اصابة 5 مواطنين اليوم السبت بقصف سعودي على صعدة    مفتاح يتفقد مشروع قناة تصريف مذبح ويزور مدرسة الشهيد الحمدي    وقفات قبلية في حجة تأكيدًا للمضيّ على نهج شهيد القرآن والشهيد الصماد    مانشستر سيتي يهزم وولفرهامبتون بثنائية ويضيق الخناق على آرسنال    صنعاء: تكريم كوكبة من المجازين في القران الكريم    وزارة الاقتصاد: إعادة تشغيل المصانع المعطلة أولوية في خطة توطين الصناعات    مليونية عدن... إسقاط التخويف وتأكيد المسار نحو استعادة الدولة    مأرب: ورشة عمل لتعزيز تمكين المرأة في الأحزاب والتنظيمات السياسية    عدن.. زوج يقتل زوجته طعنًا قبل أن يُقدم على الانتحار    تعز.. مقتل طبيبة برصاص مسلحين في شرعب    الوالي: التعايش مع اليمن في ظل الوحدة مستحيل وتجربتها أثبتت فشلها    وصول أولى دفعات منحة المشتقات النفطية إلى محافظة سقطرى    الشعب الجنوبي يقرر مصيره: وحدة الصف وقوة الإرادة طريق الحسم    الأرصاد: طقس بارد إلى بارد نسبياً على المرتفعات والصحارى    وفاة مختطف تحت التعذيب في سجون مليشيات الحوثي الارهابية بصنعاء    قفزة تاريخية.. الذهب والفضة يسجلان مستويات قياسية غير مسبوقة عالمياً    في ذكرى استشهاده.. الحديدة تجدد العهد لمشروع الرئيس الصماد: "يدٌ تحمي ويدٌ تبني"    تسجيل هزة أرضية في محافظة ذمار    تعرض منزل إعلامية في مدينة إب لإطلاق نار    إنتر ميلان يعاقب بيزا ويعزز موقعه في صدارة "الكالتشيو"    إيران تحذر: أي عدوان سيشعل حربا شاملة    مقتل واصابة 89 شخصا بانهيار أرضي في إندونيسيا    لماذا تدهورت العلاقات بين السعودية والإمارات ؟!    محافظ البيضاء يتفقد سير الأداء ومستوى الخدمات في مركز عفار الجمركي    الاطلاع على نماذج الجمعيات التعاونية الناجحة في الحديدة    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد "نسيان على معدة خاوية"    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد "نسيان على معدة خاوية"    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد "نسيان على معدة خاوية"    شرطة تعز تكشف عن رقم صادم للفارين من وجه العدالة والقضايا غير المضبوطة    قيادي حوثي يشرع في الاستيلاء على حرم جامعة ذمار وسط احتجاجات أكاديمية    رسمياً: الاتفاق الاماراتي يتعاقد مع بالوتيلي    ارتيتا يشيد بأفكار كاريك قبل مواجهة يونايتد    غلطة سراي يحسم صفقة ياسر أسبريلا من جيرونا    الأرصاد تحذّر من برودة واضطراب البحر    ماذا عن استكمال التعافي الاقتصادي؟    نقل الفنان محمد صبحي للمستشفى    رئيس هيئة النقل البري يوجّه بنزول ميداني للاطلاع على أسباب احتراق حافلة ركاب في نقيل العرقوب بأبين    بالوثائق .. تمرير صفقة فساد لصالح شركة نفطية تابعة لنجل رشاد العليمي    اليوروبا ليج: روما يهزم شتوتجارت، وتأهل فيلا وليون وفرايبورج لدور ال 16    تحركات عسكرية أميركية في الشرق الأوسط وسط تصاعد الاحتجاجات في إيران    مدرب السنغال يفسر قراره بطلب الانسحاب من مواجهة المغرب    وحدة الصف روحها المبدأ والتضحية    ندوة علمية تدعو لبناء اقتصاد إبداعي قائم على حماية الملكية الفكرية    السامعي يزور معرض للسيارات الروسية والصينية ويطلع على نشاط الاكاديميات الرياضية    اتحاد كرة القدم يحدد موعد المباراتين الفاصلتين لتحديد الهابطين للدرجة الثالثة    مناجاة الأمة الإسلامية    