الارصاد: اجواء صحوة وباردة إلى باردة نسبيا على المرتفعات والصحاري    الجمعية العمومية للمجلس الانتقالي الجنوبي: المساس بمؤسساتنا الوطنية "خط أحمر" وسيُقابل برد شعبي مزلزل "بيان"    نقابة الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين تدين بأشد العبارات الاعتداء على مقر مؤسسة عدن الغد    مليشيا الحوثي تمنع أول رحلة لليمنية من الهبوط في مطار المخا وتجبرها على العودة    تدشين النزول الميداني للمستشفيات والمختبرات في صنعاء    بنيران العدو السعودي.. إصابات في صفوف المهاجرين بصعدة    صنعاء.. جمعية الصرافين تعمم بإعادة التعامل مع منشأة صرافة    محافظ عدن يناقش أوضاع المتقاعدين والإشكاليات التي تواجه عمل هيئة التأمينات والمعاشات    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد "مانجو مع القات"    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد "مانجو مع القات"    الحوثيون والممرات البحرية.. من الحرب على اليمنيين إلى ابتزاز المجتمع الدولي    أول تعليق من السنغال بعد عقوبات "الكاف"    الخدمات في الجنوب... ورقة ضغط أم تمهيد لمرحلة جديدة؟    صفقة الموسم.. الاتحاد السعودي يقدم عرضا خرافيا لضم أحد أبرز نجوم برشلونة    صلح قبلي ينهي قضية ثأر دامت أكثر من أحد عشر عاماً في مديرية الحداء    خسائر مستثمري الذهب 7.4 تريليون دولار    استنفار سعودي غير مسبوق في شوارع عدن    إيران تخصص مقابر للقتلى الأمريكيين المحتملين    الترب: لاخوف على اليمن من مؤامرات دول الجوار    صحيفة إسرائيلية: صنعاء تحذر واشنطن من أي هجوم على إيران سيقابل بهجمات صاروخية في البحار    عدن.. نادي قضاة اليمن يدعو لإصلاح القضاء ويطالب بإعادة هيكلة مجلس القضاء الأعلى    السامعي يحذر من التعامل مع "معجب" ويؤكد أنه غير مكلف من قناة الساحات    متداول.. تعيين قيادات عسكرية في مناصب بوزارة الدفاع    شركة الغاز تتخذ إجراءات لضمان استقرار الإمدادات خلال شهر رمضان المبارك    1,5 مليار ريال عُماني مكاسب القيمة السوقية لبورصة مسقط في يناير الجاري    وزير التربية يفتتح المعرض 2 لأولمبياد العلوم والتكنولوجيا 1447ه    عن الموت والسفير والزمن الجميل    الدولار يتجه لتكبد خسائر للأسبوع الثاني على التوالي    انفجار في جنوب إيران والحرس الثوري ينفي مقتل قائد عسكري رفيع    جامعة الحديدة تكرم الفائزين بجائزة رئيسها للنشر الأكاديمي    القائم بأعمال وزير الاقتصاد يزور معرض الشهر الكريم الاستهلاكي بالأمانة    الاحتفاء بتكريم 55 حافظا ومجازا في القرآن الكريم بمأرب    أسعار الذهب تتراجع بشكل حاد في اسواق اليمن خلال 24 ساعة (مقارنة بين صنعاء وعدن)    استشهاد 25 فلسطينيا وعشرات المصابين بهجمات "غير مسبوقة" منذ الهدنة    برشلونة يُجدد عقد فيرمين لوبيز حتى 2031    الرئيس المشاط يعزي في وفاة محمد غالب الصبري    ضخ كميات من العملة المزورة وتحذيرات من كارثة اقتصادية في عدن    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد «قات وأجبان»    اعتراف رسمي ومخيف: اليمن يواجه واحدة من أخطر أزمات الفاقد التعليمي في تاريخه الحديث    صنعاء: صورة تحبس الانفاس .. ماذا يعمل هذا الرجل في هذا المكان الشاهق؟    