د. فيروز الولي ليس من السهل الكتابة عن جازم سيف دون الوقوع في أحد فخّين: إما تحويله إلى أيقونة مكتملة، أو اختزاله في مثقف نخبوي محدود الأثر. والنص الذي كتبه فتحي أبو النصر اختار الفخ الأول بوعي جمالي واضح، فكتب نصًا شديد الإخلاص، عالٍ بلاغيًا، يحتفي بالرجل بوصفه «قارِع الطبل في الوعي»، ومشروعًا ثقافيًا وإنسانيًا متكاملًا. غير أن الاحتفاء – حين يطول – يفقد قدرته على الإقناع، ويصير بحاجة إلى مساءلة لا تنفيه، بل تُنقذه من التحنيط. 1. جازم سيف كما يراه المقال: مشروع نقيّ في نص فتحي أبو النصر، يظهر جازم: اشتراكيًا متصالحًا مع ذاته شاعرًا يمزج الفلسفة بالشعر مثقفًا عضويًا منحازًا للإنسان معلمًا ملهمًا، وناشطًا أخلاقيًا ضد الحرب اللغة هنا ليست وصفًا بل تبجيلًا. جازم لا يُخطئ، لا يتردد، لا يتناقض. وهو ما يمنح النص جماله... ويُفقده توتره. 1. اللغة: حين تصبح البلاغة بديلاً عن التحليل يمتاز المقال بلغة شاعرية عالية، لكنها: تكرر الفكرة نفسها بصيغ متعددة تُراكم الصفات دون تفكيكها تستبدل التحليل بالانطباع نحن نعرف أن جازم "عميق"، "محرّض"، "ظاهرة"، لكننا لا نعرف كيف، ولا أين أخفق، ولا ماذا تغيّر فعليًا بسببه. 1. الاشتراكية: هوية أخلاقية أم مشروع مأزوم؟ يُقدَّم جازم كاشتراكي متصالح مع ذاته، لكن الاشتراكية – تاريخيًا – لا تتغذى من التصالح، بل من القلق. السؤال الغائب: كيف تعامل جازم مع انهيار الدولة؟ مع فشل الحزب الاشتراكي في إنتاج بديل اجتماعي؟ مع تحوّل اليسار إلى ذاكرة أكثر منه قوة فاعلة؟ في النص، الاشتراكية تُقدَّم كضمير جميل، لا كمشروع خاض تجربة الخسارة والفشل. 1. الشعر: اقتحام أم انسحاب؟ يمتزج الشعر بالفلسفة في تجربة جازم، وهذا مكسب جمالي وفكري. لكن القراءة المضادّة تطرح سؤالًا حرجًا: هل كان الشعر أداة اقتحام للواقع؟ أم ملاذًا ناعمًا من صلابة السياسة؟ حين تفشل السياسة، يعلو الشعر. وحين يعجز الفعل، يتكثف التأمل. وهنا لا نتهم جازم، بل نضعه في سياق جيله المأزوم. 1. الحرب: الفهم بدل المواجهة في «ما الحرب؟» يقدّم جازم قراءة إنسانية عميقة للحرب. لكنه: لا يسمّي الجناة بوضوح لا يواجه البنى التي أنتجت العنف يكتفي غالبًا بالإدانة الأخلاقية والحياد الإنساني، في زمن المذابح، قد يتحوّل – دون قصد – إلى عجز نبيل. 1. المعلّم: الإلهام وحدوده جازم، كما يقدّمه النص، معلّم ملهم. لكن السؤال المؤلم: هل أنتج هذا الإلهام تيارًا؟ مدرسة؟ امتدادًا فكريًا؟ المثقف الذي لا يُخلّف أثرًا قابلًا للتداول، يبقى جميلًا... لكنه وحيد. 1. الرمزية: حين يتكلم الباب ويصمت الواقع في أعماله الرمزية، تتحول الأشياء إلى كائنات ناطقة. وهي قدرة شعرية لافتة، لكن في بلد مثل اليمن، قد تصبح الرمزية المفرطة ستارًا لغويًا يحجب الجرح بدل أن يكشفه. اليمن أحيانًا لا يحتاج إلى باب يتكلم، بل إلى صوت يقول: من فعل هذا؟ ولماذا؟ 1. أيقونة بلا خصوم؟ أخطر ما في النص الاحتفائي: غياب الخصوم، السجالات، المعارك الفكرية. لا فكر بلا خصومة، ولا مشروع بلا تصادم، ولا مثقف حقيقي بلا لحظات انكسار علني. الخلاصة: جازم سيف كما هو... لا كما نحب جازم سيف ليس أيقونة مكتملة، ولا مجرد شاعر نخبوي. هو: مثقف شريف في زمن فاسد اشتراكي أخلاقي في زمن سقوط المشاريع شاعر لجأ إلى الجمال حين صار الواقع أفظع من التحليل قيمته ليست في اكتماله، بل في أسئلته المفتوحة، وفي محاولته المستمرة أن يبقى إنسانًا، حين صار المطلوب من الجميع أن يكونوا جلادين أو ضحايا. وهنا المفارقة: جازم لا يحتاج إلى التقديس، بل إلى قراءة صادقة. قراءة تُبقيه حيًّا... لا تمثالًا.