استكمالًا لرؤية إدارة المرحلة الحالية في اليمن، التي أكدت أن نجاح العبور مرهون بتكامل ثلاثة مسارات متلازمة: استيعاب سياسي منضبط بفقه الضرورة، وعدالة انتقالية تحفظ الحقوق، وقيادة نزيهة تضبط الاتجاه. ومع اقتراب تشكيل الحكومة، تبرز الحاجة إلى موازنة دقيقة بين متطلبات الاستقرار وواجب إنصاف الضحايا، حتى لا يتحول الاستيعاب إلى مدخل لإعادة تدوير الفساد أو طيّ صفحات الانتهاكات بلا مساءلة.
فقه الضرورة: الإطار الحاكم للاستيعاب يقوم فقه الضرورة في السياسة على القاعدة الأصولية: تحصيل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهما والمصلحة العليا اليوم تتمثل في حقن الدماء، وتثبيت أركان الدولة، واستعادة قدرتها على أداء وظائفها.
وعليه، فإن الفئات المقبول استيعابها هي: من أخطأوا التقدير ثم صححوا المسار بوضوح، ومن انخرطوا في واقع مضطرب ثم أظهروا ندمًا عمليًا، ومن أعلنوا انحيازًا صادقًا لمشروع الدولة وذلك بشرطٍ حاسم يتمثل في الخضوع لمعايير الكفاءة والنزاهة، والتقييم بميزانٍ مؤسسي لا تحكمه العلاقات أو المجاملات.
الخطوط الحمراء في الاستيعاب السياسي في المقابل، هناك حدود لا يجوز تجاوزها ولا يشملها أي استيعاب سياسي، وفي مقدمتها: جرائم القتل خارج إطار القانون، جرائم الإخفاء القسري، جرائم التعذيب والانتهاكات الجسيمة، فهذه الجرائم تمس جوهر الكرامة الإنسانية، ولا تسقط بالتقادم، ولا تملك أي سلطة سياسية العفو فيها نيابة عن الضحايا، وإن تجاوز هذه الحدود لا يُعد تسامحًا، بل تفريطًا في العدالة وهيبة الدولة.
ضوابط الاستيعاب: من المرونة إلى المسؤولية
لكي يكون الاستيعاب أداة بناء لا غطاءً لعودة الفساد، لا بد أن يخضع لضوابط صارمة، من أبرزها: الاعتراف العلني بالخطأ الخضوع لاختبارات جادة للكفاءة والنزاهة، وجود رقابة مؤسسية صارمة من أجهزة المحاسبة وهيئات مكافحة الفساد، بحيث يكون الولاء للدولة والامتثال للقانون هما معيار الاستمرار في أي موقع مسؤولية.
العدالة الانتقالية: الجسر الذي لا يُهدم
تبقى العدالة الانتقالية هي الجسر الذي لا يجوز تجاوزه، فاحتواء الكفاءات لا يعني إغلاق أبواب القضاء، والاستقرار الحقيقي لا يُبنى على النسيان، بل على إنصاف المظلوم ومحاسبة المعتدين، وبغير ذلك، تتحول الضرورة إلى ذريعة، وتتحول المرونة إلى ضعف، وتفقد الدولة توازنها الأخلاقي.
إن الاستيعاب السياسي ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة مؤقتة لعبور مرحلة استثنائية، تُقدَّر بقدرها وتُضبط بحدودها، فالدولة التي تُفرّط في العدالة بحجة الاستقرار، تؤسس لصراعٍ مؤجل، والدولة التي تُغلق أبوابها أمام التصحيح، تُطيل أمد الانقسام، وحده التوازن بين الحكمة والمساءلة، وبين الضرورة والحق، هو ما يصنع دولة قابلة للحياة.