شأن مهني!!    جمعية الخير التنموية بمأرب تكرّم المعلمين والطلاب المتفوقين    دراسة صينية: الروبوتات تنجح في إجراء جراحات عن بعد لمسافة 2800 كلم    الإقلاع عن التدخين والسيطرة على التوتر أبرز وسائل حماية القلب    بطلة "باب الحارة".. مقتل الفنانة السورية هدى شعراوي داخل منزلها بدمشق    الاتحاد الإنكليزي يعاقب توتنهام واستون فيلا بعد شجار الكأس    برشلونة يوقع اتفاقاً تاريخياً مع مستثمرين من الامارات    بطالة ثقافية    اتحاد كرة القدم يرشح شعب حضرموت لبطولة التضامن الدولية بجيبوتي    صندوق النظافة بتعز يدشن حملة ميدانية للتخلص من الكلاب المسعورة في شوارع المدينة    المحامي رالف شربل يقود النجم الأميركي جوردان ويليامز لانتصار كبير أمام محكمة البات السويسرية    {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}    عرفنا أبين وشباب الجيل ينجحان في البقاء بدوري الدرجة الثانية في ختام منافسات البطولة    الصماد أنموذج العطاء والولاء    وحدة الصف روحها المبدأ والتضحية    علماء اليمن من صعدة: الدفاع عن القرآن ونصرة فلسطين واجب ديني وأخلاقي جامع    ارتفاع مخيف للاصابات بمرض الحصبة خلال عام.. وابين تتصدر المحافظات اليمنية    فقه الكهف: استراتيجية الثبات وصناعة اليقين في زمن المتغيرات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المزاوجة بين القراءة والنص وبين صناعة الدهشة و الإبداع الشعري العربي الحديث
قراءة أدبية في ثلاث تجارب شعرية جديدة من حضرموت
نشر في الجمهورية يوم 08 - 03 - 2013

للشعر في حضرموت حضوره الخاص، مقارنة بالفنون الأخرى، وهذا الحضور ليس منحصراً بفترة زمنية معينة، أو بظروف اقتصادية أو اجتماعية محددة، بل إنه يتجاوز حدود التأطير أو التقنين أو القياس، فيكون له ظروفه الخاصة التي بموجبها يتكون وينشأ ومن ثم يصبح جزءاً من حركة الثقافة والفكر والفن، وفي أحيان كثيرة يكون هو الصوت الطاغي أو الوحيد، القادر على حمل الروح الثقافية والفكرية للمجتمع والحفاظ عليها أو إيصالها، إلى آفاق واسعة تتسع باتساع اللغة وتمددها.
ومن هذا الحضور يمكن للقارئ المتابع للنتاج الشعري في حضرموت، أن يلحظ بعض التجارب الآخذة بالتشكل على نحو مختلف ومتفرد؛ إذ تمثل كل تجربه سلوكاً مغايراً في تعاطيها مع النص الشعري، شكلاً ومضموناً، بحيث تبدو كل تجربة قادرة على صناعة دهشتها، بغض النظر عن تفاعلاتها مع محيطها القريب أو البعيد.
ونستعير في هذا المقام لفظ التجربة؛ كونها تتجاوز بمراحل خطوات التجريب الشعري لتصل إلى عمق التجربة، متسلحة بوعي فكري وفلسفي، ولغة شعرية واسعة وعميقة، وقدرات إبداعية ترفع النص إلى مستويات عليا، وتيسره إلى القارئ حاملاً روح الشعر وعمق الفكر في آن.
وتأتي جدة هذه التجارب، من جدة لغتها، وأسلوبها، وفرادتها، وبأنماطها المتميزة عن سواها، سواء كان على المستوى المحلي أو العربي، وقد جاءت هذه الثلاث التجارب قيد القراءة، بوصفها نماذج لتجارب جديدة تتعاطى مع الكتابة الشعرية بصورة مغايرة يمكن بعد ذلك مقارنتها مع سواها إما على مستوى الإبداع محلياً أو عربياً خاصة أنها تأتي في زخم الحركة الإبداعية الشعرية العربية الحديثة.
التجربة الأولى: ويمثلها الشاعر: أحمد سعيد عبيدون.
