انهيار سور تاريخي في ساحل حضرموت    صنعاء: نقل عدد من القضاة وتغيير اسم محكمة ..!    انعقاد المؤتمر العلمي ال11 لجامعة 21 سبتمبر لمناقشة بحوث تخرج كلية الطب    الباحث البكيري: الزبيري وقحطان رمزان في مواجهة مشروع الإمامة (حوار)    أمن المشنة بإب ينظم مسيرًا راجلًا ووقفة تأييدًا للإنجازات الأمنية    الجنوب ينتفض تضامناً مع المكلا.. صوت الجماهير يندد بالقمع ويتوحد في وجه الانتهاكات    المواصفات تنفذ حملات رقابية لحماية المستهلك في ذمار والبيضاء    إصلاح البيضاء ينعى القيادي محمد أحمد المشدلي ويشيد بمناقبه    الضالع.. اعتداء على تربوي بعد كشفه حالة غش في اختبارات الثانوية العامة    حرس الثورة يكشف عن قاذفات صواريخ بالستية مزدوجة لاول مرّة    نائب وزير الاقتصاد يلتقي التجار والقطاع الخاص خلال اليوم المفتوح    الحرس الثوري الإيراني يعلن استهداف اضخم مجمع بتروكيماويات في السعودية    ترامب يهدد باندثار حضارة بعد حديثه عن السلام    مدرب منتخبنا "ولد علي": وضعنا خطة لمواجهة لبنان وهدفنا إسعاد الجماهير اليمنية    إب.. تواصل حملة التبرعات لمشروع طريق في مديرية الشعر    في اول رد فعل على شطب حكومة صنعاء الاف الوكالات التجارية.. شركة العاقل تحذر من الادعاء بوكالتها الحصرية لمنتجات فولفو    شبوة.. انتشار أمني غير مسبوق في عتق    رفع سقف طباعة الجوازات في أربعة فروع لمصلحة الهجرة والجوازات    محافظ الضالع يتعرض لحادث سير    قيامة الملح    الصورة والانعكاس    الإفراط في القوة بحضرموت ليس حلا    تراجع طفيف في أسعار الذهب والمعادن النفيسة عالمياً    بالصور .. مروحية HH-60W Jolly Green II.. قدرات متقدمة في مهام الإنقاذ العسكري    الحالمي يُعزّي أسرتي الشهيدين باحيدرة والمطحني    بالفيديو... هبوط طائرة بشكلٍ إضطراريّ على طريق سريع وسط السيارات!    "مسام" ينزع 1.231 لغماً خلال أسبوع زرعتها المليشيات الحوثية    من يتوج بلقب إفريقيا ؟.. المحكمة الرياضية الدولية تحسم النزاع بين المغرب والسنغال    المكلا اليوم تكشف المستور.. الخلايا النائمة لم تعد نائمة وطرد "الغزاة" واجب وطني مقدس    أزمة غذاء تهدد الملايين بسبب الحرب بالشرق الأوسط    لماذا يُستهدف اللواء الثاني دفاع شبوة؟    الانتقالي يحشد أنصاره لتصعيد شامل ضد السعودية في شبوة    ندوة دولية بصنعاء للتضامن مع إيران ومحور المقاومة    قمة ساخنة بين ريال مدريد وبايرن... واختبار صعب لآرسنال في لشبونة    ضبط عصابة متخصصة بسرقة كابلات الاتصالات في همدان    في اجتماعه الأول بعدن.. مجلس ضمان الودائع يناقش تعزيز الثقة بالقطاع المصرفي    الاستيقاظ فجراً... لماذا يحدث وكيف تعود إلى النوم؟    إقرار مسودة المرحلة الثانية من استراتيجية توطين الصناعات الدوائية    داخلية الاحتلال الأجنبي في المكلا تلاحق 3 من قيادات انتقالي حضرموت (وثيقة)    بمشاركة 40 فريقا.. اتحاد كرة القدم يحدد الأربعاء المقبل موعدا لقرعة كأس رئيس الجمهورية    الحكومة تقر إصلاحات مالية وتعتمد إنشاء الهيئة العامة لشؤون الجرحى    اليمن: خسائر قطاع السياحة تتجاوز 11 مليار دولار خلال عقد من العدوان    استئناف افتتاح متحف الموروث الشعبي بصنعاء    مرض السرطان ( 6 )    اتحاد كرة القدم يحدد نهاية إبريل الجاري موعدا جديدا لانطلاق بطولتي كأس الجمهورية والدوري اليمني    إحباط تهريب قطع اثرية في مذيخرة    المكلا تُذبح بصمت... والرصاص يكتب فجرها الأسود    مدير عام المنصورة يناقش أوضاع وأداء مستشفى مايو الجراحي    المهرة مهددة بالظلام.. مشاكل قطاع الكهرباء تعود إلى الواجهة وحكومة الزنداني تقف امام اول اختبار حقيقي    اتحاد كرة القدم يتفق مع وزارة الشباب والرياضة لتأجيل موعد الدوري اليمني ومعالجة مشاكل أندية عدن وتعز    الخارجية الإماراتية توضح بشأن أوضاع الجالية الإيرانية    عدن.. نقل عريس إلى العناية المركزة بسبب منشط جنسي    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    رسمياً.. 3 دول تفاجئ العالم باعلان الخميس أول أيام عيد الفطر    وزارة الأوقاف:الخميس متمم لشهر رمضان والجمعة أول ايام عيد الفطر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ملوك الطوائف العرب في العصر الداعشي الباسيجي
نشر في يمن فويس يوم 17 - 06 - 2014

في مايو/ أيار من عام 2003، أي بعد أقل من شهر سقوط بغداد، ألقى كاتب هذه السطور محاضرة ضمن سلسلة محاضرات «رالف ميليباند» السنوية التي تنظمها مدرسة العلوم الاقتصادية والسياسية في لندن تخليداً للأكاديمي والناشط السياسي اليساري المعروف، وهو والد زعيم حزب العمال الحالي، إد ميليباند. وكان موضوع ذلك العام هو «قوة أمريكا في القرن الحادي والعشرين»، حيث شمل تقديم عشر محاضرات من خبراء في الشؤون الدولية والأمريكية والاوروبية. وكان نصيبي تناول تجليات قوة أمريكا في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.
