من جبل صبر في مديرية المسراخ بمحافظة تعز، صغيرة بحجم نص أدبي، تجلس القرفصاء على مشارف التل "كنسر مسن"، كما يصفها، حاضنةً للشمس والغيم معًا. في هذا المكان، ترعرع في منزل أشبه بنفسه: قبو ريفي قديم بالكاد يستطيع المرء الوقوف تحت سقفه المتدني، كان أشبه ب كوخ عالق في حنجرة الصخر يتشاركه مع أهله، ومع الله، كما يقول، ومع نجمتين تكبرانه بمساء، ونبض أمه، والبرد والريح والشمس والمطر، وكف أبيه المبلول برشح الحقل. في سنواته الأولى، تعاون جده وأبوه على تلقينه ما تيسر من سور القرآن والأحاديث والحكم والأشعار المأثورة، ورغم تمرده المستمر وتعرضه للعقاب المتواصل، استطاعا أن يغرسا في ذهنه المبادئ الأولى للقراءة والكتابة، ليلتحق بعدها على مضض بمدرسة المجد الإعدادية في قريته. لم تكن المدرسة أحسن حالًا في التلقين، أو ربما لم يكن هو مستعدًا للتلقي. المسلك الوحيد الذي كان يجد في نفسه الرغبة فيه والانبساط له كان تلك الأمور المتعلقة بالفصاحة والشعراء والقصص المروية. كانت حصة التعبير هي الجانب الهادئ والسعيد في تلك الفوضى، خاصة إذا كان الموضوع مفتوحًا ينطلق فيه بحرية. هذا السلوك الأحادي كان يفرح جده، الذي كانت له ميول واضحة للفصاحة والأدب، بينما كان يغضب الآخرين. في الفصول الإعدادية، جاءت البصمة الثانية من مدرس مصري اسمه حسن، كان يلقي نصوص معاذ التعبيرية في إذاعة المدرسة ويخبره بلطف: أنت شاعر. في هذا الوقت المبكر، وتحديدًا قبل أن يتجاوز الثالثة عشرة، تزوج بسبب ظروف أسرية وضغوط العرف الاجتماعي الذي كان – ولا يزال في جزئية منه – يقتضي ذلك. في نفس الفترة، وجد على رف قديم في منزل جده كنزًا أدبيًا: ديوان الشافعي، وصوفيات ابن علوان، ومسودة تحتوي على قصائد المعري وطرائف أبي نواس، فالتهمها حفظًا "بجوع أسير". مرحلة الثانوية لم تكن أحسن حالًا، مزقته بين مدرستين متباعدتين: مدرسة الجند النجادة ومدرسة الإنقاذ الصراري. كان يقطع مسافات طويلة يوميًا على قطع من "السقيع والجحيم"، كما يصف، من دون أن يعود بفائدة سوى ممارسة رياضة العدو في الجبال والأودية. في هذه المرحلة، بدأ محاولات الكتابة الحقيقية، كان يكتب قصائده على الورق وأجنحة الكتب وعلب السجائر. نادرًا ما كان يقرأها لأحد سوى صديقه المقرب و"تلك الفتاة الفطساء" بنت طفولته، التي كانت دهشة ماضيه وأم قصائده للأبد، والتي أخبرته ذات مساء: إن ليس للمرء أن يكون عاشقًا حقيقيًا إلا حينما ترشح أنامله بالقصائد وتخرج الأغاني من فمه ملونة كالعصافير. عندما حاول مشاركة شعره مع جمهور أوسع، تعرض للاستهزاء والاتهام بالسرقة، فكسروه وأدمعوه بقهر، فقرر الانكفاء. لكن التحول الكبير جاء عندما وصلت بعض نصوصه إلى الشاعر الكبير محمد سعيد عبد الله، أجمل وأبلغ من يتحدث أو يكتب شعرًا في المنطقة بمجملها، كما يصفه. هبط الرجل بكبره إلى حجرة الصبي، جلس معه كالند للند، مسح على رأسه كأنه نبي، وقال له: أنت شاعر حقيقي يا بني، فقط عليك أن تخوض التجربة بشجاعة وإقدام، ألا تخشى أحدًا. أهداه يومها حزمة من الكتب الأدبية التي حفظ منها أجمل ما قيل في الحب، والديوان الكامل للمتنبي وكتيبات للبردوني. ظل الرجل يرعاه ويبادله المحبة والنصوص والرسائل حتى توفاه الله. يقول معاذ: لست ممنونًا لأحد بعد أبيه كما أنا ممنون لهذا الرجل. بعد الثانوية، التحق بالخدمة الإجبارية لعامين، وكانت