عبيدون.. شاعر لم يبدأ الكتابة الشعرية حديثاً بل إن تعاطيه مع القصيدة قد بدأ مع ثمانينيات القرن المنصرم، بيد أن ذلك التعاطي قد أصابه حالة من الانقطاع الطويل حتى فترة قريبة - بحسب اطلاعي – هي مدة طويلة من الصمت الشعري، مليئة بالقراءة الفكرية والفلسفية لاسيما في مجال نقد الشعر نظرية وتطبيقاً، والاقتراب بصورة رئيسية من البنيوية في النقد الأدبي والأسلوبية منهجاً نقديا لقراءة الشعر وتحليله، وهذه الفترة الطويلة لم تكن بالنسبة لعبيدون (الشاعر) مجرد فترة تثقيف علمي لنيل الشهادة فحسب، بل مثلت – بحسب كتاباته المختلفة – منعطفاً أساسياً في رؤيته للعالم وقراءة العالم من خلالها. وقد تلى مدة الصمت الشعري، مرحلة كتابة الشعر بصورة مغايرة مسنوداً بتلك الخبرة النقدية والفكرية والفلسفية الطويلة، ولكن مع الاحتفاظ بروح الشعر وبساطته وسمو روحه.وإذا كانت للتجربة الشعرية خصائصها المعروفة والمعهودة فإني في هذا المقام سوف أتناول الخصائص المميزة لكل واحدة من هذه التجارب الثلاث بحيث تظهر اختلافها وتفردها على غيرها وكيف يتجلى هذا الاختلاف أو التميز.
أولاً: إنه يكتب الشعر للشعر في ذاته، ويتجلى ذلك من خلال عدم حرصه على النشر، فيعمد إلى نشر كل ما يكتبه على صفحته في الفيس بوك، دون حتى أن يضع عنواناً محدداً لذلك، وأفضل ما يمكننا أن نقدمه وصفاً لهذه الحالة هو التأمل في هذا المقطع “ لست شاعرا كالشّعراء الكبار الذين يعتنون بلغتهم ويتأنّقون لقرّائهم ؛ يمكن أن أخطئ وأتلعثم ، أكتب القصيدة وأنا أمارس رياضة المشي وحدي، الورقة ماتزال في جيبي، لا بأس أن ترمي عليّ الريّح ضربة حرّة في الشّباك ولا يحتسبها الحكم الجميل، لست متفرّغا للشّعر ولا صاحب مشروع فيه، أترك الشّعر يقذفني برياحه الخضراء هنا وهناك، وربّما تتدخّل فاتنة فتزخرف حروفي بإيقاعها، اسألي اللغة فهي أعلم بشعري منّي.” إنها فلسفته في كتابة الشعر، فلسفة قائمة على إسقاط القصدية فهو يرضي اللغة بالمقام الأول، الشعر لديه رسالة لا تسعى إلى صناعة الذات على حساب النص، بل على العكس بناء النص على حساب الذات، وهذا هو السر الذي يمنح هذا النص جمالياته الخاصة كما سنرى. فهذا الشعر الذي أسقط قصدية الكتابة لمشروع الشعر، قد أبقى على مشروعية اللغة، فتتجلى حينها البساطة التي تكسبه ألفة فتبدو الكلمات أقرب إلى القارئ، حيث يتعامل معها على أنها انعكاس لذاته فيها، وهذا يولد نوعاً من التفاعل بين القارئ والنص، فيتبين أن إلغاء قصدية مشروع الشعر من أجل الآخرين وكتابة الشعر بوصفه تفاعلا مع الذات قد قربه أكثر إلى كل ذات تبحث في اللغة عن ذاتها.
ثانياً: اللغة الشعرية ذات الاستخدام الحساس لمفرداتها، حيث تطغى على النص الروح الشاعرة القادرة بالدرجة الأولى على الاختيار ومن ثم إعادة نظمها بصورة جديدة، فتكون الطبيعة بتجلياتها المواد الأولية التي تقدم للنص أحجار بنائه، لكنها تختلف بصورة كبيرة عن بقايا الرومانسية، بحيث تبدو الطبيعة هنا مجرد أدوات فقط بيد اللغة الشعرية ومن ثم القدرة الشعرية لبناء نص مختلف، لا يحتفل بالطبيعة لذاتها وإنما يستمد منها ما يجعله يخلص للشعر ولغته، وفي الوقت نفسه يحافظ على خيوط الفكرة التي لا يمكن أن يجعلها على مدى بصر القارئ ولكنه يطرزها في الشكل العام للنص بمفرداته، وأسلوبه وموسيقاه:
وماذا علينا إذا
ما تصافح فينا الشّذا بالشّذا
والنّدى بالنّدى
أو تدلّى بأغصاننا البرتقال؟
وماذا إذا ارتعشتْ ذبذبات الظّنون
على مطَر الدّمع
عند اهتزاز الذّرى في الذّرى
وامتثال الخيال ؟
وماذا إذا بلغ السّيل منّا التّوحّد
وارتكضتْ في الضّمائر كلّ الكنايات
واختضبتْ في الذّهول الظّلال ؟
وماذا إذا ما قطفْنا
على غفلة الشّوط
من كَرْمةٍ في التّمارين
هذا المثال؟!