لخصت حينها رأيي بأن سياسة أمريكا الشرق أوسطية تعكس العجز عن التأثير، رغم المظاهر التي تشير إلى خلاف ذلك. وسيكون قرار أمريكا بغزو العراق كارثة على المصالح الأمريكية لأنه سيعزز من قوة ونفوذ إيران في المنطقة. وأضفت أن أنصار آية الله الخميني يكونون معذورين لو زعموا أن تحركات أمريكا في المنطقة هي من كرامات الإمام الراحل. فهاهي أمريكا منذ عام 2001 تنفذ لإيران كل مخططاتها، بداية بإضعاف السعودية بدءاً بدخول القوات الأمريكية إلى أراضيها في عام 1990، ومروراً بإسقاط نظام الطالبان في أفغانستان نهاية 2001. وهاهي أمريكا باحتلال العراق تمهد لقيام دولة شيعية متحالفة مع إيران، وهو ما سيضع الخليج بكامله تحت الهيمنة الإيرانية.
استعدت هذه النبوءة لأمرين، أولهما ما يشهده العراق حالياً من اضطراب هو في ظاهره إضعاف لنظام المالكي الموالي لإيران، ولكنه في جوهره تكريس للطبيعة الطائفية للنظام العراقي ولنفوذ إيران فيه، في غياب القوى الموازنة؛ وثانيهما انعقاد المؤتمر الذي نظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة خلال الأيام الثلاثة الماضية حول موضوع: «العرب والولايات المتحدة الأميريكية: المصالح والمخاوف والاهتمامات في بيئة متغيرة»، وهو مؤتمر أشارك فيه.
وقد استدعى النقاش الذي دار في المؤتمر إعادة النظر في تلك التوقعات وإعادة تقييم الوضع في ظل التطورات الأخيرة في العراق والمنطقة. فهل هناك مبرر لتغيير المقولة بأن الولايات المتحدة تحولت في العراق إلى ميليشيا موالية لإيران، وأن احتلالها كرس نفوذ إيران في المنطقة؟ هناك منظوران في المسألة، الأول يركز على ما يبدو أنه تمدد إيراني، بدءاً من زيادة النفوذ الإيراني في العراق، وتحول سوريا عملياً إلى محمية إيرانية، وهيمنة حزب الله على لبنان، مع ضغوط على دول الخليج عن طريق المكونات الشيعية فيها. أما المنظور الآخر فيركز على البعد السلبي، وهو تورط إيران في مستنقعي العراق وسوريا، واستنزاف مواردها المالية والسياسية. فإيران عملياً أشهرت إفلاسها الأخلاقي في سوريا، وفقدت معظم رصيدها السياسي، خاصة دعم الشارع العربي لحزب الله، وانكشفت باعتبارها دولة طائفية الهوية مكيافيلية السياسة. وبدعم أنظمة علمانية وحشية تحت ضغط العامل الطائفي الذي افتقد كل بعد ديني، وتحول إلى هوية «إثنية» مثل الهوية الفارسية أو الكردية، بحيث لا يرى صانع السياسة بأساً بدعم «الشيعي» الملحد ضد السني المؤمن.
ولا شك أن هناك صحة في كلا التحليلين. فمن لايهتم بالعامل الأخلاقي، يمكنه أن يزعم أن إيران تمددت جغرافياً، تماماً كما تمددت إسرائيل ببناء المستوطنات وضم الأراضي، وكما تمددت أمريكا بغزو العراق وأفغانستان واتخاذ القواعد العسكرية في المنطقة. أما من يتبنى النظرة الكلية فإنه يرى أن الإفلاس الأخلاقي مقابل التمدد الجغرافي هو خسارة كبرى، وليس نصراً، وإلا لكان «الشيطان الأكبر» هو أعظم المنتصرين.
