سمر الكدهي في البدء، قبل أن يكون للزمان زمان، وقبل أن يُسطَّر في الألواح قَدَر، كان نوره صلى الله عليه وسلم هو فاتحة كتاب الوجود. قبل أن يتنفس الفجر أنفاسه الأولى على جبين السماء، وقبل أن يكون للوح المحفوظ مداد أو للقلم صرير، كان هذا النور سابحًا في ملكوت الجلال، قنديلًا معلقًا بعرش الرحمن، والسر الأعظم الذي طُوي في خزائن الغيب. بشرى الغيب وإشراق النور ولما أراد الله للكون أن يكون، لم يكن ميلاده في بطحاء مكة مجرد صرخة وليدٍ شقّت سكون الصحراء، بل كانت صرخة الوجود نفسه وهو يستقبل روحه. فما كان مولده إلا تجليًا لذلك النور الأزلي في هيئة بشر، وما كانت طفولته إلا إعلانًا بأن السماء قد قررت أن تصالح الأرض. كانت تلك اللحظة هي الميقات الذي انتظره التاريخ، واللحظة التي استردت فيها الأرض معناها وتزينت لاستقبال سيدها الذي من أجله قامت السماوات وامتدت الأراضين. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الحديث عن مولده استعادةً لذكرى، بل صار وقوفًا خاشعًا على أعتاب حضرته، ومحاولةً لاستنشاق شيءٍ من طيبه الذي ملأ الأكوان. واستنشاقُ هذا الطيب ليس بفعل الجوارح، بل بتوجّه الأرواح؛ بأن تُحاذي ببوصلة قلبك جهة الحقيقة المحمدية، وأن تُفرغ وعاء روحك من كل شاغل لتكون قابلًا لفيضه، وأن تُرسل صلاتك عليه لا كحروفٍ تُنطق، بل ككيانٍ من نور ينفصل عنك ليتصل به، فيعود إليك حاملًا سرّه. الشعر في حضرة النور المحمدي حاول الشاعر اليمني الكبير عبد الله البردوني أن يلامس طرف هذه الحقيقة، فرسم بريشة الشوق لوحة تبدأ من الغيب وتنتهي بإشراق الفجر، فقال: بُشرى مِنَ الغَيبِ أُلقَت في فَمِ الغارِ وَحيًا وَأَفضَت إِلَى الدُنيا بِأَسرارِ بُشرى النُبُوَّةِ طافَت كَالشَذى سَحَرًا وَأَعلَنَت في الرُبى ميلادَ أَنوارِ لم تكن هذه البشرى إلا تجليًا للسر الإلهي الأعظم، وللوحي المتجسد في صورة بشرية، كما عاد البردوني ليغوص أعمق في هذا المعنى، قائلًا: يا سرَّ "طه" و "ياسينَ" الذي نزلتْ بهِ البشائرُ من "عَمَّ" إلى "النَّبَأِ" يا طفولةَ فجرٍ لم يكنْ بشراً لكنَّهُ كانَ وحيَ اللهِ في صَبِي لولاكَ ما فُهِمَتْ للرملِ حكمتُهُ ولا أضاءَ ظلامُ الحرفِ في الكُتُبِ علامات كونية شهدت لسيدها وكيف لا يشهد الكون لسيده؟ إن قصة أبي لهب ليست للتسلية، بل هي آيةٌ في ميزان العدل والفضل الإلهي. فانظروا بعين البصيرة: هذا رجلٌ قامت عليه الحجة، وختم الله على قلبه بالشقاء، لكنه لما فرح ساعةً بمولد "النور" – لا إيماناً به، بل حميّةً وعصبية – أثابه الله على تلك الفرحة العابرة بتخفيفٍ من العذاب! إنها إشارةٌ ربانية تقول لكم: إن مجرد الفرح بهذا النبي هو عبادةٌ في ذاته، وفعلٌ تهتز له أركان الملكوت، وتستبشر به ملائكة السماوات. * فمن أراد أن يعرف الله، فلينظر في مرآة سيدنا محمد. * ومن أراد أن يصل إلى الله، فليسر على خُطى سيدنا محمد. * ومن أراد أن يحب الله، فليُشعل في قلبه نار محبة سيدنا محمد. ففي تلك الليلة، لم تحتفل السماء وحدها، بل تكلمت الأرض بلغتها. اهتز إيوان كسرى، لا حزنًا على ملكٍ سيزول، بل خشوعًا لجلال من سيأتي. وخمدت نار فارس، لا انطفاءً، بل أدبًا في حضرة النور الحقيقي. وجفت بحيرة ساوة، لا عطشًا، بل لتعلن أن كل ارتواءٍ من دونه سراب. وفي مكة، سجدت الأصنام الحجرية على وجوهها، معلنةً بفطرتها ما جحدته عقول البشر. كل شيء كان يهمس: "لقد جاء سيد العالمين". المولد: بوابة المعراج إلى حضرة الحق إن المعجزات الكبرى لا تُمنح إلا لمن كانت حياته كلها معجزة. وقبل أن تطأ قدماه الشريفتان السماوات العُلا، كانت أخلاقه قد بلغت من الكمال ما يعجز عنه الخيال. لقد أعدّه الله إعدادًا يليق بمن سيحمل رسالته؛ فوُلد