الوكيل الجمالي يطلع على سير العمل في المشتل المركزي الزراعي في البيضاء    استنفار لهيئة المواصفات بذمار لإنقاذ الأطفال من الحليب غير الآمن    صواريخ إيرانية متعددة الرؤوس تضرب يافا وعمليات حزب الله تربك الشمال    الفيفا يحسم الجدل: إيران ستشارك في مونديال 2026 على الأراضي الأمريكية    معركة المصير    تشريع "الإبادة" واغتيال العدالة الدولية    مكتب الشباب والرياضة بالامانة يزور المراكز الصيفية بمديرية التحرير    حضرموت تحت وطأة "المنتصر".. قراءة في ممارسات تعيد إنتاج سيناريو 94    العرب هم من سجلوا سوابق دولية لأطماع التوسع والدعاوى الزائفة.    3 جرحى من دفاع شبوة في عدوان بمسيرة حوثية في بيحان    عود الإرهاب إلى عدن؟ جدل وغضب بعد عودة مهران القباطي    خطاب ترامب المرتقب: الأهداف والعواقب    صحيفة: إيران غير مستعدة للدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب    صدمة دبي: حرب ايران توجه ضربة لاسطورة الثراء على مدى 40 عاما    الخارجية الإماراتية توضح بشأن أوضاع الجالية الإيرانية    مراثي القيامة    مراثي القيامة    صنعاء .. تقديم تسهيلات جديدة للمستثمرين    عودة قائد عسكري مقرب من الإخوان إلى عدن    هيئة الشؤون البحرية بحضرموت: موانئ البحر العربي تمتلك مقومات التحول إلى مراكز لوجستية عالمية    احتشاد مهيب لشعب الجنوب في العاصمة عدن يفتح مقرات المجلس الانتقالي    شبوة… أطباء وممرضون يهددون بتعليق العمل في حال عدم الاستجابة لمطالبهم    فيصل سعيد فارع.. من أولئك الذين يبقون    الإفرج عن 9 سجناء معسرين في محافظة ذمار    وفاة طفلين غرقا أثناء السباحة في إحدى قنوات الري بلحج    الهلال الأحمر يوزّع مساعدات عاجلة ل 36 أسرة متضررة في الحديدة    استقبال أسير محرر في محافظة ذمار    إيطاليا تغيب عن كأس العالم للمرة الثالثة تواليا    اليمن يدين مصادقة الاحتلال على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين وتحذر من تداعياته    سريع يعلن عن عملية عسكرية صاروخية في فلسطين المحتلة    أمين عام الإصلاح يعزي رئيس مجلس النواب في وفاة ابن شقيقه    انتعاش جماعي للمعادن النفيسة.. الذهب والبلاتين يرتفعان والدولار يتراجع    استنفار في عدن ومواجهات محتملة بين المرتزقة    صنعاء.. جمعية الصرافين تعمم بإعادة التعامل مع منشأة صرافة    نجاح أول عملية قسطرة طرفية في مستشفى الثورة بالحديدة    اليمنية تستأنف رحلات عدن – عمّان ابتداءً من 1 إبريل    وزير الدفاع: بناء الدولة وترسيخ الاستقرار لا يتحققان إلا من خلال تفعيل النظام والقانون    عصابات بن حبريش تختطف وقود كهرباء المهرة وتدفع المواطنين نحو العتمة    محافظ عدن يهدد إعلامي بالحبس.. سقوط أخلاقي وسياسي يكشف عقلية البلطجة وقمع الكلمة    تقرير أممي: تحسن الأمن الغذائي في اليمن بشكل طفيف    لا ترمِها بعد اليوم! الفوائد المذهلة لقشور الجوز    مرض السرطان ( 5 )    "سنعود".. مسرحية لنازحين ببيروت تجسد المقاومة الثقافية ضد اسرائيل    عدن.. نقل عريس إلى العناية المركزة بسبب منشط جنسي    اتحاد كرة القدم ينفي تأجيل انطلاق الدوري اليمني    اتحاد كرة القدم ينظم دورة تنشيطية للحكام استعدادا للدوري اليمني    الزامل اليمني وملحمة النصر..    