ولكن ما يكرس الوضع الحالي هو أن الجانب المنافس لإيران في المنطقة لا يقل إفلاساً، لأنه يهزم جغرافياً ومادياً بعد أن هزم نفسه أخلاقياً. فمعظم الأنظمة العربية المنافسة لإيران، سواءً في الخليج أو بقية دول المشرق العربي، هي في حالة حرب مع شعوبها، ولا يقل افتقارها إلى الرصيد الأخلاقي والسياسي عن افتقارها إلى القدرات العسكرية والاستخباراتية والوزن الدبلوماسي. فهنا تتعرض كل القوى السياسية الفاعلة العربية، من إسلامية وليبرالية وقومية، للمحاربة والقهر، كما أن منظمات المجتمع المدني تحارب وتقمع كذلك. وحتى النشاط الاقتصادي المستقل يحاصر بسبب الفساد والاستحواذ. فمن ناحية عملية، تتعرض المجتمعات العربية للخنق والحصار من قبل الأنظمة، مما يعرضها للشلل وخطر الموت.
ولكي يمارس هذا القهر، فإن الأجهزة الأمنية أولاً والعسكرية ثانياً هي التي تحتل مركز القوة، وتجير لمصلحتها الموارد، وتمنح كافة الصلاحيات. وهذا يشبه إلى حد كبير حال إيران، حيث يحتل الحرس الثوري والباسيج مركز السلطة، ويهيمن على الاقتصاد ويتحكم بالسياسة، ويسير المجتمع. ولكن مع الفارق. حيث أن الجيوش العربية لا تمتلك أي إمكانات فعلية، وهي عاجزة عن حماية دولها من أي هجوم خارجي، سواءً أكان من إسرائيل أو إيران، وتعتمد أكثر من اللازم على دعم خارجي أمريكي وغربي قد يأتي وقد لا يأتي. وبنفس القدر، أثبتت أجهزة المخابرات العربية عجزاً وفشلاً بالتنبؤ بالكوارث القادمة، وظهور ونمو تنظيمات مثل داعش. وفي الميدان السوري، أثبتت كذلك هذه الأجهزة عجزاً فاضحاً في مواجهة المخابرات السورية والإيرانية، رغم الدعم الدولي والإقليمي لجهودها.
وكانت النتيجة فراغاً سياسياً مخيفاً في قلب العالم العربي، ملأته تنظيمات متطرفة مثل داعش والقاعدة وغيرها، وهي تنظيمات لا مستقبل سياسيا لها، ويمثل التعلق بها في العراق وسوريا من قبل العرب السنة دليلاً إضافياً على العجز. بالمقابل، فإن الباسيج، وهو نظير داعش عند الشيعة، يملأ الفراغ في إيران، ويتمدد في سوريا والآن في العراق. والنتيجة هي أن العالم العربي سيوضع أمام خيارين أحلاهما مر: داعش السنية أم داعش الإيرانية؟
ولكن تظل المشكلة الأساس هي الفراغ الكبير الذي خلقه عجز وقصور الدول العربية الكبرى. وما لم تتدارك هذه الدول أمرها، وتعيد النظر في سياساتها الداخلية والخارجية، فإن هذه الدول ستتساقط مثل دويلات الطوائف، وتتعرض للفشل والانهيار والتقسيم. وقد تبدأ هذه الانهيارات في دول طرفية مثل اليمن والعراق وسوريا والسودان وليبيا، ثم تمتد إلى مصر ودول الخليج. ولكنها الأمر قد يحدث بالعكس، إذ قد تبدأ الانهيارات من مصر والخليج. فالوضع في مصر لا يقل خطورة عن العراق، لأن العراق يتمتع بموادر نفطية ضخمة ودعم إيراني- أمريكي، ويستطيع استعادة توازنه في نهاية المطاف. ولكن النظام المصري منهمك حالياً في مهمة مستحيلة لكبت المجتمع المصري، ويوجه معظم موارد الدولة وإمكانياتها لهذه المهمة المستحيلة التي فشلت في مثلها أنظمة سابقة كانت أقوى وتتمتع بشرعية أكبر، وفي ظروف عالمية مواتية أكثر. وهذا الوضع سيشل مصرها ويحيدها لعقود قادمة، قبل أن تضطر إلى التراجع أو تواجه خطر الانهيار. والخطر هو أن تجر منطقة الخليج معها إلى الهاوية.
للأسف فإن من يرد الله هلاكه فلا راد لقدر الله، ويصاب أول ما يصاب بالعمى. فكما أن الساسة الأمريكيين لم يدركوا عاقبة سياستهم العراقية إلى ضحى الغد، ولم ينتبه زعماء دويلات الطوائف في الأندلس إلى عاقبة أمرهم إلا بعد فوات الأوان، فإن دويلات الطوائف الحديثة ستكتشف عاقبة أمرها حين تصبح في وضع المالكي اليوم.
(القدس العربي)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.