لم نعد بحاجة إلى انتظار كتب التاريخ لتشرح لنا ما حدث؛ فما جرى فجر أمس السبت، الثالث من يناير 2026، كان واضحًا وضوح الشمس. ما حدث في كاراكاس لم يكن مجرد عملية عسكرية خاطفة انتهت باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، بل كان إعلانًا رسميًا بأن العالم دخل مرحلة "شريعة الغاب". لقد رأينا كيف تتحول "الدولة العظمى" إلى ما يشبه "العصابة"، تمارس السطو المسلح في وضح النهار، وتستخدم أحدث الأسلحة لا لتطبيق القانون، بل لدهسه. وإذا سألنا أنفسنا بصدق: "لماذا فنزويلا؟" و"لماذا الآن؟"، فلا يجب أن نخدع أنفسنا بأكاذيب "الديمقراطية" أو "مكافحة المخدرات" التي تروجها أمريكا. الحقيقة عارية وتتلخص في رقم واحد يسيل له لعاب ترامب: 303 مليارات برميل. إنه أكبر احتياطي نفطي في العالم، "الكنز" الذي لم يستطع ترامب إخفاء طمعه فيه، حين قال بوقاحة لشبكة "فوكس نيوز": "سنشارك بقوة في نفط فنزويلا". هذا التصريح ليس زلة لسان، بل هو اعتراف بالعقيدة الأمريكية القائمة على النهب. إنهم يريدون إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل عام 2007، إلى ما قبل عهد هوغو تشافيز، حين كانت شركاتهم مثل "إكسون موبيل" تنهب 98% من ثروات البلاد، بينما يعيش الشعب الفنزويلي في الفقر. واشنطن لا تحارب نظامًا ديكتاتوريًا كما تدّعي، بل تحارب دولة تجرأت على استعادة سيادتها وقالت "لا". فنزويلا تدفع اليوم ضريبة قرارها بتأميم نفطها، وتدفع – وهذا هو الأهم – ضريبة مواقفها المشرفة التي أغضبت الصهيونية العالمية، حين رفضت الهيمنة وتضامنت مع قضايا التحرر. وهنا يأتي التشخيص الدقيق للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي، الذي وضع يده على الجرح حين قال إن أمريكا "تتحرك بعقلية النهب المنظم". فذريعة "مكافحة المخدرات" التي ترفعها أمريكا (وهي أكبر سوق للمخدرات في العالم!) ليست سوى غطاء لقرصنة السفن الفنزويلية وخنق اقتصادها، تمهيدًا لسرقة الحقول والآبار. إن خطورة ما حدث في كاراكاس تتجاوز حدود أمريكا اللاتينية؛ إنها رسالة دموية لكل دول الجنوب العالمي. فالولايات المتحدة، التي تشعر بضعف مكانتها أمام صعود الصين وروسيا، لم تعد تملك قوة الإقناع، فلجأت إلى "قوة البلطجة". هي تحاول بهذا العدوان ترميم هيبتها وتأمين "حديقتها الخلفية" بالنار، لترسل إنذارًا لكل دولة تفكر في الخروج عن طاعتها بأن مصيرها سيكون التدمير، تمامًا كما فعلت في العراق وليبيا. لكن السؤال الأهم: هل يعني اختطاف "الرئيس" سقوط "البلد"؟ هنا تكمن الورطة الأمريكية. فإسقاط الأنظمة عبر العمليات الخاصة قد ينجح كتكتيك سريع، لكنه يفتح أبواب الجحيم على المدى الطويل. فنزويلا اليوم أمام خيارين: إما أن تنجح أمريكا في تحويلها إلى "محطة وقود" تابعة لها، أو تتحول البلاد إلى مستنقع استنزاف عبر مقاومة شعبية شرسة تستند إلى تاريخها الثوري. الأكيد اليوم أن هذا العدوان أسقط آخر ورقة توت عن "النظام الدولي"، ووضعنا جميعًا أمام حقيقة واحدة: إما أن نتكتل ونحمي سيادتنا، أو ننتظر دورنا في طوابير الذبح الأمريكي. العالم بعد صدمة السبت تغير تمامًا، وأثبتت أمريكا أنها ليست شرطي العالم، بل قاطع الطريق الأخطر في تاريخنا الحديث.