في تغطية فضائية "الجزيرة" لأحداث تونس وما حدث فيها قالت مواطنة يمنية بما معناه: "ما حدث في تونس تهديد للنظام في اليمن، فكما هو ظل يهددنا بالأفغنة والصوملة فنحن الآن نهدده بالتونسة". لقد أكدت وكررت أنني لست مدافعاً عن النظام ولا أدافع عن أخطاء للنظام أو للمعارضة. ولذلك فإنه لا اعتراض على رأي أو رؤية لأخت معارضة أدلت بدلوها من منظورها لأبعاد وتداعيات ما حدث في تونس، ولعلي أتفق معها في إجمال أن ذلك الحدث ليس لصالح أي نظام عربي، ولكن تأثيره سيكون بحسب واقع وظروف كل نظام وبواقع أخطاء كل نظام، وبالتالي إذا ما حدث في تونس يدفع النظام في اليمن لإصلاح وتصويب أخطاء فذلك إيجابي، وحتى لو سارت الأمور كما طرحت الأخت المعارضة أو كما تتمنى معارضة، فالمشكلة بالنسبة لي هو ما طرح من وعن تونسيين خوف السير إلى مجهول أو مخاوف من المجهول، وليست رحيل نظام أو مجيء آخر. الملاحظ في تغطية الفضائيات للشارع بأن مواطني ومعارضي البلدان الأخرى لم يسقط أحداث تونس على بلدهم استهدافاً للنظام القائم الحاكم كما حالة اليمن، والتفسير غير الواقعي للمعارضة هو حدوث هذا كون الحال والحالة في اليمن هي الأسوأ، فيما قراءة الواقع هو أن النظام في اليمن أقل ممارسة للقمع. لنتجاوز مجرد تهديد معارضة- أو اخت معارضة- ولنفترض أن ما حدث في تونس حدث ونجح في اليمن، وهذه المعارضة باتت تطرح بما معناه "النظام الذي هددنا بالأفغنة والصوملة اكتسحناه واقتلعناه بالتونسة". في مثل هذه الحالة فإنه لمثلي تصويب حقائقي ومعلوماتي، قد لا يسمح الوضع أو النظام الجديد بطرح، وقد لا يمارس مع مثلي فقط منع القمع، وإنما تعامل عقوباتي أشنع، فيصبح النظام الجديد لا يسمح بما كان يسمح به سلفه ولا يكتفي بسقف ودرجة القمع لسلفه. التهديد بالصوملة والأفغنة كان تهديد الاشتراكي كطرف في العقد الأول للوحدة وصراعات ومعه الصراعات والأثقال والإقليمية التي تفاعلت بموقفه ومع مواقفه، وسنجد أن هذا التهديد أخذ سياق التواصل والكثافة والاستمرارية سياسياً وإعلامياً، وهو موثق في الصحف الداخلية والخارجية كمنهجية أو استراتيجية. النظام وعلى لسان الرئيس يحدد موقفاً أو يشير إلى موقف كاحتمالية دول تحوله إلى أداء سياسي وخطاب إعلامي، فهو قبل حرب 1994م رفع في خطاب له شعار "الوحدة أو الموت" فأسمته المعارضة "خطاب الحرب". وهو خلال العام الماضي في إطار حديث عن ذات المحورية "الوحدة" قال بما معناه "الوحدة هي خيار ومصير الشعب اليمني وبدونها قد نتحارب من بيت إلى بيت". الحاكم في اليمن إذا قال "الوحدة أو الموت" أو قال "بدون الوحدة سنتحارب من بيت إلى بيت"، فهو موقف ضد التمزيق أكان أفغنة أو صوملة فكيف يصبح النظام هو الذي هدد بالأفغنة والصوملة؟