أحمد قعبور يغادر تاركاً إرثاً فنياً يخلّد القضية الفلسطينية    الاتحاد الآسيوي يقر تأجيل مباراة المنتخب الوطني ونظيره اللبناني إلى مطلع يونيو المقبل    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليفربول .. ما هي وجهة صلاح المقبلة؟    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    العيد ولعبة الكراسي    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    رسمياً.. 3 دول تفاجئ العالم باعلان الخميس أول أيام عيد الفطر    وزارة الأوقاف:الخميس متمم لشهر رمضان والجمعة أول ايام عيد الفطر    شبوة.. عندما يبكي التاريخ في حضرة التقسيم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



على ضوء أحداث مصر الأخيرة:
"الإسلاميون".. إلى أين يدفعون المنطقة؟
نشر في الوسط يوم 29 - 12 - 2012

تشهد مصر، وهي البلد العربي الأكبر والأهم والأكثر تطوراً، أحداثاً وتطورات ساخنة وعاصفة ومتصاعدة منذ إقدام الرئيس/ محمد مرسي على إصدار إعلان دستوري "رابع"، تسبب في تفجر احتجاجات وانتفاضات شعبية غاضبة وعارمة، منذ إصداره في 21/11/2012م، تواصلت وتصاعدت بأسلوب سلمي ومسئول، حيث نصبت عدة خيام معدودة بجوار سور قصر العروبة أو الاتحادية في اعتصام رمزي مسالم وهادئ، لتشهد تصعيداً خطيراً للغاية حين نظم "الإخوان المسلمون" وحلفاؤهم من القوى "الإسلامية" مظاهرة تضم بضعة آلاف من أتباعهم إلى محيط قصر الاتحادية، الذي هو مقر الحكم الرسمي، وقيامهم بالاعتداء الفجائي على النفر القليل المعتصمين هناك وتدمير خيامهم والاعتداء عليهم بالضرب المبرح، وتطوعهم لإزالة وتنظيف الشعارات والرسوم التي وضعها المتظاهرون الذين احتشدوا للتعبير عن رفضهم للإعلان الدستوري المثير للغضب الواسع، وزاد "الإسلاميون" من أنصار ومؤيدي الرئيس مرسي على ذلك بكسر باب أحد المحلات التي تبيع، ضمن مبيعاتها، خمورا، ونهب بضعة "زجاجات" منها وعرضها على وسائل الإعلام، وهم في حالة هياج، مضافا إليها أقراص تُستخدم في "منع الحمل"، على أنها كانت في حوزة وداخل خيام الفتية المعتصمين!! ليشكل ذلك العدوان والهجوم "المليشياوي بامتياز شرارة ردود فعل غاضبة وحاشدة من المواطنين نتج عنها أعمال عنف وقتل وسفك دماء وتدمير وإحراق بعض مقرات "جماعة" الإخوان المسلمين في العاصمة وعدد من المدن والمحافظات المصرية، وكانت للإسلاميين من قبل تظاهرات عديدة حرصوا خلالها على حشد الآلاف من مناصريهم تارة تحت شعار "حماية الرئيس" و"تأييد قراراته" و"دعم الإعلان الدستوري" ومنها من اتخذت شعار "نصرة الشريعة والشرعية" ولا تزال مظاهراتهم متواصلة دون انقطاع، بدا أن الهدف منها استعراض قوتهم وعضلاتهم، على أن أكثر التظاهرات خطورة وأبلغها دلالة، إضافة إلى المظاهرة "المليشياوية" العنيفة في الاعتداء على المعتصمين المسالمين في محيط "الاتحادية"، كانت تلك التي وجهت معادية للمحكمة الدستورية العليا ومحاصرتها حصارا لا يزال مضروبا عليها حتى هذه اللحظة وتلك التي ذهبت إلى دار القضاء العالي مطالبة كلها بتطهير القضاء حسب زعمهم، وآخرها التي توجهت مؤخرا إلى مدينة الإنتاج الإعلامي التي تضم مكاتب ومحطات كثير من القنوات المرئية، وكثير منها أهلية وليست حكومية، مطلقة شعارات بالغة الخطورة ووصفها ب"المجاري" و"البلاليع" و"دور الدعارة" وغيرها من العبارات البذيئة والمطالبة بما أسمته "تطهير الإعلام"!! ووقف ما تراه تحريضا ضد "الإسلام"!!