الحديدة.. مناقشة خطة دعم وتفعيل دور الفنانين والمبدعين    5 عادات يومية تضع الغدة الدرقية في خطر    علماء اليمن من صعدة: الدفاع عن القرآن ونصرة فلسطين واجب ديني وأخلاقي جامع    مجلس الوزراء السعودي: تدشين حزمة مشاريع في اليمن لتعزيز الأمن وتحسين الظروف المعيشية    ارتفاع مخيف للاصابات بمرض الحصبة خلال عام.. وابين تتصدر المحافظات اليمنية    باحثون يحذّرون: ساعات اللعب الطويلة تقود إلى أنماط حياة غير صحية    مكتب الهيئة العامة للزكاة بأمانة العاصمة ينفذ زيارة تفقدية إلى أحد المستشفيات النموذجية    فقه الكهف: استراتيجية الثبات وصناعة اليقين في زمن المتغيرات    مرض الفشل الكلوي (37)    شكوى الأستاذ عبدالفتاح جمال قبل أربعين عامًا    كيف يتفنّن الطغاة في صناعة المبررات لجرائمهم؟    احصائية مخيفة للسرطان في محافظة تعز    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بطء العدالة.. عندما يتحول ميزان الحق إلى سباق للصبر: دعوة لإصلاح هيكلي للقضاء
نشر في 26 سبتمبر يوم 24 - 10 - 2025

(قراءة من سلسلة الحقوق والحريات في الإسلام، المجلد الثاني، للعميد القاضي الدكتور حسن حسين محمد الرصابي)
تُعد العدالة الركيزة الأساسية لأي مجتمع ينشد الاستقرار والكرامة، ومقياس حضارته الأول. لكن، ما القيمة الحقيقية لحق مؤكد لا يرى النور إلا بعد أن يكون صاحبه قد استنفد عقودًا من عمره في أروقة المحاكم؟ إن المشكلة ليست في غياب العدالة بحد ذاتها، بل في تأخرها المُهين والمُكلِف، حتى يتحول ميزان الحق إلى سباق للصبر، يصبح فيه العمر ذاته ضحية من ضحايا المرافعات التي لا تنتهي.
هذه ليست مجرد شكوى عابرة، بل هي قراءة لواقع قضائي مؤلم حيث تظل بعض النزاعات عالقة لعشرين عامًا أو أكثر، كأنها قضايا مؤجلة إلى أجل غير مسمى. إن الظلم الحقيقي لا يقتصر على أن يُسلب منك حقك، بل أن تُجبر على الانتظار لعشرات السنين لاستعادته، وهو ما ينسف الفلسفة الجوهرية للعدالة التي تقوم على قاعدة أن: "الحق إذا تأخر عن وقته، فقد الكثير من معناه".
في هذا المشهد، يجد المعتدي على النفس أو المال أو الأرض أو العرض الجرأة للوقوف أمام المحكمة بابتسامة واثقة، لأنه يدرك يقينًا أن بنية النظام القضائي الراهنة تمنحه رفاهية المماطلة والتعطيل، وأن الحكم لن يصدر إلا بعد أن يكون الخصم قد أرهقته الأيام، أو فقد القدرة المادية أو المعنوية على المتابعة. هذا الواقع يطرح الحاجة المُلحة إلى دعوة صريحة ومباشرة لإصلاح حقيقي وجذري في منظومة القضاء بأكملها.
إن الحديث عن "إصلاح القضاء" يجب أن ينصرف عن التشكيك في نزاهة الأشخاص، أي القضاة الكرام الذين يعملون ضمن حدود القانون، ليركز على إصلاح الهياكل والبنية التحتية والأدوات التشريعية التي تعمل بها هذه المنظومة.
ثلاث محاور للإصلاح الهيكلي المطلوب
لتحرير العدالة من قيود البطء والتعطيل، يجب تبني إصلاحات جريئة تنصب على المحاور التالية:
1. تجديد قانون المرافعات والإجراءات:
إن قانون المرافعات، الذي يُعتبر "بوصلة" العمل القضائي، قد أُكل عليه الدهر وأصبح في صورته الحالية أداة تخدم المماطلة أكثر مما تسهل الوصول إلى الحكم. يتيح النص القانوني الحالي للمحامي – ضمن القانون نفسه – أن يرفع ويؤجل ويطلب استئنافًا ونقضًا وردودًا لا تنتهي، مما يحول القضية من مسار بحث عن الحق إلى مسلسل لا نهائي من الإجراءات الشكلية.
