وليد سند يُعرف الشاعر اليمني الكبير عبدالله البردوني بعبقريته الشعرية الفذة التي أثرت المكتبة العربية بالعديد من الدواوين الخالدة. لكن في غمرة الاحتفاء بشعره، غالبًا ما تُغفل جوانب أخرى من إبداعه لا تقل أهمية وعمقًا، ألا وهي كتبه النثرية التي تمثل كنوزًا معرفية وأدبية تستحق أن تُسلط عليها الأضواء. هذه الأعمال النثرية ليست مجرد شروحات أو هوامش على شعره، بل هي مؤلفات قائمة بذاتها، تكشف عن فكر البردوني الموسوعي، ونظرته الثاقبة للمجتمع والتاريخ والأدب. رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه: نظرة شاملة على تاريخ الشعر اليمني يُعد كتاب "رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه" [1] من أهم الأعمال النثرية للبردوني، حيث يقدم فيه نظرة شاملة وعميقة لتطور الشعر في اليمن، بدءًا من العصر الجاهلي وصولًا إلى العصر الحديث. كان هذا الكتاب تحليلًا نقديًا وفكريًا يربط بين الشعر والواقع الاجتماعي والسياسي لليمن. يعتبر هذا العمل أول محاولة جادة لتصنيف الشعراء اليمنيين وتقديم دراسة متكاملة عنهم، مما جعله مرجعًا أساسيًا للباحثين والمهتمين بالأدب اليمني. يتميز الكتاب بأسلوب البردوني السلس والعميق في آن واحد، حيث يجمع بين دقة المعلومة وجمال العرض. يتناول البردوني في هذا السفر الأدبي قضايا وأطروحات عديدة تثير الفضول وتدعو إلى التأمل، مما يؤكد على قدرته الفائقة على الربط بين الفن والحياة، وتقديم رؤى جديدة ومبتكرة في مجال النقد الأدبي والتاريخ الثقافي. هذا الكتاب ليس فقط سجلًا للشعر اليمني، بل هو شهادة على وعي البردوني العميق بجذور الثقافة اليمنية وتطلعاتها المستقبلية. قضايا يمنية: مرصد سيسيوثقافي لتاريخ اليمن المعاصر يُعد كتاب "قضايا يمنية" [2] وثيقة أدبية وسياسية بالغة الأهمية، فهو بمثابة مرصد سيسيوثقافي لمرحلة حاسمة من تاريخ اليمن المعاصر. يتناول البردوني في هذا الكتاب قضايا متعددة، بدءًا من الحركات الوطنية وما لها وما عليها، مرورًا بالثورة والمشاكل الثورية، وصولًا إلى دور الثقافة في دعم الثورة ورسم التاريخ. يكشف هذا العمل عن عمق رؤية البردوني السياسية والاجتماعية، وقدرته على تحليل الأحداث التاريخية وربطها بالواقع الثقافي. ما يميز هذا الكتاب هو أن البردوني لم يكتفِ بسرد الأحداث، بل قدم تحليلًا نقديًا لها، مستعرضًا الأسباب والنتائج، ومسلطًا الضوء على التحديات التي واجهت اليمن في تلك الفترة. يرى النقاد أن "قضايا يمنية" كتاب يجسد اليمن نفسه، فهو يخلد لحظة منسية من ذاكرة الوطن، ويقدم قراءة فريدة للتاريخ من منظور أدبي وفكري. هذا العمل يؤكد على أن البردوني لم يكن مجرد شاعر، بل كان مؤرخًا ومفكرًا سياسيًا من الطراز الرفيع. فنون الأدب الشعبي في اليمن: نافذة على التراث الثقافي اليمني يُعتبر كتاب "فنون الأدب الشعبي في اليمن" [3] من الأعمال الرائدة التي خاض فيها البردوني غمار التراث الشعبي اليمني، كاشفًا عن كنوزه المخفية. يتناول الكتاب فنونًا أدبية شعبية متنوعة مثل فن