والواقع أن مجمل الممارسات والمواقف التي أشرنا إليها آنفا، وغيرها، تشير بوضوح تام إلى حقيقة أننا نواجه هجمة منظمة ومنسقة ومتكاملة وشرسة يقودها وينفذها التنظيم السري للإخوان المسلمين ومعه، للأسف الشديد، القوى السلفية المتحالفة والمناصرة له، من حيث كنت أعتقد، من واقع المؤشرات النظرية والخطاب السياسي والإعلامي والممارسة السياسية التي لمحتها من تجربة إقامة حزب "الرشاد اليمني" من قبل بعض القوى السلفية في اليمن، بأن التيار السلفي الغالب سيكون أكثر عقلانية وشعورا بالمسئولية، وفقا للمضامين الأكثر إيجابية والأقل غلوا التي تضمنه بيان وأدبيات تأسيس "حزب الرشاد" في اليمن، ولكن وعلى خلاف ذلك الاعتقاد ظهرت القوى والأحزاب ذات المنحى السلفي في مصر، أو قل أغلبيتها الكبيرة، بأنها قبلت بخيارات "الإخوان المسلمين" وانضوت تحت لوائها بشكل كلي فيما يتعلق بالأحداث التي عاشتها مصر مؤخرا، ولا تزال، على نحو متطابق.
إن هذه الهجمة المنظمة والمتكاملة هي ما نهدف إلى التوقف عندها لدراستها وتحليلها لمعرفة دوافعها وأبعادها وأهدافها على ضوء الخلفية التاريخية لتجربة تنظيم الإخوان من النواحي الفكرية والسياسية والتنظيمية بقدر المستطاع والحيز المتاح لنا هنا، مع عدم إغفال تجربة سائر الجماعات والقوى التي اتخذت من الدين الإسلامي مرجعية أو أساسا لها، فيما أميل أن أطلق عليها تسمية "الإسلام الحزبي"، التي أراها تسمية أكثر دقة وتعبيراً وصحة من "الإسلام السياسي" وهي التسمية التي درج على استخدامها في الغالب الأعم، وذلك انطلاقاً من إدراك حقيقة أن "القرآن الكريم" من حيث تضمنه لأحكام وشرائع يعتبر سياسياً، فكل نظرية تحتوي على أحكام وتنظيمات تتعلق بالفرد والمجتمع هي في الحقيقة نظرية سياسية، لأنها تنصرف إلى تنظيم شئون الفرد والمجتمع في قضايا الأخلاق والمعاملات والشئون الأسرية والاقتصادية والعلاقات الاجتماعية.
إن مضامين وأسلوب إصدار الرئيس محمد مرسي للإعلان الدستوري الأخير، الصادر في 21 نوفمبر 2012م، وهو الرابع في سلسلة الإعلانات الدستورية في مصر منذ الإعلان الأول الصادر في 13 فبراير 2011م، والإعلانات الأربعة كلها تعتبر نافذة وسارية المفعول! بالإضافة إلى المشكلات والأزمات التي مرت بها عملية تشكيل "الجمعية التأسيسية لوضع مشروع الدستور" فيما يتعلق بأسس ومعايير واعتبارات التمثيل فيها، والعملية المريبة والمستهجنة والغريبة التي تم بها، عقب صدور الإعلان الدستوري الأخير، السلق والإنهاء المتعجل لصياغة مشروع الدستور وتسليمه للرئيس الذي وجه دعوة الاستفتاء عليه في نفس اللحظة بعد 15 يوما من التسليم، والتغاضي التام عن الانسحابات المتعددة لممثلي جهات ومكونات أساسية من مكونات المجتمع والمفكرين والكتاب..الخ، ومن ثم غض الطرف والتجاهل المتعمد والتام للمظاهرات والاحتجاجات الشعبية الحاشدة الرافضة للإعلان والمشروع، كل ذلك، وغيره، يرسم أمامنا صورة عامة لمعالم وأبعاد وأهداف الحملة المنظمة والمتكاملة والشرسة بوضوح وجلاء كافيين وذلك على النحو التالي:
أولا: أن "الإعلان الدستوري" الأخير، والذي فجر ثورة غضب شعبي واسع، من خلال الأحكام التي تضمنها، هو أكثر سوءاً من قانون الطوارئ، سيئ الصيت، وهو يؤسس ويبني سلطة حكم أشد ديكتاتورية وأوسع من النظام السابق الذي ثار الشعب لإسقاطه في 25 يناير 2010م، فهو يمنح العصمة والحصانة لكل "الإعلانات الدستورية والقوانين والقرارات الصادرة عن رئيس الجمهورية منذ توليه السلطة في 3 يونيو 2012م وحتى نفاد الدستور وانتخاب مجلس شعب جديد" وتكون نهائية ونافذة بذاتها، غير قابلة للطعن عليها بأي طريق وأمام أية جهة، كما لا يجوز التعرض لقراراته بوقف التنفيذ أو الإلغاء، وتنقضي جميع الدعاوى المتعلقة بها أو المنظورة أمام أية جهة قضائية، وأعطى لنفسه وحده حق تعيين النائب العام دون الرجوع إلى السلطة القضائية صاحبة الحق في ذلك، ثم أضاف إلى ذلك مادة أخرى تقول: "لرئيس الجمهورية إذا قام خطر يهدد ثورة 25 يناير أو حياة الأمة أو الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها، أن يتخذ الإجراءات والتدابير الواجبة لمواجهة هذا الخطر على النحو الذي ينظمه القانون"!! وقضى في مادة أخرى "لا يجوز لأية جهة قضائية حل مجلس الشورى أو الجمعية التأسيسية لوضع مشروع الدستور"! كل ذلك دون الرجوع إلى أية مؤسسة من مؤسسات الدولة المدنية أو العسكرية أو الأمنية وأبقى الأمر كله متروكا لتقديرات الرئيس الشخصية.
ثانيا: إن هذا الإعلان الدستوري جرى تبريره وإعطاؤه بواعث ودوافع ظلت تتعدد وتتنوع وتتعدل منذ لحظة صدوره وحتى اللحظة تبعا للمناقشات المفندة والرافضة له، فهو لم يكن، يقينا، شفقة بالشهداء وصيانة حقوقهم ورعاية أسرهم لأن كل ذلك وزيادة كان متيسرا ومتاحا للرئيس فعله بقانون، ولا كان خوفاً على الثورة وحمايتها أو لاكتشاف السيد الرئيس مؤامرة رهيبة ضد الثورة والبلاد حرص على عدم الإفشاء بها وإبقائها طي الكتمان لا تتعداه شخصيا، ولا كان لضرب قوى ومراكز نفوذ تسعى لعرقلة أداء الدولة لمهامها ومسئولياتها وتعطيل دورها، فكل ذلك كان بمقدور الرئيس مواجهته وإزالته دون حاجة لإعلان دستوري خاص، فإن الرئيس الذي ألغى وأنهى المجلس الأعلى للقوات المسلحة وأقال وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة ورئيس هيئة الأركان ومدير المخابرات وهم في أكثر المواقع نفوذا وتأثيرا وخطورة وحتى شرعية دستورية ما وعين بدلاء لهم دون حاجة لإعلان دستوري خاص من ذا الذي يستطيع منعه أو الوقوف في وجهه إن أراد التغيير والتبديل وإحالة من يريد للعدالة ومحاسبته؟، والواضح أن الهدف الرئيسي لذلك الإعلان الدستوري ينحصر في إطلاق يد الرئيس لتعطيل دور السلطة القضائية ومن ثم إجراء حركة تغييرات جذرية وواسعة في كافة سلطات ومؤسسات الدولة، وخاصة القضاء والإعلام، وبالتالي ضمان الأغلبية الكاسحة له ولمن ينتمي لهم ويمثلهم من قوى وأحزاب في السلطة التشريعية القادمة، وإحلال الموالين له ولجماعته في السلطة القضائية والإعلام وسائر أجهزة ومؤسسات وسلطات الدولة المدنية والعسكرية عبر سلسلة طويلة من القرارات المحصنة والمحمية من أية مساءلة وغير قابلة للطعن والإلغاء القضائي، خلال فترة زمنية قصيرة كي يصبح بعد ذلك أمراً واقعاً محصناً!