الحل يكمن في: صياغة قانون مرافعات عصري يضع سقفًا زمنيًا واضحًا لإنجاز كل مرحلة من مراحل التقاضي، ويُقيد مساحة التعطيل الممنوحة للأطراف، مع منح القاضي صلاحيات أوسع لإدارة الجلسات بحزم نحو الإنجاز، وتقليص عدد درجات التقاضي غير الضرورية في القضايا البسيطة أو المكررة.
1. تطوير البنية التحتية والتحول الرقمي للمحاكم:
لا يمكن الحديث عن سرعة في التقاضي بينما تفتقر محاكمنا إلى الأساسيات العصرية. الاعتماد على الأرشفة الورقية، وغياب الربط الإلكتروني الشامل بين المحاكم والجهات ذات العلاقة، والافتقار للتوثيق الآلي الفعال، جميعها عوامل تُبقي القضايا رهينة التأخير الإجرائي.
الحل يكمن في: استثمار حقيقي في البنية التحتية الرقمية، يشمل الأرشفة الإلكترونية المتكاملة، وتفعيل منظومة الربط الإلكتروني القضائي، وتخصيص قاعات جلسات كافية ومجهزة، وفرض مساءلة زمنية دقيقة على تأخير القضايا، ومكننة إصدار الإعلانات والتبليغات القضائية لتقليل الاعتماد على الأساليب التقليدية البطيئة.
1. تنظيم مهنة المحاماة بضوابط مهنية وأخلاقية صارمة:
للأسف، يتعامل بعض المحامين مع القضايا كأنها زبائن في محل تجاري، كلما طال بقاؤها زاد ربحها، دون اعتبار لمعاناة صاحبها أو لتكدّس العدالة. هذا السلوك يهدد قدسية المهنة ويستغل الثغرات القانونية لتعميق جراح المتقاضين.
الحل يكمن في: إصدار قانون جديد لمهنة المحاماة يشدد على معايير المهنية والضمير قبل المصلحة المادية. يجب وضع ضوابط واضحة لمكافحة المماطلة التي هدفها الإضرار بالخصم، وربط أتعاب المحامي - جزئياً - بالإنجاز الزمني للقضية وليس فقط بطول أمدها، مع تفعيل آليات رقابية صارمة لمواجهة الاستغلال الإجرائي للقانون.
القاضي.. أسير النص
من المهم الإشارة إلى أن القاضي في كل هذا المشهد هو مقيّد ب "القانون" وليس بصلاحياته الشخصية المطلقة. إذا كان القانون الحالي يسمح ويفتح أبواب التماطل والتأجيل والإطالة، فإن اللوم لا يجب أن يوجه إلى القاضي النزيه، بل إلى النظام التشريعي الذي يفرض عليه أن يسير وفقه. القاضي يطبق النصوص، فإذا كانت النصوص قاصرة، فستكون مخرجات العدالة بطيئة.
خاتمة
إن العدالة ليست مجرد شعار يُرفع أو منشور يُنشر، بل هي منظومة متكاملة ومتشابكة تبدأ من جودة التشريع، مرورًا بمهنية التنفيذ، وتنتهي بضمير كل من يعمل في هذا الحقل. ما لم نقم بإصلاح هذه المنظومة القانونية والإجرائية إصلاحاً جذرياً وشاملاً، فستبقى العدالة بطيئة، وسيبقى المظلوم مظلومًا، حتى بعد أن يُكتب له حكم بالنصر، لأن هذا النصر سيكون قد جاء متأخراً جدًا، بعد أن سرق البطء أغلى ما يملك – وهو عمره.
لقد آن الأوان لكي نُعيد للحق معناه، وللعدالة سرعتها وكفاءتها، وللشعب ثقته في أن اللجوء إلى القضاء هو فعلاً لجوء إلى الملاذ الآمن.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.