أعلم ان هذا المقال استثنائي جداً سيعتب علي فيه من عتبهم مقدر، ورأيهم محترم ومعتبر، فارجو أن يتحملوه وتتسع صدورهم له، فقد يرى البعيد مالا يراه الحاضر. مع انني لا أحب القسوة على أحد، لكني لا أستطيع أن أقول اقل من الواقع، لأني اعلم أن قول كلمة حق هو أشرف الفضائل وأعلاها درجة… وما الذي يمكن أن يفعله المرء مع من يسرق بيته ويهتك عرضه وشرفه ويسفك دماء أهله؟، هل يخضع له ليظفر بالسلامة أو أن يقاوم؟ ومع ذلك خضعنا فحكمنا عقوداً لم تكن مبرأة من الوسيلة والغاية معاً، ولم تكن من الحق في شيء! اعذرني ياصاحب الذات الرئاسية العليا إن كنت مضطراً لتذكيرك ببعض الحقائق… فقد بلغت أنت من الصراحة وشفافية التهكم حداً صار يجب أن يجارى، خاصة بعد ذلك الردح في يوم عيد العمال العالمي… علاوة على كل ماسبق من تصنيفات الثعبنة والتكليب… لم تعد توفر أحداً من الهجوم إلى درجة غير مسبوقة، كسياق تبريرك لأولئك الصحفيين السعوديين بأن ناس اليمن وشعب اليمن فارغين، فاضيين، أي في المحصلة تافهين... هكذا بالحرف!، "عاطلين، مافيش مع ابوهم عمل". - على كل حال هي مجرد وجهات نظر في ظواهر عامة أنت نفسك أحد نماذجها. - حتى حينئذ، لم تتمنى على الشعب ان يستغل اوقاته بالعمل والإنتاج إنتشالاً له من واقعه المزري، بل تمنيت له متابعة ركلات ريال مدريد واحذية لاعبي مانشيستر يونايتد والسهر على حمى البورصة… ذلك قال لنا الكثير!!! هناك حكاية ذات مغزى عميق تروى عن عصبة من الأنذال، صادفوا في طريقهم امرأة، أم عجوز قد احدودب ظهرها وحفرت السنين تضاريسها في الوجه الذي برز منه الأنف وغارت فيه العينان. قرر الثلاثة أن يتنافسوا على لقب أنذل انسان في التاريخ، فاقترب الأول منها وضربها حتى سقطت مغشياً عليها وقد تضرجت بدمها، وعلى الفور أعقبه الثاني الذي قهقه قائلاً بأنها تشبه سلحفاة مقلوبة على ظهرها فأجهز عليها حتى الموت. عندئذ لم يبق أمام الثالث من النذالة ما يتفوق به على الإثنين، فصاح بخبث من حقق نصراً بدون عناء وهو يركل جثتها: إن هذه العجوز هي أمي…- وبذلك استحق لقب الأنذل بين الأبناء في تاريخ البشرية، ربما بحسب موسوعة غينيس! - ومع ان هناك من يقدم نفسه نموذج لعصبة الثلاثة في آن، إلاّ أن من يروى حكاية اولئك الانذال ولا يتدخّل لإنقاذ تلك الأم العجوز، سيضاف اليهم اذا اكتفى بنقل الواقعة. لذا، صار علينا أن نحدثك بصراحة عن طريقة إدارتك للبلاد التي تتعامل معها كإسطبل حيوانات وزواحف… نحدثك، ليس شخصياً، بل بحكم أنك رئيس البلاد، وهو الأمر الذي بوأك لأن اوجه لك هذا الإعتراض، مع أنك بدون هذا المنصب كنت آخر من انتقد حديث له، أو حتى اُفكر فيه للحديث في موضوع سباكة، مع احترامي الشديد. إذا عدنا إلي تخيلاتنا كعشاق لليمن، فإننا سنجد أنك اتخذت سلوكاً سلطوياً فاقعاً لا علاقة له بقيادة شعب لا من قريب أو من بعيد، نتخيلك ربّان رحلة طيران متهالكة الى المجهول… كجوعى نتخيلك كبير طباخين تعد وجبة منذ عقود، نكتشف ان مكوناتها تراب في تراب، وجبة لا أثر فيها لإنجاز أو تشييد أو معلم لإقتصاد... نتخيل ساطورك يهوي على كل مقدرات الشعب… نتخيل اكثر من ثلاثين عاماً إدارة بليدة وفاشلة… نتخيل إنتاج مسلسل ديمقراطية رديء… نتخيل بلد لا ينمو فيه كالفطريات ومرض الجدري سوى مزيد من العسس ونقاط التفتيش.