ثالثا: وعلى ذات السياق، وبشكل فجائي ومستغرب، جرت عملية السلق السريع والإكمال المتعجل لمشروع الدستور وقيام الجمعية التأسيسية بتسليمه للرئيس وإعلانه الفوري عن الدعوة للاستفتاء عليه، ليضع الجميع أمام خيار وحيد بين رمضاء مشروع الدستور ونار الإعلان الدستوري! لتتم المساومة والمقايضة بين هذا أو ذاك، ومشروع الدستور ليس صحيحا ما انبرت حملات الترويج الدعائي التسويقي له من أنه قلص سلطات الرئيس ومنح من الحريات أوسعها، فإن صلاحيات الرئيس، مثلا، في دستور عام 1971م حددتها مادة واحدة وفي مشروع الدستور حددتها عشرون مادة، فهو القائد الأعلى للقوات المسلحة والقائد الأعلى للشرطة ورئيس السلطة التنفيذية وو..الخ. أما الحريات الإعلامية والحقوق الفردية والعامة وإنشاء النقابات والاتحادات فهو، وإن وسع بعضها إلى حد ما، فإنه قيّد البعض الآخر بعبارة "وفقا للقانون" وغيرها من العبارات، وأسقط حق جماهير الفلاحين والعمال في ما لا يقل عن 50% من مقاعد المجالس التشريعية والمحلية..الخ، وكذا حقوق المرأة والطفل وما إلى ذلك، ولقد فرضت الأغلبية العددية للأحزاب الإسلامية التي ينتمي إليها الرئيس رأيها في حسم الصيغة النهائية لمشروع الدستور، واستبعاد وإقصاء وتهميش الأقلية، في حين أن القاعدة الأساسية والعرف السائد في كل بلدان العالم أن الدستور، أي دستور، يجب أن لا يخضع لقاعدة الأغلبية والأقلية، بل يجب، دائما، أن يصاغ وفقا وعلى قاعدة "التوافق الوطني" لأنه وثيقة كبرى تنظم حقوق وواجبات وعلاقات ومصالح كل الفئات والطبقات والشرائح التي تشكل، في مجموعها، مكونات المجتمع الواحد، تمتد صلاحيته لعقود طويلة من الزمن، إذ لو احتكرت الأغلبية البرلمانية لنفسها مهمة صياغة الدستور وفقا لرؤيتها ومصالحها الخاصة، لَحقَّ لكل أغلبية تأتي لاحقاً أو تالية للأغلبية السابقة أن تصيغ دستورها الجديد وهكذا في عملية عبثية لا نهاية لها، ولهذا فإن استقواء الأغلبية بأكثريتها العددية، رغم أن الجميع يدركون تماما أن تلك الأغلبية لا يمكن اعتبارها معيارا أو مقياسا صحيحا للتمثيل الشعبي الحقيقي لأنها جاءت في ظروف استثنائية غير طبيعية لمرحلة انتقالية حادة بين نظام سقط وانهار ونظام جديد يتلمس طريقة لبناء بديله الجديد في ظل أوضاع متحركة ومضطربة وغير مستقرة في كافة مجالات حياة المجتمع.
رابعا: إن القاعدة الأساسية والعرف السائد في الفكر السياسي الحديث والمجتمعات الديمقراطية العريقة على امتداد العالم كله، تقول بأن حق القيام بالتظاهر والاحتجاجات الشعبية السلمية ينحصر، أساسا، بقوى المعارضة السياسية والشعبية، لتعبر، من خلالها، عن عدم رضاها واستيائها ورفضها لسياسات ومواقف السلطة الحاكمة وإجراءاتها، لكنه من غير المستساغ والمقبول، من الناحية العقلية والمنطقية، أن تتظاهر السلطة الحاكمة وحزبها أو أحزابها وتحتج على نفسها وسياساتها.. وانطلاقا من هذه القاعدة والعرف السائد فقد نظر إلى المظاهرات الموجهة التي تنظمها السلطة الحاكمة، مهما بلغ عددها وحجمها، على أنها لا تعني شيئا ولا يُعتد بها ولا قيمة لها أو وزناً عموماً.. بل يُنظر إليها على أنها نوع مستحدث من أنواع فساد السلطات الحاكمة، في بلدان العالم الثالث حديثة الديمقراطيات، في تزييف الحقائق والوقائع وإفساد الرأي العام وتحزيبه وإهدار المال العام وتبديده لضمان استمرار بقائها في الحكم بشكل غير مشروع، ولهذا فهو ضرب من ضروب العبث والبلطجة السياسية.