الزامل، والحكايات الشعبية، والأمثال، وغيرها من أشكال التعبير الثقافي الأصيل. يقدم البردوني في هذا العمل لمحة عميقة عن مفردات الحكايات الشعبية، مستعرضًا دلالات الجن، والمرأة، والأرض، والعشق، والنموذج الإنساني في سياقها الشعبي. تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه مرجعًا أساسيًا لدراسة الأدب الشعبي في اليمن، ليس فقط لليمنيين بل للعرب عمومًا، حيث يعلم كيفية تناول الكتابة عن الموروث الشعبي العربي بشكل عام. وقد حظي هذا الكتاب بتقدير واسع، حتى أنه تُرجم إلى لغات أخرى، مما يؤكد على قيمته العالمية في حفظ وتوثيق التراث الثقافي الشفهي. يبرز هذا العمل جانبًا آخر من جوانب عبقرية البردوني، وهي قدرته على الغوص في أعماق الثقافة الشعبية واستخراج دررها. اليمن الجمهوري: يعتبر تشخيص مبدع لتاريخ اليمن السياسي ويُعد كتاب "اليمن الجمهوري" [4] من أبرز مؤلفات البردوني النثرية التي تتناول التاريخ السياسي لليمن بعمق وتحليل. صدر الكتاب عام 1983، ويناقش تاريخ اليمن السياسي بدءًا من أحداث ما قبل ثورة الدستور وحتى قيام الجمهورية. يتكون الكتاب من أحد عشر قسمًا وثلاث وثلاثين فصلاً، يتتبع فيها البردوني حركة التاريخ في اليمن، ويضع القراء أمام تصور عام للحقب التي تمتد من العهد السبئي وصولًا إلى العصر الحديث.ما يميز هذا الكتاب هو قدرة البردوني على تشخيص اليمن بشكل مبدع، حيث أجمع النقاد على أنه يمثل الحقيقة جيدًا، ويُعد من الكتب القليلة والنادرة التي شخصت الشخصية اليمنية والصراع السياسي فيها. يسلط الكتاب الضوء على أسباب قيام الثورة اليمنية، وأساس البحث عن الجمهورية، ودور الثقافة في دعم الثورة. إن هذا العمل ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو تحليل عميق للجدليات الثقافية والسياسية التي شكلت اليمن، مما يجعله مرجعًا لا غنى عنه لفهم التحولات التي شهدتها البلاد. البردوني: فكر موسوعي يتجاوز الشعر إن إعادة تسليط الضوء على البردوني الناثر لا تقل أهمية عن الاحتفاء بالبردوني الشاعر؛ ففي نثره نجد اليمن الباحث عن ذاته، واليمني المتأمل في تاريخه، والمثقف العربي الذي يحاور القضايا الكبرى خارج حدود الجغرافيا. وإذا كان شعره قد منح اليمن صوتها، فإن نثره قد منحها ذاكرة فكرية لا تُقدّر بثمن.فقد كان عبدالله البردوني مفكرًا موسوعيًا ترك وراءه إرثًا نثريًا غنيًا لا يقل قيمة عن إبداعه الشعري. إن كتبه النثرية، مثل "رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه"، و"قضايا يمنية"، و"فنون الأدب الشعبي في اليمن"، و"اليمن الجمهوري"، تقدم رؤى عميقة وتحليلات ثاقبة في مجالات الأدب والتاريخ والسياسة والثقافة الشعبية. هذه الأعمال تستحق أن تُقرأ وتُدرس بعناية، فهي تكشف عن جانب آخر من جوانب عبقرية البردوني، وتؤكد على أنه كان قامة فكرية وأدبية شاملة، تجاوزت حدود الشعر لتلامس جوهر الهوية اليمنية والعربية. حان الوقت لكي نكتشف هذه الكنوز النثرية ونمنحها المكانة التي تستحقها في المشهد الثقافي العربي.