نتفهم كل ذلك على مضض وبإمتعاض مؤلم، لكننا لا نفهم بالضبط أي حالة انتقام تجعلك (...) لمنصب رئيس البلاد علي ذلك النحو... هذا المنصب الذي يجب ان يكبر تاريخياً... فجئت أنت لتضعه خارج سياق اللياقة وأدب الحديث وثقافة الحوار واحترام الآخرين، ناهيك عن (...) الأبواق التي توجه لمعارضيك ومواطنيك وحتى من أعضاء مؤتمرك. من الإختطاف والتنكيل والسجن والقتل بغير حق، دون أي مسوغ شرعي، - ولا اقول قانوني! - الى كيل السباب والشتائم والإلغاء وإحتكار الوطنية وتهم الاستقواء بالآخرين، مع أن مثل هذه الإتهامات هي إسقاطات تنطبق على اصحابها أولاً. فعلاً، لا نستطيع تخيل ساطورك وهو ينتقم من كل ما قدمته لك اليمن ولأسرتك… بئس من لايرد المعروف والسلام بأحسن منه، وبئس من لايتعامل مع الخصم وكأنه ولي حميم، وبئس من حولك من مستشاري السوء وكتاب الباطل. بصراحة في كل مرة وكل خطاب، لاندري على من تقرأ مزاميرك سيادة الرئيس … خطابك يظل دائماً احادي الجانب، ضحلاً، مبسطاً، مركباً من مقاطع لا ترتبط في سياق منمق، مليئاً بالشعارات البالية والكليشيهات الثاوية وعلامات التعجب - وعلى الرغم من ذلك لا شبيه له في ديماغوجيته، علامات فارقة تدل على إنحطاط هذه الفترة… بالفعل مع كل ذلك، يظل خطاب تاريخي جداً يعبر عن هذا العهد السطحي جداً. وخارج التصنيف والخانات والجداول، لانستطيع التفريق بين خطابك كرئيس دولة وخطاب الفضلي أو خطبة لرجل تكفيري أو هراء لغوغائي من عناصر الحراك… نرى بعينيك ذلك النقيض الفعلي للديموقراطية، ونقرأ في وجهك شبيه شكلاني يقول بإعتدادك وقدرتك ان تكون مع الله والشيطان في وقتٍ واحد. كلامك عبر الأثير يحمل لنا تهديدات مبطنة، إنه عيّنة من ثقافة اصابها الحذر وكثرة الإحترازات بالشّلل، لكنها تقول لنا اكثر: أنا قادر أن اعيدكم الى نقطة الصفر، ليس على سبيل الاستطراف، بل تعني ماتقوله لنا عبر إيحاءات من أشكال المنكر الكريه الذي يرسخ في أذهاننا تعبير فج للرئيس الصومالي السابق سياد بري: "سوف اترك مقاديشو كما دخلتها اول مرة، لقد جئت الى الحكم بقوة البندقية ووحدها البندقية قادرة على ازاحتي من الحكم". كما ان الفاشية ليست حركة سياسية، ويجب أن تعرف ذلك، انها مزاج عام… والمزاج العام الحالي يتغذى بخليط من التخويف من أخطار وهمية وتحريض أهوج على أشباح لا وجود لهم إلاّ في سياق مضاربات أرباح وخسائر السياسيين… وعندما يكون رب البيت للدف ضارباً، فإن المعجم الفاشي يتغلغل الى جميع الفئات ويحصل على الشرعية في جميع المجالات والإتجاهات. وهنا لا أجد حرج في نقل الصورة كاملة وغير منقوصة، الخطاب الجيد المغذى بنداوة مشاعر مفعمة بحرص حقيقي وأريحية طباع قائمة على العدل والمساواة هو السحر الحلال… لكن خطابك سيادة الرئيس "تكفيري" بحت، كما أنه - ولو على نحو آخر- مشبع "بالفاشية" كذلك، لايختلف من حيث الجوهر عن غثاء ذلك التكفيري صاحب تلك البضاعة الفكرية الرديئة الذي يدوس على كل كلمة طيبة حتى لا تقفز من مكانها، واضعاً الخُلق الجميل تحت مؤخرته بعد أن ينحر المنهج الوسط من الوريد الى الوريد، ثم يحتل المنبر ليأتى بأهل الملل جميعاً فيخرجهم من الدين جملةً وتفصيلاً، ولو سرنا على قاعدته لخرجت الأمة كلها من الدين ولن يبق أحد. في كل مرة يكشف لنا تراشقك الطرزاني معنا جوهر المفارقة في تعاطيك مع مسرحية الإنتخابات… سيادة وفخامة الرئيس لا تقل لنا إن المسألة انتخابات وأصوات... من وجهة النظر هذه، الإدارة عندك لها علاقة بشباك التذاكر وعدد الزبائن، هذا هو كل ما تستطيع قوله في حلبة الصراع بالكراسي مع الشعب؟… في حين أننا وأنت ندرك أن أصغر كومبارس في نقابة المؤتمر يعرف كيف صعدت! - وقد مرت أحداث وأزمات، شاهدنا فيها غياباً للمسؤولية وإستدعاءات غير مبررة بتكرار ممجوج للثورة وللوحدة ولمسرحية الإنتخابات وكأن الإنتخاب صك تمليك. دعنا نقولها لك بصوت جهور: الإنتخابات الديمقراطية يا سيادة الرئيس المشير لاتعطي الحق لأن يعيث فرد بإسمها فساداً في الأرض، إنك يا سيادة الرئيس تنظر للمسألة من وجهة نظر تتقاطع مع الجوهر، بل تقتلها وتقتلعها من سياقها، يساعدك على ذلك جهل من تحكمهم… - إنها فقط الباب الشرعي للدخول ولمقاربة الأداء بالإنجاز الذي يضع صانع المعجزة في المكانة اللائقة به، أو الخروج من نفس الباب! .Some people take their glory from the title, and some give glory to their titles لم أجد خير من أن اختتم هذه العريضة بتلك الجملة والتي تركتها عنوةً دون ترجمة… إن صلاح اليمن مرهون بقدر وجود عقول متزنة ناضجة غير مؤدلجة وغير ممروضة عصبياً ونفسياً على قمة إدارتها… عقول تستنهض أفضل مكامن البلاد ليتم لحقَها بركب العالمين… - أمّا الآن، فيا خجلنا من ذلك الأسلوب وياخسارة رمزية ما تمثله مؤسسة سدرة المنتهى في اليمن.