، يقول مثل "الكذب يمارس على الأموات"، وبالتالي لو كان النظام غادر كما "بن علي" فللوضع أو النظام الجديد أن ينسب للسابق ما يخدم وضعه بأي قدر من الفبركة أو الكذب، ودرجة القمع الجديدة أو بيئة وأجواء إرهاب تلقائية قد لا تسمح وقد لا يجرؤ أحد في ظلها على تكذيب. إذا زين العابدين بن علي أمضى في الحكم ثلاثة وعشرين عن نفي وسجن معارضين ومفكرين وسياسيين، وربما من زار تونس لمس حضوراً دائماً ثقيلاً في الواقع لمحذورات ومحظورات، حيث يستحيل أن تحس شيئا من أحداث اليمن وأحاديث اليمنيين في الشارع، أو حين ركوب حافلة أو "دباب"، لكننا لم نسمع كما في اليمن تبشر وتنشر وتتحدث في الفضائيات عن انهيار النظام ونحوه. يمكن القول بأن اليمن تطرح هذا وعن هذا بأشكال مختلفة في تحوير أو تطوير منذ أنهى زين العابدين السنة الثالثة له في حكم تونس، ومن يتابع التفعيل السياسي الإعلامي لهذه المنهجية داخلياً وخارجياً كمعارضة تتظافر مع أي استجابات صراعية خارجية، فهو ظل ينتظر ما حدث في تونسباليمن وقبل عقد أو أكثر من أحداث تونس. كل من تعاطى أحداث تونس يجمعون فوق خلافاتهم واختلافاتهم يجمعون على أن سقف القمع وسقف الأخطاء والخطايا للنظام في تونس هي التي عجلت بهذه الأحداث، وهي التي أفشلت أية محاولة أو استدراك لإيقاف عجلتها. وجود ثروة لدى أنظمتها لا يعري الأخطاء كما في البلدان الأفقر، كما يجعل مشاكل الفقر والبطالة أخف، أما غير ذلك فأنظمة إما لازالت تحمي نفسها بعدم وصول سقف الأخطاء والقمع لم تصل إلى مستوى تونس، أو أنها نجحت في خلق تبرير واقعية لها مشروعية في ثقافة ووعي الوعي بغض النظر عن مرجعية دستورية أو قانونية، أو أن سقف القمع كثير المرونة ومتعدد وشديد الحزم ومتنوعة. الأنظمة التي وصلت إلى وضع هذا السقف تلجأ أو تمارس أعلى سقف القمع استثنائيا، وهي تظل قادرة على تخفيض سقف الأخطاء إلى أي حد أدنى تريد، إن استجد ما يوجب ذلك وارتبط بمصير النظام. علي عبدالله صالح جاء إلى الحكم من البرلمان وليس عبر انقلاب كما زين العابدين في تونس، والأهم ليس ذلك وإنما هو عدم استقرار الحكم وحتى الحاكم القادم ولا بنسبة 5% مما هو في تونس. الحاكم علي عبدالله صالح ليس فقط منذ وبعد وصوله ولكن قبل ذلك وهو مهدد بالرحيل أو التصفية، وحددت كبرى الصحف الأميركية سقفا لذلك بثمانية شهور، ولهذا فتجاوز رحيل حتمي متوقع بسقفه كشهور ثم سنوات له علاقة واتصال بالرحيل والترحيل الذي يطرح كأمنيات معارضة، ومن جانب آخر فإن كل ما نعمله كبشر لتغيير هو في إطار الأخذ بالأسباب وله سقف وعي ومصداقية، وفي إطار ذلك أو فوقه تتدخل إرادة الخالق لتحقيق استمرارية وبقاء أو نهاية وإقصاء. لا يوجد بلد أو مجتمع وشعب من الشعوب العربية إلا وبينه ومن أفراده ومجاميعه من لا يريد بقاء النظام في بلده، بل يتمنى لو أن ما حدث في تونس هو في بلده وبأي قدر تكون نسبة أو نسبية هؤلاء. حاملو مثل هذه الرؤى أو الاحتقانات يطرحونها تلقائياً حين تتيحها مثل هذه الأحداث والتطورات إذا لم يعقب طرحها سحله