فتتجسد في هذا النص الذات في الطبيعة والطبيعة في الذات في تماه يصعب معه تحديد الآخر، ومع إعادة النظر مرة أخرى لن تجد جملة واحدة فيما لو جزأتها إلا وهي تتضمن تركيباً شعرياً يعادل في شعريته شعرية النص الإجمالية، وهكذا تتكون شعرية النص عبر مستويات صغرى تتكون في نعومة الدوال، وسلاسة انسيابها موسيقياً، وكبرى تتمثل في الجمل والسطور الشعرية، ومستويات أكبر تأتي من النظر للنص بكله على أنه جملة شعرية واحدة.
ثالثاً: اللغة ذات النزعة الصوفية التي تسمو بالمعاني لتلك الحدود المجسدة في الذوات، والارتفاع بها معاني شعرية، فتبدو اللغة حينها أقرب إلى التسبيح، حيث تكون الروح مسهمة في تشكيل الجسد، والذات في تشكيل الموضوع، والأرضي في تشكيل السماوي، كل هذه التي قد تبدو بصورة مبسطة تناقضات ظاهرية ما تفتأ تنصهر لتبدو بصورة عامة أقدر على صناعة نص متجانس ومترابط، ومرضٍ للقارئ فكرياً وروحياً:
قد يكون من الحبّ
أن نحتفي بالسّكون
وأن تتقاطع فينا الزّوايا
على منحنًى للجنون
قد تكون الخطوط موزّعةً في الخلايا
على أضلع الليل
والليل أحضانُه لا تخون
قد يكون من الحبّ أن نمسك الماءَ
قبل الأصابع
والخوفَ قبل الأضالع
والحزنَ قبل العيون
هل تُرانا نفسّرُ أشواقنا بالقناديل
نكتبُ أحلامنا بالغزالات
أم نحتبي بالظّنون
هل نقلّم أخطاءنا بالأناشيد
أم نحتمي قربَ صمتٍ حنون
قد يكون من الحبّ أن تتلاشى الدّوائر
في صفحة الماء مثقلةً بالشّجون
قد يكون !
التجربة الثانية: الشاعر أبوبكر باجابر.
باجابره شاعر شاب تدرج في كتابة النص الشعري ابتداء من الشكل العمودي متأثراً ومستلهماً التراث الشعري العربي في صورته الجزلة ولغته الرصينة، فظهرت في بداياته الشعرية قدراته الإبداعية من خلال تلك النصوص التي تفصح عن شاعر قادم استطاع في مرحلة مبكرة جداً أن يقرأ التراث ومن ثم يحاكيه منطلقاً من واقعه المعاش، ولكن الفتى الشاعر ما فتئ يخطو خطوات متقدمة فحقق قفزات قوية محاولاً تأسيس بصمة خاصة به فاختلفت كتابته الشعرية في الشكل والمضمون، حيث بدأت ملامح التجربة تظهر جلية لديه، وبتطور لافت ومختلف، عن كتاباته السابقة، وعلى مستوى مجايليه من المبدعين الشباب، وسوف نتبين هنا بعضاً مما يمكن أن تسمى خصائص تجربته الشعرية:
أولاً: المزج الفني باستدعاء أشكال فنية مختلفة لبناء النص، فيبدو أشبه باللوحة الفنية المعتمدة في تركيبها على مواد أولية متنوعة وهي بالرغم من هذا التشكيل الذي يبدو بصورة منفردة عبارة عن تجميع لأشياء متباينة إلا أن النص يكون شديد التماسك والترابط لدرجة إنه لا يمكن تمييز هذه الأشكال عن بعضها من خلال الصورة الكلية ولننظر في نص “في جثمان الصلاة”
((قدِّستَ بأقداح مخاضٍ ذاوٍ , قدِّستَ)) ..
هتاف السبَّابات المتساقطة إليك
أراك بأبواق الجنَّة تشحذ أهل النار الماء الآثم !!
