يصادف بعد غدٍ الأربعاء الموافق 11 فبراير 2026م مرور خمسة عشر عامًا على انتقال ما عُرف بأحداث الربيع العربي إلى اليمن، فكان هذا اليوم هو البداية لانتفاضة الشباب التي تحولت إلى ثورة شابها الكثير من الجدل والتآمر عليها، فلم تحقق النتيجة المرجوة منها بسبب سماح الشباب للأحزاب وقيادات من النظام السابق بالالتفاف عليها، ثم جاءت المبادرة الخليجية لتشكل القشة التي قصمت ظهر البعير؛ لأنها أبقت على النظام الذي ثار عليه الشباب شريكًا في الحكم، بالإضافة إلى تواجد القوى التقليدية التي لم تكن تفكر إلا في خدمة مصالحها، وأحرمت القوى الصاعدة من إحداث التغيير الشامل الذي كان يطمح إليه الجميع. وبما أنني كنت معاصرًا لتلك الأحداث ومتابعًا لها، وأُقصيت من عملي مدة ستة أشهر بسبب مقال قلت فيه إن رأس النظام السابق لم يُحسن التعامل مع ثورة الشباب بسبب استماعه لبطانته السيئة، فسأعود قليلًا إلى الوراء لأقف أمام طبيعة الأحداث التي شهدتها تلك الفترة في عدد من الدول العربية، وكان لليمن نصيب منها. في أواخر شهر ديسمبر من عام 2010م تفجرت الأوضاع في تونس تزامنًا مع إحراق محمد بوعزيزي نفسه احتجاجًا على الإهانة التي وجهتها إليه شرطية في البلدية، ولم يكن أحد يتوقع أن هذه الحادثة ستكون سببًا في سقوط الرئيس زين العابدين بن علي وسقوط نظامه، ثم امتدت شرارة الاحتجاجات إلى مصر واليمن وليبيا، وهي الدول التي كان حكامها يُعدّون لمشروع توريث الحكم في عائلاتهم وجعله حكرًا عليهم، لتصبح الأنظمة الجمهورية فيها أنظمة وراثية لا تفرق عن الأنظمة الملكية إلا من حيث التسمية. آنذاك كان الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح وقيادة المؤتمر الشعبي العام مشغولين بما أسماه سلطان البركاني: تصفير العداد، وإرسال المندوبين إلى المحافظات تحضيرًا لإجراء الانتخابات البرلمانية، والتي لم تكن أحزاب اللقاء المشترك مستعدة لها والمشاركة فيها، فاستغلها الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح فرصة مهددًا بخوض الانتخابات البرلمانية مع حلفاء المؤتمر الشعبي من الأحزاب والتنظيمات السياسية. ولأن أحزاب اللقاء المشترك كانت قد أعلنت عن عجزها عن خوض الانتخابات، فقد تقدمت بطلب يكاد يكون عاديًا تمثل في طلب التمديد عامين آخرين لمجلس النواب، ولكن قيادة المؤتمر الشعبي العام رفضت هذا الطلب وأصرت على إجراء الانتخابات البرلمانية، فوجدت أحزاب اللقاء المشترك نفسها في مأزق؛ فإن شاركت في الانتخابات لن تحصل على مقاعد مناسبة تسمح لها بأن تشكل معارضة قوية داخل مجلس النواب، وإن امتنعت عن المشاركة ستفقد شعبيتها، فظلت ترقب الأحداث عن بُعد، ولم تجد محاولاتها إقناع الرئيس الأسبق بالتراجع عن إجراء الانتخابات والموافقة على التمديد مرة أخرى لمجلس النواب صدى يُذكر. فجاء الفرج بالنسبة لها من حيث لا تحتسب، لقد تسارعت الأحداث في تونس فسقط النظام وسقط رئيسه يوم 25 يناير 2011م، وانتقلت بسرعة البرق إلى مصر، فوجدت أحزاب اللقاء المشترك بارقة أمل للخروج من مأزقها من خلال الضغط على نظام صالح، ولم يكن يهمها إلا التراجع عن إجراء الانتخابات، بينما كان الإعلام الرسمي يسخر مما يجري في تونس وانتقاله إلى مصر، معتقدًا أن النظام في اليمن محصن ولن تمتد إليه هذه الأحداث. لكن دعوات بعض الشباب في وسائل