وتصفيته أو نفيه أو الزج به في السجون، ولهذا فاليمن لم تكن الأولى فقط في إسقاط أحداث تونس على النظام في اليمن بأعلى درجة من المباشرة والاستهداف، بل هي الأولى قبل أحداث تونس في الطرح والتداول داخلياً وخارجيا عن انهيار النظام وفقدانه المشروعية وغير ذلك. إذا النظام قمعيا ولكنه في ضعف وانهيار وصل إلى العجز عن قمع مثل هذا، فالطبيعي أن يكون ولى ورحل عهد علي في اليمن قبل بن علي تونس بسنين، إذا النظام قوي فتجاوزه لقمع مثل هذه الممارسات يمثل ديمقراطياً بأي قدر. أعضاء في البرلمان الكويتي طالبوا الحكومة الكويتية بأن تشيد بالانتقال الدستوري إلى الوضع الجديد في تونس. مثل هذا الطرح إذا كان بأي قدر يقدم وضع وسقف الخلاف في إطار خصوصيات الكويت، فهو يقدم نفس النظام أو متنفساً يتيحه لا يتاح من غيره، حتى ونحن بصدد ما تسمى أنظمة أسرية أو وراثية تستند إلى الدستور. يوم رحيل زين العابدين بن علي من تونس ثم الإفراج عن زعيم حزب العمال الشيوعي في تونس، فكيف تقارن حالة شيوعي في تونس بشيوعي اليمن، وماذا تكون خطورة حزب عمال شيوعي في تونس بالاشتراكي في اليمن اكتسب ثقله من وضع نظام حكم لعقود وبطبيعة قضايا تبناها كمواقف صار فيها وعلى رأسها الوحدة؟. حين ثورات ومد قومي أو أممي أو إسلامي يراد فقط تغيير وإقصاء الأنظمة، وحين مجيء ديمقراطية فالمراد إقصاء الأنظمة، فحين مجيء الثورة الإيرانية استبقنا "المراد" بمواجهة تصدير الثورة للتعارض أميركيا بشكل أساسي وليس أقليميا كما عرف وطرح. إذاً وحين أحداث أو ثورة شعبية ضد قمع وخطايا نظام في تونس يراد إقصاء وإسقاط أنظمة بدون قياسات ومقاييس تحتاج إلى قراءة أدق ومقارنة أصدق. لو أن ما حدث في تونس هو في اليمن فالأمور لن تسير من أول وهلة وخلال أيام أو أكثر كما في تونس، فالانفلات في اليمن بات له ثقافة تثوير وثورية تأكل الأخضر واليابس، فماذا يعني هذا كمسؤولية للوعي ومن ثم مسؤولية تجاه الواقع؟ النظام هدد مرتين كموقف مع الوحدة أو من الوحدة بالقول "الوحدة أو الموت" أو "بدون الوحدة سنتحارب من بيت إلى بيت"، وبالتالي ربطاً بأسوأ الاحتمالات تجاه الوحدة، ولم يهدد إزاء أسوأ الاحتمالات تجاه النظام بالإقصاء أو الانقلاب. الموقف مع الوحدة ومن أجلها هو أقرب للتونسة ونقيض الأفغنة والصوملة، فيما مس الوحدة أو استهدافها هو الأقرب أو المرادف للأفغنة والصوملة. قد نقول إن النظام سبق التونسة للتهديد بالتونسة، فيما أي أو كل معارضة عربية ستهدد بالتونسة بعد أحداث تونس. مسألة أن ما حدث في تونس لابد أن يكون له تأثير على النظام ومسألة أن ما حدث في تونس هو لصالح المعارضة في اليمن هما من المسلمات، ولكن إلى أي حد في التأثير وإلى أي مدى يفيد المعارضة أو تستطيع الإفادة؟!. في عام 2009م أوصلت المعارضة داخلياً وخارجياً حملاتها إلى الذروة حول انهيار النظام وفقدانه الشعبية والمشروعية الشعبية وانتهاء صلاحيته، ومع ذلك فالمعارضة هي التي طلبت وفرضت تأجيل الانتخابات، فهل المعارضة التي حكمت بفقدان النظام للشعبية والمشروعية الشعبية وبانتهاء صلاحيته هي من قرر التمديد لمشروعيته بتأجيل الانتخابات ولماذا؟ كل نظام عربي يعنيه أن يتعظ مما حدث في تونس حسب حالته وطبيعة أخطائه، ليعلم أفضل وينجز أكثر ويخطئ أقل وعلى كل معارضة عربية أن تتعظ مما بعد إقصاء "بن علي". الوزير الأول في نظام زين العابدين هو الذي يفاوض لتشكيل حكومة وحدة وطنية، ورئيس البرلمان في عهد زين العابدين هو الذي يقوم بمهام رئيس تونس في الفترة الانتقالية، والجيش هو الذي يسيطر على الواقع ويحميه، فهل نتابع وضع مشترك تونس في هذه المعمعة أم ننتظر حتى الانتخابات المبكرة المنتظرة؟!. العقيد معمر القذافي وهو عميد الزعماء العرب قال إنه كان الأفضل للتونسيين ليس إبقاء "بن علي" حتى 2014م وإنما مدى الحياة لأنه أفضل من يقود تونس. هذا التصريح للقذافي ليس فيه تصرف أو مس جنون إذا فهم ما يعنيه وما يريده من وراء تصريح كهذا، كونه أقدم زعيم وفي ظل طرح بأن أحداث تونس هزت عروش الأنظمة التي سيتسارع سقوطها والصحف الأميركية وصفت ما حدث كابوساً لم تتوقعه الأنظمة العربية ولم يكن في الحسبان، فالقذافي يطرح أن الأفضل كان بقاء "بن علي" مدى الحياة كأنما يريد القول بأن إقصاء "بن علي" لا يخيفني وليس كابوساً لي كنظام، وللتأكيد فإنني أخالف كل العالم في تفضيل أن يبقى مدى الحياة وأنه الأفضل فأروني كابوسكم أو ما تخوفون الأنظمة به؟. إذا العراق غزت الكويت قالوا النظام في اليمن تابع للنظام العراقي فدمروه قبل النظام العراقي، وإذا بات الإرهاب قضية العالم قالوا النظام داعم أو تابع للإرهاب فدمروه قبل الإرهاب، وحين أحداث سبتمبر 2001م قالوا اليمن تحتضن الإرهاب فدمروها قبل أفغانستان. المعارضة اليمنية سبقت تونس بعقد أو أكثر في تثوير الشعب ودعوته المستمرة لثورة ضد النظام، وبالتالي فأي منطق للتهديد بما سبق أن مارسته بل كرسته كنهج أو منهجية سياسية لها؟. اليمن استثناء في العالم العربي في ثقافة أو استعمال غلو لركوب الموجة أكانت موجة مد قومي أو تقدمي أو أصولي أو غيره. ومنذ اندثار ثقل الشيوعية ومشروع التصعيد لقضية الإرهاب يمارس ركوب الموجة المعاكسة مع المتغير كالرجعية والامبريالية أو حتى الديمقراطية كموجة وكركوب والنظام العميل للرجعية والامبريالية حتى انتصار الرجعية والامبريالية ليصبح عميلاً للنظام العراقي والإرهاب، ويترك العمالة للرجعية والامبريالية لمن وصموه وأدانوه بها هو في ركوب موجة التونسة أسوأ من نظام بن علي ومن كل أنظمة المنطقة والعالم، وللعلم فالوزير الأول في اليمن هو رئيس الحكومة "مجور" ورئيس مجلس النواب هو "يحيى الراعي" وبدلا من أن يشغل المشترك نفسه بحوار يشترطه سرياً فليبدأ حوار المستقبل أو مفاوضاته مع مجور والراعي!.