الكوثر لا يغني من ظمأٍ .. الكوثر
يذرفنا كمحيض الأرض على طاولة من حلمٍ
ثمَّ يعلِّقنا كالذنب على بابك .. يا ( بابك ) ؟!
تحطب عرض الصوت بأنفاس الله عياناً في صلوات العرم المتثائب بين ثيابك
يا (بابك) !!
ما في الجبَّة غير اللهِ ..
وصوت دمائكَ ؟!
أغنيةٌ ناشزةٌ عن بالي الفص القابع بين نداي وبين الربِّ ..
لا تضرب بضلالك لحن السجدةِ ..
لن أسجد أبدا!!
إبليس لأنت !!
وأنت اللهُ ؟! ... من من يطعن قلب الليل سواي ؟ ومن ينبض الآي هنالك؟
أضرب وجه قريش بالشبق المتدلِّي الهابط وحيا من جوف الأرض فلا ركن لنعبد فيه الربَّ يُرى بين القبَّة والمنبر .
والحجب المتآمرة على خطوات الجرح الآبقِ ؟!
أمرٌ بين الربِّ وبيني ..
و(الطفُّ) الساقط من عينيكَ ؟!
يرتِّب بعض فراغات الثورة بين عصاي وبيني..
(( قدِّست وقدِّس سرب الربِّ إلى ( الطفِّ ) لتنطفئ السبَّابات القاحلة هنالك بين القبَّة والمنبر ...) فالنص هنا لوحة فسيفسائية شعرية تظهر فيها لو كانت النظرة جزئية أشكالاً فنية مختلفة، بيد أن القدرة الشعرية حولت المختلف إلى مؤتلف، وبخيط شعري واحد من العنوان إلى آخر كلمة في النص.
ثانياً: الإبقاء على جزالة اللفظ في بعض جوانب النص ولكن في شكل فني جديد يتجاوز بمراحل الشكل التراثي ،فتظهر ملامحه الجديدة بخلفية أصيلة تقدم النص على أنه قطعة فنية راقية تمتلك جمالها من حداثتها الأصيلة، وترابطها بين الماضي والحاضر بالنظر إلى المستقبل، فيمكن أن نعيد قراءة النص السابق لكي نجد ما يؤكد هذه الخاصية في تجربته الشعرية، ومع جزالة اللفظ تحضر فلسفة النص المعتمدة في جوهرها الفكري على خلفية تراثية تتقاطع مع الفكر الديني وتستفيد من موروثه الواسع في الفكر والثقافة والفن.
ثالثاً: وهذه الخاصية أيضاً موجودة في النص السابق وفي غيره من نصوص باجابر، وهي الثيمة السردية والاستعانة بآليات الحكي وتقنياته لاسيما الحوار الذي يتجلى في نصوصه بصورة مختلفة ومغلفة بتراكيب شعرية، حيث يكون للحوار هنا ظهور مراوغ يعطي النص طبيعته الجمالية ذات البعد الشعري بالمقام الأول.
التجربة الثالثة: الشاعر فيصل العجيلي.
أما الشاعر العجيلي فتجربته متميزة، ذلك أنه بدأ بالكتابة الشعرية في وقت متأخر، بعد أن أمضى مدة طويلة في القراءة المختلفة والمتعددة، التي في أغلبها تعتمد على الموروث الديني ومن ثم يدخل إلى الكتابة الشعرية، مستمداً إمكاناتها، من خلفية فكرية وثقافية غاية في التشعب والتنوع، فتتحول تلك الخبرة حين تتلاقح مع الوعي الفني للغة واستعمالاتها، إلى تجربة شعرية جديدة تحاول أن ترسخ لنفسها خطاً مغايراً في زحمة التجريب الشعري المعاصر، ويمكن لنا أن نلاحظ بعض الخصائص المشكلة لهذه التجربة.