يتيمًا لتكون عين الله وحدها هي التي ترعاه، ونشأ "صادقًا أمينًا" في زمن الكذب والخيانة، ليكون برهانًا حيًا على أن الطهر ممكن حتى في أقسى الظروف. كان صمته وتأملاته في غار حراء محرابًا ناجى فيه الكون قبل أن يناجي ربه، كما لمحه البردوني: وكان صمتُكَ أبلغَ من فصاحتِهمْ لأنّهُ كان حُمَّى البحثِ والسَّهَرِ صمتُ التفكُّرِ في الأكوانِ، في مَلَكوتِ اللهِ، في قصةِ الإنسانِ والحجرِ كانت كل خطوة في حياته تهيئةً إلهية للقلب الذي سيحمل كلام الله، وللروح التي ستكون رحمة للعالمين. فلولا ذلك الميلاد، لما كان هناك معراج؛ فكيف لروحٍ أن تعرج إلى سدرة المنتهى وتخترق حجب النور، إن لم تكن قد وُلدت طاهرة مطهرة؟ كان مولده هو نقطة البداية على الأرض، وكان الإسراء والمعراج هو نقطة الوصول في السماء، تتويجًا وتكريمًا لتلك الروح التي هي سر الوجود. براق الشوق وموكب التكريم إن في إرسال البراق حكمة فوق الحكمة؛ فالله الذي يطوي السماوات كطي السجل للكتب، كان قادرًا على أن ينقل حبيبه في أقل من طرفة عين. ولكنه أراد أن يكون التكريم مشهودًا، وأن تكون الرحلة موكبًا، وأن يعلّم الوجود كله، من أدناه إلى أقصاه، كيف يُحتفى بمن هو سيد الأرض والسماء. فكان البراق هو السفير الذي أرسلته العناية الأزلية، والموكب الذي سبق اللقاء الأعظم، والبرهان الحسي على أن من أحبه الله، جعل له من الشوق مركبًا، ومن النور طريقًا. خاتمة: في حضرة العجز ومقام المشاركة الاعظم وها نحن، بعد هذا التطواف، نقف على أعتاب حضرتك الشريفة، لا نملك إلا صمت العجز ودموع الشوق. كيف للكلمات أن تحيط بمن كان وجوده هو الكلمة التامة؟ وكيف للأوصاف أن تدرك حقيقة من قال فيه ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾؟ ولكن، في ذروة هذا العجز، يكشف لنا الله عن سر الأسرار، وعن مقام المشاركة الأعظم الذي لم يُمنح لبشر. فكل العبادات نفعلها امتثالًا لأمره، أما الصلاة عليك يا سيدي، فهي العبادة الوحيدة التي فعلها سبحانه أولًا، ثم أمر ملائكته بها، ثم دعانا نحن المؤمنين لنشاركه وملائكته هذا الشرف السرمدي، حين قال قولًا خالدًا كُتب في اللوح المحفوظ قبل أن يُكتب في المصاحف: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. ثم يأتي البرهان الإلهي في شهادة أخرى تزلزل القلوب:﴿…وصلوات الرسول أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ…﴾. هذا هو "عين القرب". فلا يوجد مكان أقرب إلى الله من هذا المقام المحمدي، والاتصال به هو اتصال مباشر بأقرب نقطة إلى الله في دائرة الوجود. فتأمل يا من تبحث عن القرب! إذا أردت أن ترتقي إلى رتبةٍ تتشارك فيها الفعل مع ملائكة الرحمن، بل مع الملك الديان نفسه، فليس لك طريق إلا أن تجعل لسانك رطبًا بالصلاة على سيدنا وحبيبنا محمد. فبكل صلاةٍ تصليها عليه، أنت لا تؤدي فرضًا فحسب، بل تدخل في حضرة فعلٍ إلهي أزلي، وتتصل بحبل ممدود بين السماء والأرض، أوله في الملأ الأعلى، وآخره في قلبك. وكما قال العارفون في سر هذا الحب الخالد: همْ في الحبيب محمدٍ وَذَويه..إن الهِيامَ بِحُبِّهم إِنْ مَاتَ جسمُكَ فالهَوَى يحيِيهِ.. جَسَدٌ تَمَكَّنَ حُبُّ أَحْمَدَ فِيهِ.. وَاللهِ إِنَّ الأَرْضَ لا تُبْلِيهِ فيا ربنا، بحبنا له، وبشوقنا إليه، وبإقرارنا أنه الباب الأعظم إليك، نسألك أن تصلِّي عليه صلاةً تليق بجلال وجهك وعظيم سلطانك. صلى عليك الله وعلى آلك يا سيدي يا رسول الله، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته. صلى عليك الله ما تعاقب ليلٌ ونهار، وما سبّح مَلَكٌ في قرار، وفي كل لمحةِ طرفٍ ونَفَسِ روح، وما اتصلت عينٌ بنظر، وما نطق لسانٌ بخبر، صلاةً وسلامًا دائمين متلازمين إلى يوم الدين.