لا ندري تحديداً ما هي الأوراق أو نقاط الضعف التي تحتفظ بها أمريكا وإسرائيل لاستخدامها ضد الحكام العرب وأنظمتهم وتخويفهم بها، فارضتين عليهم من خلالها الذلة والمسكنة والخنوع، لينعكس ذلك حتى على شعوبهم العاجزة عن إخراج مظاهرة واحدة تستنكر ما يُحاك لها من مؤامرات، حجّمت مواقفها تماماً وألغتها من الوجود، وجعلتها خاضعة لتنفيذ ما تمليه عليها أمريكا وإسرائيل من أجندات، وكأن العرب بوضعهم الحالي قد اختفوا من الخارطة. وهنا يطرح السؤال الكبير نفسه: هل كانت الإدارة الأمريكية التي يقودها المعتوه ترمب مع شريكته إسرائيل قادرة على أن تقوم بشن حرب عدوانية على إيران مكلفة جداً وضارة بسمعة أمريكا العظمى ومتسببة في خسارة حلفائها الأوروبيين وغير الأوروبيين دون أن تكون متأكدة وواثقة بأن دول مجلس التعاون الخليجي الثرية بقيادة السعودية هي من ستقوم بدفع تكاليف هذه الحرب، إن لم تكن قد دفعتها مقدماً، ولا يُستبعد أن تكون الخمسة تريليونات دولار التي حصل عليها ترمب خلال زيارته للسعودية وقطر والإمارات في فترة سابقة هي جزءاً من تكاليف هذه الحرب غير المبررة والمخالفة للقانون الدولي. وذلك كما سبق وفعلت دول مجلس التعاون الخليجي عندما دفعت تكاليف الحربين الكونيتين على العراق عامي 1991 و2003م باعتراف قادتها، وما زلت أتذكر قول الملك السعودي الراحل فهد بن عبدالعزيز رداً على من حاولوا إقناعه من العقلاء العرب بأن لا يستقدم قوات أجنبية لتحرير الكويت، وأن يكون الحل عربياً حتى لو استدعى ذلك أن تقوم الجيوش العربية مجتمعة لمحاربة نظام الرئيس صدام حسين وإخراج جيشه من الكويت بالقوة، ولكن الملك فهد رد عليهم بقوله: أنا لن أخسر شيئاً عندما أستقدم قوات أجنبية إلى المنطقة لأن النفط يأتيني مجاناً من الأرض، وسندفع التكلفة من عائداته، ولا يزال هذا التفكير قائماً لدى دول الخليج حتى اللحظة، فهم لم يعرفوا قيمة الثروة التي حباهم الله بها، وغيرت حياتهم من حياة البداوة إلى حياة البذخ والترف، بل وإلى الفسق بها حتى يأذن الله بالخسف بهم كما خسف بقارون وداره الأرض أو إهلاكهم بأية وسيلة أخرى. إن الثروة التي جاءت فجأة لدول الخليج وجعلتهم ينبهرون بها لم تُستغل في بناء أوطانهم البناء الصحيح، ولم يكن التطور الذي أحدثوه تطوراً حضارياً وعلمياً ومعرفياً ينافسون به الأمم المتقدمة، بقدر ما اقتصر هذا التطور الذي أحدثوه على ارتباطه بالمادة، فجعلوا من خلاله بلدانهم غابات من الإسمنت يتباهون بالتطاول بالعمران والأبراج، ولكنهم لا يستطيعون صناعة شيء يفيدهم ويكون من إنتاجهم على الأقل لتخفيف اعتمادهم على الغير. صحيح إنهم يستطيعون بما يمتلكونه من أموال شراء أحدث ما أنتجته البشرية من الصناعات المعقدة، ولكنهم لا يتقنون استخدامها، فتبقى بالنسبة لهم بمثابة خردة ما لم يستقدموا لها خبراء من الخارج لتشغيلها، وأكثر شيء فلحوا فيه ويشهد لهم العالم كله بذلك هو تخصيص أموالهم لإثارة الفتن المختلفة لدى الشعوب الأخرى كما يفعلون مع إيران حالياً خوفاً منها لأنها اعتمدت على نفسها في كل شيء صناعياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً رغم التآمر والحصار المفروض عليها منذ ما يقارب نصف قرن، وها هي اليوم تواجه بقدراتها الذاتية وإنتاجها المحلي أقوى قوتين نوويتين في العالم والشرق الأوسط، ولم تطلب من أي طرف مساعدتها للدفاع عنها وحمايتها كما تفعل الدول الخليجية التي تمتلك من الأموال والإمكانيات ما يجعلها تتحول إلى دول كبيرة وقوية تستطيع الدفاع عن نفسها دون مساعدة الآخرين فيما لو وثقت في شعوبها واعتمدت عليها، ولكنها تخاف من شعوبها أكثر مما تخاف من أعدائها. وليس الأمر مقتصراً على الدول العربية الثرية، فبقية العرب سواء كانوا ميسوري الحال أو فقراء فإنهم لم يفكروا يوماً أن يشقوا طريقهم بأنفسهم ويتحرروا من التبعية لدول تتحكم في مصائرهم كأمريكا وبريطانيا وإسرائيل وغيرها، فسلبت إرادتهم الوطنية والسياسية بالكامل حتى جعلتهم غير قادرين على تحديد موقفهم من قضايا تخصهم بالدرجة الأولى، فكيف بهم أن يحددوا مواقفهم من قضايا الآخرين ما لم تأتهم تعليمات من الدول التي تسيرهم، وما يحدث في أروقة الجامعة العربية نموذجاً. ولذلك لا يهابهم العالم ولا يجعل لهم أية أهمية، وخير دليل احتقار الصهيوني النتن ياهو لهم، حيث وصفهم في أكثر من مناسبة بأنهم حيوانات، وكأنهم سعداء بهذا الوصف، حيث يتضح ذلك من سكوتهم كعلامة للرضا وعدم قدرتهم على الرد عليه أو حتى الاحتجاج، بل ويخافون أن يقولوا إن الحرب على إيران كدولة إسلامية هي حرب عدوانية قامت بها أمريكا وإسرائيل وساعدتهما دول الخليج ودول عربية أخرى من خلال جعل القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة في أراضيهم منطلقاً للعدوان عليها، وأن إيران في موقف الدفاع عن نفسها ولم تعتدِ على أحد. وبدلاً من أن يقوموا بإدانة العدوان على إيران سارعوا لإدانة إيران نفسها معتبرين أن الدفاع عن نفسها عدوان على الآخرين، فأي هوان أكثر من هذا وصل إليه العرب، وهو هوان يناقض تماماً تاريخهم المشرف عندما كانوا يحكمون ثلثي المعمورة لعدة قرون، فجاءت السلطة التي جعلوا كرسيها هدفاً رئيسياً يتنافسون عليه لتهوي بهم إلى الحضيض، بالإضافة إلى الانقسامات فيما بينهم ومعاداة بعضهم البعض، فزاد الضعف في أوساطهم وصار العالم ينظر لهم كصفر على الشمال ورقماً مفقوداً غير مؤثر في الأحداث، ويا ليتهم يستفيدون من موقف اليمن الجديد ومحور المقاومة المتمثل في حزب الله اللبناني والحركات الوطنية في العراق، وكيف استطاعوا أن يواجهوا دولاً كبرى بما فيها أمريكا وهزموها، وذلك بفضل توكلهم على الله وبما يمتلكونه من إرادة وطنية وقدرات رغم محدوديتها، ولكنهم سخروها للدفاع عن النفس وانتصروا بها.