أولاً: التلاعب باللغة واصطياد المفارقات اللغوية، التي تؤدي دلالات مفارقة أيضاً بالنظر إلى سياقات إنتاجها، وبالتالي تلقيها، وتوظيف العادي واليومي والمألوف ولكن من خلال وضعه في سياق مختلف لسياقه العام، عبر إدخاله في سياق شعري جديد:
النظر إليك يكلفني التمرّن على أعضائي
التلاؤم مع وثبات الحنين
اعتياد السقوط
يكلفني إعادة تعريف قلبي ببرنامج خاص لا أملكه الآن
أو انتحال الجنون
يكلفني العطاس أثناء الحلم
ومخالفة إشارات الغرور
ففي هذا النص ما يكفي من تلك الإشارات التي تعتمد في الأساس على اختيار اللغة وإعادة موضعتها بما يخدم الفكرة الشعرية أولاً ومن ثم الفكرة العامة للنص، وفي الوقت نفسه، الاستفادة من لغة الواقع اليومي وإعادة إنتاجها شعرياً لتؤدي في النهاية إلى صنع دهشة مختلفة تؤدي في المحيط الثقافي والاجتماعي، دورها كما تؤدي الدور في ذائقة التلقي الشعرية.
ثانياً: الاستفادة من الموروث الثقافي والفكري والديني، والأدبي، من خلال استحضاره، والتفاعل معه، ولكن بوسائل وأدوات جديدة كلياً تجعل من التراث خلفية فكرية تضيء الواقع وتنظر للمستقبل من خلال اللغة:
لمن الحروف الواجفات على باب التحية
والماء إذ أوقفني على خطوتك
والعشب الذي يُكبّدني حمله
تسعة أعصر
وفطامه في عصرين
لمن الطيوف العائمات في مسام البرق
والورد يلقطني من تلقاء كاظمة .. بخور
والتفاعيل التي غمست بحورها في نشيدي
والصرف الحجازي في كتاب العين
ورائحة الصيام .
لمن اخضرار الشفةِ السفلى ورجرجة السكون
والهدب الحالم بعلامات الترنيم
والسؤال الذي يحفر ضحكته في السؤال
لمن عيناك
وملء قهوتك موبقات الذهول
لمن فمك
والصدى والغٌ في الهديل
ومن خلال هذا النص أيضاً أمكننا أن نستنتج الخاصية الثالثة وليست الأخيرة في تجربته، وهي شعرية الأسئلة حيث يكون السؤال لديه مفتاحاً لاستحلاب الشعرية عبر فتح آفاق جديدة، فإذا كان السؤال هو مفتاح المعرفة فإنه يغدو هنا مفتاحاً للشعرية أيضاً، ويمكن ملاحظة هذه التساؤلات الشعرية المتفرقة التي يكون السؤال الواحد فيها نصاً قائماً بذاته:
هذا الصدر ليس مكاناً مناسباً لقلبي .. ماذا لو أودعته في صدر ظلي؟
كم من الفشل عليّ أن أقتني في مواجهة عينيكِ الكلاسيكيتين؟
ويسائلها الوردُ وهو يُقلّب كفيها.. أيكما الصباح ؟ أنتِ أم ذاك القادم من كوكب الهمس ؟
من لي بحزنٍ يعادل ما بوسعي من بكاء ؟
منذ متى على صدرك هذا البرتقال ؟
قالت : من العصر العباسي.
ماذا لو فشلتُ في أن أموت !
لماذا تزداد هشاشة اللوز لذةً كلما قبّلتكِ ؟
من صوتكِ .. هل بإمكاني استعادة شفتي ؟
ونجد أن هذه التساؤلات قد أخذ بعضها إجابات بينما بقي الأغلب منها أسئلة مفتوحة تجعل للقارئ مسؤولية الحوار معها ومحاولة استحضار الإجابات التي قد تفرضها السياقات الثقافية والاجتماعية الخاصة بالمتلقي.
ختاماً:
ختاماً لهذا المقال المتواضع في حق هذه التجارب، يمكنني القول إن هذه الخصائص المرصودة لكل تجربة هي جزء فقط، ويمكن للقارئ أن يعود إلى هذه النتاجات الشعرية، فهي تستحق القراءة والتحليل، بما تمتلكه من نصوص قادرة على تلبية حاجات المتلقي غزارة وعمقاً.. كما إني هنا كنت موجزاً قدر الإمكان فلم أتطرق لتحليل النصوص بقدر ما عمدت إلى تسليط أضواء كاشفة يمكنها أن تسهم في تحليل النصوص بصورة أفضل مستقبلاً.. بقي أن أشير إلى ملاحظة أخرى وهي: إني قد تعمدت وضع النماذج الممثلة كتلة واحدة حيث إن الهدف الرئيس هو استعراض هذه التجارب ومحاولة تذوق النماذج بالمزاوجة بين القراءة والنص بما لا يحرم أحدهما من الآخر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.