لهذه الفترة أثر بليغ في صقله، وحظي فيها بفرصة وافرة للقراءة في مكتبة جميلة بالقرب من المنشأة التي كان يخدم فيها، قام عليها رجل طيب فتح له قلبه قبل رفوفها. في العام 2002، غادر القرية بكل جمالها وبؤسها إلى المدينة، حاول جاهداً التوفيق بين إعالة أسرته وإكمال تعليمه الجامعي لكنه فشل، فقرر بعد عامين خوض تجربة الغربة. برغم أنه يعيشها في بلده وبين ناسه، لكنه أراد أن يتعرف عليها أكثر خارج الوطن. في الغربة، لم يكن هناك سوى الوجع وخواطر القلق وقصائد ملغومة بالويلات. عمل في مهن شتى، لكنه منح كل فراغه لمكتبة العبيكان، حيث تعرف على بعض الشعراء والمهتمين بالأدب، وانطلق منها لأول مشاركة له بدعوة إلى مؤتمر أدبي في تونس، قضى فيه أيامًا بين شعراء وكتّاب وفنانين، شعر فيها أنه أوشك أن يعثر على مكانه الصحيح. في العام 2012، قرر العودة النهائية من الغربة، وكان لتلك العودة وقع الحياة والقيامة في آن. اكتشف أن مستواه التعليمي والثقافي أصبحا أضعف من أن يساعداه، فعزم على مراجعة مستوياته التعليمية من البداية، وحصد خلال عامين ما لم يحصل عليه في المدارس الحكومية بمستوياتها الثلاث. في هذه الفترة، تردد على المقاهي والمنتديات الأدبية غير الرسمية، حيث كان يلتقي برفاق يغسلون فيها ملامحهم ثم يعلقون قصائد الهذيان بأقبية الجدران. ومع بداية 2014، جاءت الدعوة الكريمة من الأستاذ محمد فارع للوقوف على منصة مؤسسة السعيد الثقافية، الواجهة الأدبية الأعظم في البلاد، جنبًا إلى جنب مع كبار الشعراء. في تلك الأمسية، حصل على المركز الأول في مسابقة "آلق" للقصيدة العمودية على مستوى المدينة. في الأثناء، ابتسم له القدر مرة أخرى بأشخاص من الضوء بحجم المهندس عبد الكريم النعمان والشاعر ياسين عبد العزيز، الذين أخذوا بيده، أشذبوا حدائقه، رعوا شتائله، أقاموا اعوجاجه ودفعوا به إلى الأعلى. بدأ يشعر بنشوة الحضور ويلتمس المشهد بشكل فعلي، حتى "وقعت السماء" مع بداية الحرب في 2015، وآذنت بنزوحه الأول. لم تكن عدن المهوى الأخير، عاد إلى القرية أولاً لكنه لم يجد مساحة تكفي لنكساره. "ركلته مع نهاية 2015 نحو البحر، ربما لاعتقادها أن المحيط أكثر احتواءً للجثث"، كما يقول. كل هذه الرحلة، بقي معاذ ذلك الإنسان المنسي في جغرافية النص الذي ليس له شكل ثابت، ف"كل خمس هزائم تتغير ملامحه وطباعه". يمارس طقوس الكتابة بجهد، يتعثر، ينطلق، يسقط، يطير، ينحني، يستقيم. هو نتاج تلك العلاقة الغامضة بين الشاعر والإنسان. هرب إلى الشعر في وقت مبكر، لا يدري مما هرب: ربما من نفسه وطفولته البائسة، ربما من مواعيد الغد الكاذب، ربما من توجسات فتاته الأولى وألاعيبها القديمة. لكنه ألف عزلته ك"ناسك شريد يذوي على ضفاف الحرف، يهش سوداوية المساء بخيباته ويوكز السماء بأحلامه المنكسرة". يعيش النص بكل قوالبه وأشكاله، كضرورة روحية أكثر من كونها تقليدية صرفًا. بمناقضاته الأزلية التي تعكس العلاقات الحسية بين بني الأجناس المتقاربة، وتجدده الروحي كأبدية إبداعية للمقاربات الخفية. على الرغم من كل ما كتب، فهو على قناعة أنه لم يبدأ بعد، وأن ما نشره لا يتجاوز كونه حزمة من البواكير ومجرد بدايات ومحطات نسقط فيها كالمسامير على حشود الغد. من أعماله: حب وحرب، دموع كثيرة لعيد واحد، ومؤخرًا صدر له ديوان "لعنة الكيبورد" عن سلسلة إشراقات برعاية أدونيس، عن