أمام الوعي والإدراك المتزايدين لأبناء الشعب اليمني الأحرار لما يُحاك ضد بلدهم من مؤامرات تشارك فيها أطراف متعددة خارجية وداخلية، لم يعد التضليل الذي يبدو في ظاهره حرصًا على مصلحة اليمن، وفي باطنه العذاب، ينطلي عليهم أو يخدعهم، بعد أن بات كل شيء مكشوفًا وظاهرًا للعيان، خاصة في ظل ما يحدث حاليًا بين السعودية ومشيخة الإمارات، رأس الشر في التآمر على اليمن ووحدته، من خلاف شكلي على جزء من الأرض اليمنية، هدفه خلط الأوراق وقلب موازين اللعبة، والإيحاء لمن لا يعرف هدفيهما الخبيثين بأنهما أصبحا على مفترق طرق، وأن مصلحتهما المشتركة في تدمير اليمن قد انتفت عند كل طرف منهما، وهو ما لا يصدقه عقل ولا يعتمده منطق. فكلاهما غارقان من أذنيهما إلى أخمص قدميهما فيما وصل إليه الشعب اليمني من وضع غير مستقر، بسبب حربهما وفرض الحصار عليه للعام الحادي عشر على التوالي، وإثارة الفتن بين أبنائه، تنفيذًا لأجندات أسيادهما في أمريكاوبريطانيا وإسرائيل، وهي الدول الفاقدة لنفوذها في اليمن بعد قيام ثورة 21 سبتمبر الشعبية عام 2014م، التي وضعت حدًا للتدخل الخارجي في الشأن اليمني، وحررت قراره السياسي من الهيمنة الخارجية ليصبح قرارًا سياديًا. وعليه، لا يجب أبدًا أن نأخذ بمحمل الجد ما يحدث بين السعودية ومشيخة الإمارات، حتى لو وصلت الاشتباكات بينهما إلى حدودهما، وليس فقط على الأرض اليمنية؛ لأن كلا الطرفين ينفذان مخططًا جهنميًا يُملى عليهما من أمريكاوبريطانيا وإسرائيل، بهدف إشعال النار وإحراق اليمن، وجعل أبنائه يقتتلون فيما بينهم بحجج ودعاوى ليس لها أساس من الصحة على أرض الواقع، وإنما توجد فقط في مخيلة واضعيها، ولا يصدقها إلا ضعاف النفوس الذين تعودوا على بيع ضمائرهم وكرامتهم الوطنية مقابل ثمن بخس يدفعه لهم أسيادهم على حساب وطنهم ومصلحته العليا. غير مستفيدين من دروس عقدٍ من الزمن تعرّض فيه اليمن لأبشع وأقذر عدوان شاركت فيه أكثر من عشرين دولة، بينها دول عظمى، ولم يكن هدف تدخلهم وشن عدوانهم مصلحة الشعب اليمني كما يشيعون في خطابهم السياسي ووسائل إعلامهم بمختلف توجهاتها، المتخصصة في قلب الحقائق وتضليل الرأي العام في الداخل اليمني وفي العالم كله. وحين فشل إعلامهم بخطابه التضليلي في إقناع من يتابعه، افتعل الموجّهون له قضايا جانبية لشد الانتباه، وجعل قضية اليمن ضمن التوجه الجديد لتذكير الناس بها، والإيحاء بأنهم يعملون لصالح اليمن وخدمته من خلال تدمير بنيته التحتية وقتل أبنائه، ويعتبرون ذلك إنجازًا كبيرًا بالنسبة لهم. فجاء الخلاف الشكلي والمتفق عليه بين السعودية ومشيخة الإمارات، الذي تُوّج بما وصفه العميل عيدروس الزبيدي بالإعلان الدستوري، ليعيد اليمن إلى الصدارة، وتذكير شعوبهم به، التي ملت من كذبهم عليها، بأنهم ما يزالون يدافعون عن قضايا الأمة ودرء الخطر عنها الذي يشكله اليمن عليها – حسب زعمهم – مع أن طوفان الأقصى وما حدث بعد ذلك من تدمير لغزة هاشم، وقتل عشرات الآلاف من أبنائها وتهجير سكانها على أيدي الجيش الصهيوني، قد فضحهم تمامًا وفضح مواقفهم، إلى جانب سكوتهم على اعتداءات إسرائيل، بدعم