بعد مرور نحو شهر على اندلاع العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية في إيران في 28 فبراير 2026، والرد الايراني المشروع الذي طال العمق الصهيوني والقواعد العسكرية الأمريكية البحرية والجوية في دول الخليج العربي، لا تزال منطقة الشرق الأوسط تشهد تحولات متسارعة في موازين القوى، وسط تراجع تدريجي للدور الأميركي التقليدي وصعود قوى إقليمية جديدة . المحلل السياسي العراقي الاستاذ قاسم الغراوي، مدير مركز إنكيدو للدراسات، قدم من خلال الحوار التالي، قراءة نوعية لمجمل التحولات، وركز على نماذج للمقاومة في العراقولبنانواليمن، ورسم أيضاً ملامح للنظام الإقليمي الذي قد تفرزه المرحلة المقبلة. وخلص الاستاذ قاسم الغراوي، إلى أن المنطقة تشهد انتقالاً من نموذج الهيمنة الأحادية إلى مشهد أكثر تعقيداً وتعدداً في مراكز القوة، مع تراجع نسبي للدور الأميركي وصعود أدوار إقليمية ودولية متعددة، في ظل حرب مستمرة منذ نحو شهر أعادت تشكيل أولويات الأمن الإقليمي. حوار: عبير الجنيد - بعد أكثر من شهر على الحرب التي شنها العدوان الصهيوأمريكي على ايران، كيف تقيمون واقع النفوذ الأمريكي في المنطقة اليوم، وأين وصلت سياسة "الضغط الأقصى"؟ الولاياتالمتحدة تواجه تحديات متزايدة في فرض رؤيتها الأحادية.. فالمشاريع التي رعتها لإعادة هيكلة الشرق الأوسط واجهت صعوبات في تحقيق أهدافها، أما استراتيجية الضغط الأقصى، فقد استندت إلى فرضية أن الحصار والعقوبات والعمليات السريعة ستفكك مراكز القوة المعارضة، لكن التطورات الميدانية أظهرت أن هذه الفرضية لم تتحقق بالكامل. دور مؤثر - كيف تقرأون المشهد الميداني الحالي في (العراق، لبنان، غزة، اليمن) في ظل هذه الحرب؟ في العراق، شهدت السنوات الأخيرة تعزيز دور قوى محلية فاعلة لم تندثر رغم سنوات الصراع.. وفي لبنان، يظل حزب الله لاعباً رئيسياً في المعادلة السياسية والأمنية.. أما في غزة، فقد أظهرت المواجهات المتكررة أن التفوق العسكري التقني لا يترجم تلقائياً إلى حسم سياسي.. وفي اليمن، فرض أنصار الله واقعاً ميدانياً جعله طرفاً مؤثراً في معادلات الإقليم . منظومات متداخلة - كيف تفسرون التحول من الاعتماد على الجيوش التقليدية إلى ظهور "شبكات قوة" عابرة للحدود، وكيف أثر ذلك على حسابات القوى الكبرى؟ هذا التحول يعكس طبيعة التحديات التي واجهتها المنطقة، خاصة مع تصاعد التهديدات الإرهابية التي استدعت استجابات غير تقليدية. فتشكيلات مثل الحشد الشعبي في العراق لم تبق ضمن دورها العسكري فقط، بل تحولت إلى عناصر مؤثرة في المعادلة السياسية. هذه الشبكات أربكت الحسابات التقليدية للقوى الكبرى، لأنها نقلت الصراع من مواجهات بين دول إلى تفاعلات معقدة بين منظومات متداخلة يصعب احتواؤها بالوسائل الدبلوماسية أو العسكرية الكلاسيكية. تنوع سياسي واجتماعي - لماذا يوصف العراق بأنه نموذج مكثف لهذه التحولات؟ العراق يجمع عدة عناصر: تنوعاً اجتماعياً وسياسياً، وجود قوى محلية مسلحة فاعلة، تدخلات إقليمية ودولية متعددة، وموقعاً جيوسياسياً حساساً.. كما ان استمرار العمليات غير المحسومة فيه يعكس أن أدوات الصراع تتطور باستمرار، وأن معادلات الهيمنة الخارجية لم تعد تحسم كما كانت سابقاً. نظام إقليمي مفتوح - كيف تصفون النظام الإقليمي الذي تتجه إليه المنطقة بعد هذه الحرب، وهل سيتحقق "الشرق الأوسط الجديد" كمشروع صهيوني أمريكي؟ تتجه المنطقة نحو نموذج لا يهيمن عليه مركز واحد.. فالولاياتالمتحدة لم تعد قادرة وحدها على وضع قواعد اللعبة، وفي المقابل برزت أدوار متعددة لإيران وتركيا وروسيا والصين . الشرق الأوسط الجديد الذي يجري تشكيله اليوم لم يأت وفق الخطط التي وضعتها واشنطن أو تل أبيب. وما نراه هو منطقة تعيد ترتيب نفسها تحت ضغط صراع إرادات متعددة، حيث لا طرف يملك القدرة على فرض رؤيته بالكامل، والنتيجة هي نظام إقليمي مفتوح على احتمالات متعددة . استقرار المنطقة - لكن ماهي أبرز المخاطر التي يجب الانتباه إليها في المرحلة المقبلة؟ الخطر الأكبر هو الاعتقاد بأن القوة العسكرية وحدها قادرة على حسم المعادلات السياسية، فالتجارب الأخيرة أثبتت أن ما يُفرض بالقوة قد ينقلب على صانعه، وأن استقرار المنطقة سيعتمد على قدرة الأطراف المختلفة على إدارة التوازنات المعقدة.