لم يكن الباعث على طرح ما أطلق عليها «خطة ترامب للسلام» حقن الدماء أو تحقيق ما تصبو إليه المنطقة العربية الغارقة في الظلام من أحلام، بل طرحت لاستخراج ما كان متبقيًّا بين أيدي المقاومة الفلسطينية من أسرى، وتهيئة الأوضاع ل«نتنياهو» لاستئناف حرب الإبادة على سكان «قطاع غزة» بأساليب عدوانية أخرى، وهذا ما جرى. إصرار على انهيار وقف إطلاق النار منذ بدء العدوان على «قطاع غزة» -على خلفية تفجر «طوفان الأقصى» الأغر- في ال8 من أكتوبر 2023 لم يكن «نتنياهو» يوافق على أية نسخة من نسخ وقف إطلاق النار، إلَّا لاستخراج ما أمكن من الأسرى، وبعد إطلاق سراحهم بمدة وجيزة يتنكَّب لما اتفق عليه، ثم يستأنف حربه على «قطاع غزة» بصورة شرسة ومستفزة، وها قد عمل -وبسبق إصرار منقطع النظير- على إفشال وقف إطلاق النار الأخير من خلال الانتهكات والخروقات المتكررة والتسبب -بطريقة أو بأخرى- بعدم دخول الضروري من الغذاء والدواء إذ لا يسمح بدخول أكثر من 20% من الاحتياجات وأكثرها سلع غير ضرورية، كما تعمل سلطات الكيان -قدر المستطاع- على الحيلولة دون خروج الأعداد المتفق عليها من الجرحى والمرضى لتلقي العلاج خارج «القطاع»، وذلك ما أشير إلى بعض منه في سياق التقرير التساؤلي المعنون [من المسؤول عن انهيار خطة ترامب للسلام في غزة؟] الذي نشره موقع «روسيا اليوم» نقلًا عن مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية عصر ال26 من أكتوبر الماضي بما يلي: (لم يمض أسبوعان على التوقيع "التأريخي" المزعوم لخطة السلام المكونة من 20 نقطة التي وضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في شرم الشيخ بمصر، حتى بدا أنَّ المراحل الأولى من الاتفاق تنهار. ففي حين أفضت جهود الوسطاء إلى تحرير معتقلين ورهائن من كلا جانبي الصراع المستمر منذ عامين بين إسرائيل وحماس، يبذل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جهودًا حثيثة لتخريب الاتفاق، تمامًا كما فعل في اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة في غزة. فإلى جانب قصف إسرائيل المستمر للقطاع، انتهكت إسرائيل شروطها المتعلقة بالمساعدات الإنسانية، فهي لا تزال تُغلق معظم المعابر المؤدية إلى غزة، وتُقيّد عمليات الإجلاء الطبي). تجدد الإبادة بصورة مطَّردة مع أنَّ أهم هدف معلن لما سمي «خطة ترامب» هو إيقاف الحرب الذي يعني -في أبسط معانيه- توقيف ضرب النار وتوقيف العمليات القتالية بصورة نهائية، فإنَّ حكومة «نتنياهو» تلتف على ذلك الهدف وتمارس عمليات القتل والإبادة المتواصلة والمتجددة بصورة مطَّردة، وقد أشير إلى ذلك القتل الممنهج والمتواصل في مستهل التقرير الإخباري المعنون [شهداء في غزة يوميًّا رغم اتفاق وقف الحرب] الذي نشره «الجزيرة نت» في ال10 من نوفمبر الحالي على النحو التالي: (قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إنَّ إسرائيل تواصل الإبادة الجماعية في قطاع غزة رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار، وأكد إحصاء ما معدله 8 شهداء يوميًّا. وأضاف المرصد الحقوقي -في بيان له- أنَّ إسرائيل تستمر في فرض ظروف معيشية مهلكة على مليوني فلسطيني، مع حرمانهم من التعافي من آثار الكارثة الإنسانية المستمرة منذ أكثر من 25 شهرًا. وأفاد المرصد أنه وثق -منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ في 10 أكتوبر الماضي- استمرار جرائم القتل العمد التي ينفّذها جيش الاحتلال ضد الفلسطينيين). كما طرق ذلك الموضوع «عبدالرحيم الخطيب» في سياق تقريره التحليلي المعنون [شهر على وقف إطلاق النار.. إسرائيل تواصل الإبادة الجماعية في غزة بأساليب مختلفة] الذي نشره -بالتزامن- في «وكالة الأناضول» بقوله: (وأوضح المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أنَّ الجيش الإسرائيلي واصل -منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار- قتل المدنيين الفلسطينيين، إذ قتل خلال هذه الفترة 242 فلسطينيًا، من بينهم 85 طفلًا، بمعدل يزيد على ثمانية قتلى يوميًا، وأصاب نحو 622 آخرين، أي أكثر من 20 إصابة يوميًّا). إعادة تشكيل واستقطاع جغرافية القطاع من المؤكد أنَّ فشل «نتنياهو» في تحقيق أهداف حربه المعلنة والمضمرة قد دفع «ترامب» إلى تبني الخطة المتأخرة، لما من شأنه تمكين حليفه من السيطرة على «القطاع» وإعادة تشكيل جغرافيته واسقتطاع أكبر قدر من مساحته، وذلك ما قد يُفهم من احتواء تقرير «عبدالرحيم الخطيب» على ما يلي: (ونبّه المرصد الأورومتوسطي إلى أنَّ إسرائيل تستغل غياب أيّ آلية رقابة دولية فعّالة لوقف إطلاق النار لمواصلة انتهاكاتها على أرض الواقع، وإخراج المناطق التي تسيطر عليها -والتي تزيد مساحتها عن 50% من مساحة القطاع- من معادلة وقف الأعمال الحربية، حيث استمرَّت في تنفيذ عمليات النسف والتدمير دون وجود أعمال قتالية). كما يُفهم ذلك المعنى من احتواء تقرير موقع «الجزيرة مباشر» المعنون [إسرائيل تستغل غياب الرقابة الدولية لتعيد تشكيل الجغرافيا الميدانية في غزة] الذي نشر في ال10 من نوفمبر على ما يلي: (وأوضح الأورومتوسطي أنَّ إسرائيل تستغل غياب الرقابة الدولية لتعيد تشكيل الجغرافيا الميدانية في القطاع، وتستخدم وقف إطلاق النار غطاءً لاستكمال تدمير بيئة الحياة حاليًّا ومستقبلًا في المناطق التي تسيطر عليها عسكريًّا بشكل مباشر، مؤكدًا أنَّ ما يجري لا يقتصر على خروقات للاتفاق، بل يشكِّل عمليًّا تحويلًا للهدنة إلى أداة لتوسيع السيطرة وتنفيذ تدمير شامل طويل الأمد).