تمثّل ولادة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام حدثًا فريدًا في التاريخ الإسلامي، ليس بوصفها ولادة شخصية عظيمة فحسب، بل لأنها ميلاد منهج متكامل في الإيمان والمعرفة والعدل. فقد وُلد الإمام علي في الثالث عشر من شهر رجب، وكانت ولادته داخل بيت الله الحرام في أقدس مكان، ويُعدّ ذلك دلالة رمزية عميقة على طهارة النشأة، وسموّ الرسالة، وارتباط الإيمان بالعدل منذ اللحظة الأولى. لقد منحه الله سعةً في المعرفة وعمقًا في الفهم، فكان عقلًا واعيًا وبصيرةً نافذة، جمع بين العلم والعمل، وبين الحكمة والشجاعة. ولم يكن علم الإمام علي علمًا نظريًا مجرّدًا، بل كان علمًا حيًّا متصلًا بالواقع، يوازن بين الروح والعقل. ومن هنا عُرف بأنه باب مدينة علم رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الكرام الطيبين؛ فقد نشأ في كنفه ولازمه منذ صغره، وشهد نزول الوحي، وتربّى على يديه، حتى صار أقرب الناس فهمًا لرسالته، وأصدقهم التزامًا بنهجه. وكان قرب الإمام علي من رسولنا الكريم قربَ فكرٍ وموقفٍ قبل أن يكون قربَ نسب، فمثّل الامتداد الصادق للرسالة في السلوك والعدل والقيادة. وقد تجلّت شخصيته الجامعة في قدرته على الجمع بين العبادة والقيادة، وبين الرحمة والحزم، وبين قوة الموقف ونقاء المقصد. أما اليمن فقد ارتبطت عبر تاريخها الطويل بالإمام علي عليه السلام ارتباطًا وجدانيًا وفكريًا عميقًا. فقد عُرف أهل اليمن بمحبتهم لأهل بيت رسول الله، واهتمامهم بالمنهج الذي جسّده الإمام علي، القائم على العدل والكرامة والحكمة ونصرة المظلوم. ولم يكن هذا الارتباط مجرّد عاطفة، بل كان وعيًا بمنهجه في الحكم، وبفهمه العميق للدين، وبنموذجه الأخلاقي في إدارة شؤون الأمة. لقد وجد اليمنيون في فكر الإمام علي ما ينسجم مع حكمتهم الإيمانية وتاريخهم القيمي، فظل حضوره في الوعي اليمني حضورًا حيًّا يتجدّد في المواقف الصعبة، ويظهر في التمسك بالعدل والثبات على الحق. ومن هنا أصبح نهجه مصدر إلهام تستلهمه اليمن في فكرها ومواقفها، وفي صبرها وصمودها أمام التحديات. إن إحياء ذكرى ولادة الإمام علي عليه السلام في الثالث عشر من رجب هو إحياء لقيم العلم والعدل والحكمة، ودعوة للعودة إلى منهج يوازن بين الإيمان والعقل، ويجعل من العدالة أساسًا للحياة. وهو تذكير بأن الأمم التي تُحيي رموزها العادلة، وتستلهم من سيرتهم، قادرة على بناء مستقبل يقوم على الوعي والكرامة والحق