رسالة إلى كل مسؤول.. ما بعد السلطة: هل سيدعون لك أم عليك؟..في عالم المناصب والإدارة، وبين الحكّام والقضاة، والقادة العسكريين والأمنيين ومشايخ القبائل، هناك حقيقة واحدة مطلقة يتغافل عنها الكثيرون في غمرة الزهو بالسلطة: "الدوام لله وحده، والمنصب لا يدوم لأحد". إن الكرسي الذي تجلس عليه اليوم، كان بالأمس لغيرك، وسيكون غداً لسواك؛ هذه سنة الحياة التي لا تحابي أحداً. ولكن العبرة ليست في الجلوس على الكرسي، بل في الأثر الذي تتركه بعد أن تغادره؛ فالكرسي زائل، والموقف باقٍ، ومن هنا تصنع خلودك في ذاكرة الناس. وهم السلطة وحقيقة الزوال يعيش بعض المسؤولين والقادة والقضاة والمديرين في وهم أن المنصب درعٌ واقٍ، أو ملكية أبدية، فيتعاملون مع الناس بفوقية واستعلاء، متناسين أن الأيام دول، وأن عجلة الزمان تدور. إن اللحظة التي يغادر فيها المسؤول منصبه -سواء بالتقاعد، أو الإقالة، أو لأي سبب آخر- هي لحظة الحقيقة المجردة. في تلك اللحظة، تتساقط الألقاب، وتختفي البروتوكولات، ولا يتبقى أمام الناس إلا "الإنسان" الذي كان بداخل ذلك المسؤول. هنا يبرز السؤال الجوهري: ماذا بقي معك؟ لن يبقى رصيدك في البنك، ولا نفوذك، بل سيبقى "الموقف". سيبقى ذلك القرار الذي أنصفت فيه مظلوماً، أو تلك الكلمة الطيبة التي جبرت بها خاطراً، أو ذلك الباب الذي فتحته لمحتاج. المعادلة الصعبة: الهيبة بين الحب والخوف إن أخطر ما قد يقع فيه صاحب المنصب هو أن يخلط بين "الخوف" و"الاحترام". قد يطيعك الناس خوفاً من بطشك أو طمعاً في مصلحة، وهذا "نفاق مقنع" يزول بزوال مؤثراته. بمجرد أن تضعف سلطتك، سينقلب هذا الخوف إلى تشفٍّ، وذلك الصمت إلى ضجيج بالذم. أما القيادة الحقيقية فهي أن يهابك الناس حباً واحتراماً؛ أن يكون احترامهم نابعاً من تقديرهم لشخصك، لعدلك، ولتواضعك، لا لرتبتك أو كرسيك. القائد الناجح هو الذي يحرص أن تكون هيبته في قلوب الناس لا في رقابهم؛ فالمحبة تصنع ولاءً يدوم حتى بعد الرحيل، بينما الخوف يصنع طاعة مؤقتة تنتهي بمجرد إغلاق الباب. الرجال من تصنع المناصب من الحكم الخالدة: "المناصب لا تصنع الرجال، بل الرجال من تصنع المناصب". إن المنصب مجرد وعاء فارغ، وقيمته الحقيقية تُستمد من قيمة الشخص الذي يشغله: * هناك من يضيف للمنصب شرفاً ومكانة بأخلاقه وإنجازاته. * وهناك من يستمد قيمته من المنصب، فإذا نُزع منه، عاد نكرة لا يذكره أحد. كن أنت القيمة المضافة لمكانك، كن "القدوة" التي يُشار إليها بالبنان. اجعل معاييرك الأخلاقية والمهنية هي التي تفرض احترامها، بحيث يقال: "لقد كان هذا المكان صغيراً، فكبُر بوجود فلان". المحكمة النهائية: دعوة لك أو عليك في نهاية المطاف، سيرة الإنسان هي عمره الثاني. عندما تغادر، سيتحول مكتبك وأوراقك إلى مجرد ذكريات، ولكن ألسنة الناس هي شهود الله في أرضه. إما أن ترتفع الأكف بالدعاء لك: "الله يذكره بالخير، كان نعم العون ونعم السند"، وإما أن تلاحقك اللعنات والدعوات عليك بما اقترفت يداك من ظلم أو تقصير. رسالة أخيرة عش أيام منصبك وأنت تضع "يوم الرحيل" نصب عينيك. اجعل كل توقيع، وكل قرار، وكل لقاء، لبنة في بناء "الذكرى الطيبة". كن هيناً ليناً، قريباً من الناس، متواضعاً في غير ضعف، وحازماً في غير تجبر. تذكر دائماً: المنصب فترة، والموقف عمر... فاختر لنفسك كيف تحب أن تُذكر.