خامسا: إن قيام تنظيم "الإخوان المسلمين" وحلفائه من قوى وأحزاب "الإسلام الحزبي"، بتنظيم مظاهرات شعبية مضادة وفي مواجهة المظاهرات الشعبية للقوى والأحزاب والفعاليات المعارضة تحت شعارات الدفاع عن الرئيس وحماية النظام ونصرة الشرعية وأيضا الشريعة، وتوجيهها لمحاصرة وتهديد والاعتداء على السلطة القضائية ومنعها من ممارسة مسئولياتها وكذا الحال ضد الوسائل الإعلامية، والقيام بالعدوان على المعتصمين المسالمين بالضرب والتنكيل وتدمير وحرق خيامهم واختطافهم وممارسة التحقيق والتعذيب الجسدي بحق بعضهم، كما صورت ذلك وسائل الإعلام المرئية، بقدر ما يدرجها ضمن نطاق توصيف الفقرة السابقة "رابعا"، فإنه قد صنفها في خانة "المليشيات" المدربة والمجهزة قتاليا والمعدة خصيصا لتنفيذ "أعمال إرهابية" بهدف قمع الآراء وحرية التعبير وفرض آرائهم ومعتقداتهم على الآخرين بالقوة والعنف، والحلول محل دور ووظائف ومهام سلطات الدولة ومؤسساتها وأجهزتها الشرعية، وتصوير أعمالها وممارساتها "الإرهابية" تلك على أنها حرب مقدسة دينية ضد قوى وأحزاب الكفر والزندقة والارتداد عن الدين في أسوأ أشكال وصور توظيف الدين وتسخيره والمتاجرة به لخدمة مصالحها وأهوائها السياسية والخاصة، من خلال فرض نفسها على المجتمع كممثلة ومعبرة عن الدين ووصية عليه بالقمع والترهيب والعنف فتصبح هي الإسلام والإسلام هي، دون تمييز أو فارق، وأي انتقاد أو رفض لممارساتها وأعمالها ومواقفها في المسائل والشئون السياسية، التي هي في طبيعتها من الأمور الخلافية، يعد خروجاً على الإسلام ومعاداة له وكفرا به!!
إن كل هذه المعالم الرئيسية للحملة المنظمة المتكاملة والشرسة التي تقوم بها وتنبري لتنفيذها القوى والأحزاب التي تستغل الدين الإسلامي وتوظفه وتتاجر به بقيادة تنظيم "الإخوان المسلمين" وسائر حلفائها من قوى وأحزاب "الإسلام الحزبي" على أرض مصر، من خلال ركوبها لموجة الثورة ونجاحها في الحصول على أغلبية مقاعد السلطة التشريعية وفي الفوز بمنصب الرئاسة في ظل ظروف مرحلة انتقال سياسي سادتها الاضطرابات وعدم الاستقرار والفوضى، ما هي إلا حلقات في سلسلة وخطوات مدروسة على طريق ونحو هدف إحكام سيطرتها وقبضتها الأحادية المطلقة على كافة مقاليد الأمور في البلاد وكل مؤسسات ومفاصل الدولة والعمل على خلخلتها وتدميرها تمهيدا لإعادة تشكيلها وبنائها، بإجراءات وأحكام دستورية استثنائية غير شرعية ولا ديمقراطية، ذلك النموذج الايديولوجي المتكامل للدولة الدينية التي تضع كل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية والعسكرية في يد حاكم واحد الكل معه مستشارون يأخذ برأيهم أو لا يأخذ وفقاً للمبدأ الذي تشرّبوه والقائل ب"وحدة الولاية العامة، باعتباره مبدأً إسلامياً مركزياً من وجهة نظرهم، ومجتمعاً يعاد بناء عقليته وثقافته ووعيه بوجوب وإلزامية الولاء والطاعة الكاملة للحاكم براً أكان أم فاجراً ولو أخذ حقك وجلد ظهرك، مجتمعاً تكون المرأة فيه "ملكة" داخل جدران بيتها فقط.
ولكن ما هي الدلائل والحقائق والمؤشرات التي استندنا عليها للتأكيد على أن "الإخوان المسلمين" يسعون -فعلاً- لوضع أنموذجهم الايديولوجي ذاك موضع التطبيق العملي؟.. ذلك ما سنتناوله -إن شاء الله تعالى- في الحلقة القادمة، التي سنستعرض فيها الأسس الفكرية التربوية والأساليب والممارسات العملية التنظيمية والثقافية السياسية التي تتحكم في التنشئة والبناء الفكري التربوي للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.