يقال اشتدي أزمة تنفرجي. وعندما تصبح كل الاخبار وكل الاحداث مؤلمة جارحة أو محزنة ومحبطة، يصبح البحث عن بدائل حلا. وطريقة هروب الناس من الاغراق في الحزن تختلف، فمنهم من يهرب إلى تغيير المكان، ومنهم من يذهب إلى طريقة تغيير أسلوب الحياة. وبعض الشعوب تجد في النكتة والسخرية من كل شيء وسيلة للتخفيف من القهر والألم. ومعظم اليمنيين يجدون في الانهماك في اللقاء اليومي مع نفس الأشخاص ليحولوا المكان الذي يجتمعون فيه إلى زريبة قات وتكرار ادعاء بمعرفة تفاصيل كل ما يحدث، طريقة أخرى للحياة. والسحب تتجمع في السماء واعدة بمطر لا يسقط، ويصبح الشاطئ وماء البحر في المساء مخرج الأجساد المحترقة في مناطق السواحل. الكل يبحث عن مخرج، من واقع ومن ظروف ومن طغيان تراكم أخبار كلها أسوأ من بعضها. القتل المجاني ان يكون خطيب الجمعة الذي قام بالتحريض على موظفي المعمدانية الذي يعملون في مستشفى صعدة هو السبب المباشر لما حدث أو لا يكون، أمر لابد أنه قد خالج قلبه لحظة شعور بالمسؤولية فإن لم يفعل فهو بحاجة إلى تذكر جثث القتيلات الثلاث كلما نطق، وبحاجة داخل روحه إلى مخرج. وأن يكون شعار الموت لأمريكا، والموت لأسرائيل، واللعنة على اليهود، مرفوعا باللغة العربية وباللغة الانجليزية، في مظاهرة تعلن أنها ضد قتل الالمانيتين والكورية، أمر يحتاج من قادة أصحاب هذا الشعار إلى إعادة تفكير وتفسير كلما رأو وجوه القتيلات الثلاث، فالصغار الذين يرددون هذا الشعار صار كل من له بشرة بيضاء في عقولهم أمريكان وكل من يعمل في التنمية في البلاد عميلا للأمريكان. والشعار الذي يحملونه يبيح قتل الامريكان. ورفع لافتة تتحدث عن قيم الإسلام الذي لايبيح القتل لا ينفي اللافتة التي تدعو بالموت، فالمسؤولية في تعبئة النفوس يحتاج من يتنصل منها إلى مخرج. وأن يكون القتلة عصابات جديدة تسمن وتتزايد منذ فترة عندما كانت صعدة منفذا مفتوحا لتهريب السلاح والبشر والمخدرات، لايجب أن يعمي العيون عن إمكانية مشاركة هذه العصابات في عمليات الخطف والقتل في سبيل المخدرات أو السلاح. أن نتحدث عن صعدة وكأنها مكان صراع ديني مجرد وننسى أن العصابات التي نشأت في كثير من مناطق افغانستان وباكستان، يمكن لها أن تكون مصدر تدريب ليس فقط على الادعاء بالدين وتحليل المخدرات لأنها مصدر تمويل للجماعات المتطرفة بل أيضا لأنها مصدر قوة واستماتة بقاء على قيد الحياة في مواجهة محاولة فرض وجود سلطة للدولة أو موانع في طريق التهريب. وجثث القتيلات الثلاث يجب أن تمر في عقول كل المسئولين الأمنيين وهم يترددون في القبول باحتمال ان يكون بعض من هو حاصل على الحصانة البرلمانية متورطا في المسؤولية. من وجهة نظري الشخصية أن كل الاحتمالات واردة ويجب عدم إعطاء مثل هؤلاء عذرا أو مخرجا. حزن وغضب منذ لحظة وصول خبر قتل الفتيات البريئات الثلاث، وأنا أعاني من حزن شديد وغضب. حزينة لأن هذه البلاد وأهلها يدفعون كل يوم من حياتهم وأعصابهم ثمنا باهظا لتصرفات غير مسؤولة لفئة محدودة من الناس لا نملك حتى الآن طريقة لجعلهم يسلكون سبيلا صحيحا. فتيان في عمر الزهور، يولدون في اماكن ليس فيها وعد بمستقبل أفضل، يأخذون في طريق مستقبلهم نفس الطرق الوعرة التي لم تمهد من قراهم إلى آماكن لا تقدم لهم حلما ولا حلا ولا مخرجا، فيضعوننا كلنا معهم في مأزق. وغاضبة لأننا -رجالا ونساء- في هذا البلد من النخب نصدم عندما نقدم حلولا بلامبالاة أمثالنا بنا، فلا نستمر ولا نجعل من هذه الحلول مصدر استغراق لعملنا كي نشعل شمعة بل نستمر في لعن الظلام. غاضبة لأنني لا أقبل أن تصبح سلوكيات قلة منحرفة من الناس مهما كانت ظروفها هي الصفة السائدة والصورة التي تعم عن كل أهل اليمن. غاضبة لأنني أجد من أبناء وبنات هذه البلاد من يملكون حلولا ومع ذلك عندما تحدث قضية مثل هذه تصبح قصة التشفي من النظام السائد هي حكايتهم ناسين ان النظام ليس من يدفع الثمن بل عموم الناس وأبسطهم ممن ليس له من هذه الصورة مخرج. غضب وحزن يمتزج في قلبي، وأنا أعزي بعض صديقاتي الألمانيات المتزوجات بيمنيين، وفي فمهن ماء، لمن الشكوى وممن، ولماذا تصبح اليمن مكانا آخر يفاجئنا كل يوم بأشكال من القسوة لم يعد في تفاصيلها نخوة أو شهامة أو تعالٍ عن المس بالاطفال والنساء؟. غضب وحزن، لأن أسرة من أب وأم وأطفالهم الثلاثة لا يزالون في علم الغيب، ماذا يأكل الاطفال؟ وكيف يعيشون؟ وأين يتنقلون؟ وكيف ينامون؟ وهل لا يزالون على قيد الحياة؟ كيف ترضى المروءة أن يراهم سكان القرى التي يمر بها الخاطفون فلا يبلغون أحدا بمواقعهم؟ غضبي يزيد لأني بغير ما أكتبه الآن ليس في يدي حيلة وليس لي في بلدي قدرة على أن امد المساعدة لمن جاءوا إلى بلادي ليعالجوا المرضى. هل تمر في قلوبكم مثلي حالة الحزن والغضب؟ [email protected] *المصدر : صحيفة الثورة