التواصل الاجتماعي للخروج إلى ميدان التحرير بالعاصمة صنعاء يوم 11 فبراير 2011م للمطالبة بتغيير النظام وإسقاط مشروع التوريث أزعجت السلطة في صنعاء، فتعاملت مع هذه الدعوات بمحمل الجد، حيث سارع أمين العاصمة ومدير دائرة التوجيه المعنوي حينها، بتوجيهات عليا، إلى حجز ميدان التحرير ونصب الخيام داخله بحجة تحويله إلى معرض للحرف التقليدية، وكان الهدف الأساس من ذلك هو قطع الطريق على الشباب من الوصول إليه والاعتصام فيه. فكانت المفاجأة كبيرة بالنسبة للنظام عندما اتجه الشباب إلى ساحة الجامعة واحتلالها، وهم بالعشرات، وكان بالإمكان السيطرة عليهم وتخديرهم بمجموعة من الوظائف لأن أغلبهم من خريجي الجامعات العاطلين، لكن الغرور والتعالي الذي أصاب أركان النظام السابق، واعتقادهم بأن ما حدث في تونس ومصر لن يتكرر في اليمن، حيث كانت ثقتهم زائدة إلى حد الاحتقار لمن يطالبون في ساحة الجامعة بإسقاط النظام. وهنا وجدت أحزاب اللقاء المشترك، التي كانت في البداية مكتفية بمراقبة ما يجري، نفسها مضطرة لدعم الساحة بعد أن رأت أن هناك توجهًا جديًا من قبل الشباب لتغيير الأوضاع، فدفعت بأنصارها للمشاركة في الاحتجاجات، حيث تزعمت شباب اللقاء المشترك توكل كرمان، وتكفل الشيخ حميد الأحمر بتوفير الوجبات الغذائية للمتواجدين في ساحة الجامعة، فانضم إليهم العمال العاطلون الذين كانوا يأتون ليأكلوا مجانًا ظهرًا، وبعد العصر يخرجون في مسيرات في الشوارع منددة بالنظام ورئيسه. وحين أصبحت الأمور خارج نطاق سيطرة النظام، لا سيما بعد سقوط النظام في مصر وتنازل رئيسه عن السلطة، وكذلك في ليبيا، لم يكن أمام نظام علي صالح إلا حشد أنصاره في ميدان السبعين كل جمعة لعل وعسى يتم التوصل إلى حل وسط. لكن أحداث جمعة الكرامة الدموية كان لها كلمتها، فجعلت الشباب أكثر عتوًا ونفورًا، وكانوا فعلًا سيسقطون نظام صالح بالكامل لولا انضمام الجنرال علي محسن صالح إلى ثورة الشباب بحجة حمايتها، فتمكن من الالتفاف على الثورة وأفقدها بريقها وحولها إلى حزبية، فضعفت وخمدت جذوتها. فأتى بعد ذلك حادث جامع دار الرئاسة الذي أُصيب فيه صالح ليزيد الطين بلة، فتوقفت المظاهرات وبقي كل طرف متخندقًا في عرينه حتى تماثل صالح للشفاء، فطلب من السعودية التدخل عبر المبادرة الخليجية التي صاغها المؤتمر الشعبي العام، وتم بموجبها إعادة إنتاج النظام السابق بثوب مختلف، حيث تم التنازل عن الرئاسة للنائب، واقتسام المناصب الحكومية بين المؤتمر الشعبي العام ومعارضيه، فاحترقت الطبخة، وظن كل فريق أنه كان مظلومًا في الماضي، فبدأ بالانتقام من غريمه، وتمت المتاجرة بالوظيفة العامة وتوزيعها على المقربين، وصارت أمريكا والسعودية هما من يتحكمان في مقاليد الأمور عبر سفيريهما في اليمن، وتمت هيكلة الجيش وتقسيمه وتدمير منظومة الدفاع الصاروخي الجوي بإشراف السفير الأمريكي تمهيدًا لاحتلال اليمن وتجزئته. وكان كل ذلك سيتحقق بسهولة مطلقة لولا قيام ثورة 21 سبتمبر الشعبية عام 2014م التي حمت اليمن من الأقلمة ورهنها للخارج من جديد، فكان رد الفعل عنيفًا، حيث تم شن عدوان بربري كوني على اليمن وشعبه العظيم مضى عليه أحد عشر عامًا ولم يحقق أهدافه بفضل صمود أبناء الشعب اليمني ومقاومتهم له، وسيتحقق النصر عما قريب بإذن الله، ليستعيد اليمن مكانته ويكون الرائد في المنطقة .