أمريكي وغربي، على اليمن لأنه تصدى للجيش الصهيوني ووقف بصدق إلى جانب الأشقاء في قطاع غزة، وكذلك سكوتهم على اعتداء إسرائيل على لبنان وسوريا واحتلال أجزاء من أراضيهما، وأيضًا الاعتداء على إيران كدولة إسلامية قدمت لقضية فلسطين ما لم تقدمه كل الدول الإسلامية والعربية مجتمعة، وما أكثرها وأكثر جيوشها الجرارة، التي بُنيت أساسًا للدفاع عن الأنظمة والحكام، وليس للدفاع عن قضايا الشعوب والأوطان. ومن يتابع ما يجري بين السعودية ومشيخة الإمارات سيجد أنه خلاف على تقسيم الكعكة والحصول على أكبر نصيب منها متعلق باليمن، وليس خلافًا جوهريًا حول قضايا أساسية بينهما، مستغلتين ارتماء العملاء والمرتزقة من أبناء اليمن – مع الأسف الشديد – في أحضانهما، مضفيين لهما شرعية التدخل لتدمير اليمن وتجزئته والقضاء على وحدته؛ لأن بقاءه موحدًا وقويًا يشكل في نظرهما خطرًا عليهما، وهو ادعاء باطل وحجة غير صحيحة. وإن كان اللوم في هذا الجانب يجب أن يوجَّه أولًا إلى من سمح لهما بالتدخل في الشأن الداخلي اليمني من أبناء اليمن أنفسهم قبل أن يوجَّه إليهما، غير مدركين أن الوطن فوق الجميع، والدفاع عنه واجب ديني ووطني، ومن يرضى بغير ذلك فإنه غير منتمٍ في الأساس إلى وطنه. وهنا تبرز حقيقة أن الأوطان حين تبكي متألمة من أوجاعها لا يبكي معها إلا الشرفاء؛ فالأوطان كأحضان الأمهات لا تُعوَّض، وخيانة الوطن أشد فتكًا من العدو نفسه. صحيح أن التدخل السعودي قديم في الشأن اليمني، ولم يكن وليد الأمس أو اليوم، أو نتيجة لتحالفه مع مشيخة الإمارات التي لم يبلغ عمرها خمسين عامًا؛ فمنذ تأسيس النظام السعودي في 23 سبتمبر عام 1932م من قبل بريطانيا، ووضعه تحت الحماية الأمريكية، وكل حكامه المتعاقبين ينفذون السياسة البريطانية الاستعمارية: «فرّق تسُد»، حيث لم يسلم من ذلك أحد، بما في ذلك جيرانه المقربون، ولا توجد مشكلة أو قضية معقدة في العالمين العربي والإسلامي إلا وكان لهذا النظام دور فيها. ولم يكتفِ بتصدير الفتن إلى الشعوب ليتقاتل أبناؤها مع بعضهم، وهو يمول بالسلاح والمال لتغذيتها، بل زاد على ذلك باختراع الفتن الطائفية والمذهبية التي قدمت الدين الإسلامي الحنيف للعالم على أنه دين الذبح والقتل والإرهاب، بهدف تشويه هذا الدين العظيم الذي حكم معظم بلاد المعمورة بعدله وتسامحه، وبما حمله للبشرية من هداية لأكثر من ألف عام. لكن النظام السعودي المتعجرف، الذي أيقن أنه من خلال عملائه ومرتزقته المزروعين بأمواله في أوساط الشعب اليمني قد أصبح الزمام في يده، نسي أنه في كل محاولاته التآمرية، سواء في الماضي أو الحاضر، يراهن دون شك على حصان خاسر، ولن يحقق أهدافه الشريرة؛ لأن الشعب اليمني، بفضل وعي أبنائه الأحرار، يدرك أبعاد المؤامرة والعداوة التاريخية التي يضمرها بنو سعود لليمن، والتي تستهدف أعز وأنبل مكتسبات الشعب اليمني، والمتمثلة في وحدته، واكتشاف خيرات الأرض اليمنية من النفط والغاز، التي ستعود بالخير العميم على اليمن كله، وتغنيه عن المساعدات التي يقدمها النظام السعودي على استحياء، ويتبعها بالمنّ والأذى وإذلال أبنائه.