دار أبعاد للطباعة والنشر والتوزيع في بيروت – لبنان. لديه العديد من المشاريع الأدبية، فهو منكب منذ سنوات على إخراج مخطوطة روائية طويلة تغلب فيها تجربته الحقيقية في السرد، وعمل روائي آخر كان قد أنصفه وأرجأه، بالإضافة إلى مجموعتين شعريتين: كمين في الهواء و أشواق معدنية تحت الطبع. يرى معاذ أن الإنسان هو المفتاح الأول لأنسنة المحيط، وهذا ما يسعى إليه: لا شيء أكثر من أنسنة نفسه. بالنسبة له، الكتابة ليست صيدًا للكلمات، بل هي تأتيه كما تأتي "تلك الجنية بمكالمة عابرة للخيالات والأزمنة، برسالة غير متوقعة الهطول، بزيارة خاطفة كالبرق توقد فسيل العشب في أعماقه". النص يباغته ويمضي، وهو يلهث خلفه متحاشيًا الوقوع في الوحل. الكتابة عنده نافذة غريبة مشغولة بالحياة ومأهولة بالموت، نلقي فيها خيباتنا بأناقة ذئب في نهار ماطر، لا لشيء إلا لنوجع الأجيال القادمة. الحياة كانت معلمه الأول والأقسى، كل خسارة مرت به تحولت إلى نفس شعري، وكل لحظة هشاشة تركت وراءها جملة ما كان ليكتبها لولاها. يقرأ كثيرًا لا ليقلد بل ليكتشف حدوده، وكل شاعر مر به كان مرآة يرى من خلالها وجهه الآخر. يؤمن أن النمطية العربية هي التي تحدد مساراتنا، والمشهد اليمني انعكاس حاد للأمة العربية المتناثرة على الخريطة. التغيرات الحقيقية منوطة بالشاعر المعاصر ذي المشارب المتعددة، الذي لا يعنيه الشكل بقدر ما يعنيه المحتوى، حيث الفكرة هي التي تحدد الشكل الذي ستنفجر خلاله. على الرغم مما قيل عن الشاعر بأنه راءٍ أو نبي، فعليه أن يعرف بحسه الإبداعي أنه ليس ناقلاً للواقع، بل هادمٌ له ومعيدٌ بنائه من جديد. وليتمكن من ذلك، عليه أن يمر بشرطين: الهدم الكلي للواقع الراهن، ثم إعادة ترتيب عناصره بالطريقة الأقرب إلى تحريره في الداخل كما في الخارج. هكذا هو معاذ السمعي: شاعرٌ لا يزال يبحث عن طريقه، يشذب القصائد المعرشة على الرصيف، ويحمل في داخله ذلك التناقض الأبدي بين الإنسان والشاعر، بين الهروب والمواجهة، بين القبو والقصيدة. من ديوانه الأخير لعنة الكيبورد: لعنة الكيبورد تطوف في مخيلتي كنصّ. مللتُ حبكِ بالطرق القديمة والأساليب البالية، مللتُ حبكِ بكسل جميل بثينة، وخمول قيس ابن الملوح، مللتُ حبكِ بأسلوب «روميو» ومراياه الخجولة، مللتُ حبكِ بسيف عنترة الذي لا يقطع شيئًا سوى حناجرنا على الورق. الحبّ يا صفصافتي صار مستهلكًا باهتًا مزيفًا، وسيف عنترة لم يعد صالحًا بل حتى سكينًا لمطبخ تندر الحاجة إليه لتقطيع بصلة. فدعيني أفتش عن طريقة أحبكِ فيها بعيدًا عن أسوار قريتنا المأهولة بالبنادق والمتارس، بعيدًا عن قبائلنا الموصومة بسعال الليل وسلطة الصبيان، بعيدًا عن هذا الأزرق المكتظ بالأنياب والأظافر والأقنعة. دعيني أفتش عن طريقة تكونين فيها الماء، وأكون فيها الريح والموج والتل والعاصفة. طريقة أحبكِ فيها بجراءة المفتي وبراءة الذئب، بصلابة الثلج وثقة العوسج. أحبكِ فيها بتكاثر البكتيريا وديمومة البلهارسيا وتوغل كورونا في جيوب الكوكب، بأسلوب الليل وأسلوب الغيم وأسلوب القناديل الكهرمائية في المحيطات البعيدة. طريقة أكثر جنونًا من جماهير البرسا وأكثر توحشًا من مخالب النمور وأكثر غرابة من كاميلو بارد في أطراف الكون. ما رأيك الآن لو أجرب طريقة إيمانويل ماكرون وبريجيت ترونيو وأحبكِ فيها لبعض الوقت؟ أجد الأمر أكثر جنونًا ومحفوفًا بالمخاطر.