أزمة سيولة خانقة في عدن ومحافظات أخرى والسوق السوداء تزدهر    وزير الشباب والرياضة يوجّه بالبدء في ترتيبات انطلاق بطولة "المريسي" الرمضانية بعدن    منظمة التعاون الإسلامي تعقد اجتماعاً وزارياً طارئاً لبحث قرارات الاحتلال الإسرائيلي غير القانونية    وزير الدفاع يرأس اجتماعاً موسعاً في عدن ويشدد على التنسيق لتنفيذ الواجبات الوطنية    افتتاح توسعة تاريخية للرواقين الجنوبي والغربي بالجامع الكبير بصنعاء    إلى أين يفرّون.. العليمي والمحرمي والصبيحي من دعوة عجوز في طابور الغاز ومن لعناتها..؟    إغلاق مقر الجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي الجنوبي ومنع الموظفين من الدخول    تسجيل هزتين أرضيتين في خليج عدن    أول تعليق من أربيلوا بعد سقوط ريال مدريد أمام أوساسونا    بينهم قيادي.. مقتل وإصابة 11 شخصا جراء اشتباكات بين عناصر المليشيا في صنعاء    الأرصاد: طقس بارد إلى بارد نسبياً على المرتفعات والهضاب والصحاري    إنتر ميامي يبدأ مشواره في الدوري الأمريكي بخسارة ثقيلة    مستخدمون يشكون من انقطاعات متكررة في خدمة الإنترنت وصعوبة في السداد    تراجع الازدحام في منفذ الوديعة الحدودي    العليمي يهنئ القيادة السعودية بذكرى يوم التأسيس ويؤكد عمق الشراكة الاستراتيجية    غدا بدء انحسار الكتلة الهوائية الباردة    عدن تحتفل بتخرّج 97 حافظًا وحافظةً للقرآن الكريم    انتقالي أبين يحدد موقفه من قرارات تغيير قيادة الأمن الوطني بالمحافظة    اتلتيكومدريد يدك شباك اسبانيول برباعية    السيتي يتخطى نيوكاسل يونايتد ويشعل سباق الصدارة مع ارسنال    باريس سان جيرمان يواصل صدارته للدوري الفرنسي    جمعية حماية المستهلك تدعو إلى تنظيم تجارة المبيدات الزراعية    الأمسيات الرمضانية تتواصل في مديريات محافظة صنعاء    قرار اسقاط رسوم ترمب يشعل معركة قضائية مطولة بأمريكا    صحيفة صهيونية: المنظمة التي كانت تمثل اليهود الأمريكيين لم يعد لها أي تأثير في أمريكا    التحالف الصهيو-أمريكي يبدأ معركة التصفية الشاملة من غزة إلى مكة    السيد القائد يستعرض قصة موسى ويؤكد اهمية التحرك العملي وفق تعليمات الله    الفريق السامعي يدين العدوان الاسرائيلي المتواصل على لبنان    استفادة 11 ألف أسرة من المطابخ والمخابز الخيرية بمديرية آزال بأمانة العاصمة    ذمار.. تدشين مشروع المطعم الخيري الرمضاني ل 2500 أسرة فقيرة    مليشيا الحوثي تنهب مخصصات دار الحبيشي للأيتام في إب    هؤلاء الأطفال الجرحى سيقودون مقاومة مسلحة ضد الاحتلال اليمني إذا بقي على أرض الجنوب عند بلوغهم سن الشباب    احتلال وابتزاز.. سلطات اليمن تمارس أقذر أشكال العقاب الجماعي ضد الجنوب    صنعاء: لحظة حاسمة في شارع خولان .. وبشرى سارة لاهالي حي السنينة!    الحديدة.. حادث سير مروع يودي بحياة شخصين احتراقًا    ملتقى أبناء حزم العدين يكرم حافظات للقرآن وأوائل الحلقات في مخيمات النزوح بمأرب    نص المحاضرة الرمضانية الرابعة لقائد الثورة 1447ه    السعودية تدين تصريحات هاكابي وتصفها ب"سابقة خطيرة" من مسؤول أميركي    الصحة العالمية: أوقفوا استهداف المستشفيات في السودان فوراً    هيئة المواصفات تطلق حملة رمضانية لحماية المستهلك    الهيئة العامة للزكاة تطلق مشاريع إحسان بقيمة 26 مليار ريال    نبيل هائل يدشن سلسلة اللقاءات التشاورية مع موظفي المجموعة    هدية مجلس العليمي وأتباعه للصائمين في الجنوب.. أزمة غاز تضرب كل بيت ووسيلة نقل    مركز الأمل يعلن تسجيل 1967 إصابة جديدة بالسرطان في تعز خلال 2025م    بشكل مفاجئ.. نيمار يعلن عن موعد اعتزاله كرة القدم    بنك الدواء يستقبل قرابة 300 حالة لمرضى القلب والضغط    من عدن.. رئيس الحكومة يحدد أولويات المرحلة ويطلق مسار التعافي الاقتصادي    فنانون عالميون يطالبون مهرجان برلين بموقف ضد جرائم "إسرائيل" في غزة    المنتخب الوطني الأول يدشن معسكره الداخلي استعداد للجولة الأخيرة لتصفيات آسيا    تسجيل أكثر من 14 ألف إصابة بمرض الملاريا في تعز خلال 2025    إرشادات صحية لمرضى السكري تضمن صيامًا آمنًا في رمضان    باحث في الآثار: تهريب نحو 23 ألف قطعة أثرية يمنية خلال سنوات الحرب    سوء فهم أم عجز أكاديمي خليجي؟    الثور مقطوع الذنب "الذيل".. والإخوان المسلمون    رمضان في اليمن.. موائد جماعية وروح تكافل متوارثة    المجلس العالي للدولة في السلطنة القعيطية يرفض إعفاء العلامة بن سميط ويؤكد ثقته بكفاءته وخدمته لأهالي شبام    أفق لا يخص أحداً    التضامن مع حاشد شهادة على الوفاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إعادة تأهيل أبو جندل .. التلميذ المشاكس للقاضي الهتار
نشر في المصدر يوم 06 - 06 - 2009

لدى كل المعلمين تلامذة مشاكسون. كان تلميذ حمود الهتار شابا يحب أن يسمي نفسه "أبو جندل"، وهو لقب عربي يعني "القاتل" عموما. هذا اليمني المستدير الوجه وصاحب الكرش، الذي يدعى أصلا ناصر البحري، كان قد حارب في البوسنة والصومال والشيشان وأفغانستان, وكل ذلك قبل بلوغه ال30 من العمر.
وطوال ست سنوات، عمل حارسا لأسامة بن لادن، الذي ضمد شخصيا أحد جراح البحري بعد إصابته بطلق ناري قرب كابول. في أفغانستان، تعرف إلى محمد عطا وعدد من مختطفي الطائرات في 11 سبتمبر. وعندما عاد البحري أخيرا إلى موطنه في اليمن قبل نحو عام من تلك الهجمات، "كانت المرة الأولى في حياتي التي أحمل فيها جواز سفر يرد فيه اسمي الحقيقي"، كما قال لي الجهادي السابق ذات صباح عندما التقينا هذا الربيع في ردهة أحد فنادق صنعاء.
الاستخبارات اليمنية، التي كانت تخضع لضغوط من مسؤولين أمريكيين لملاحقة الجهاديين المحليين حتى قبل الهجمات على مركز التجارة العالمي، لم تنتظر طويلا لإلقاء القبض عليه. ففي ديسمبر 2000، اعتقل البحري وسجن في زنزانة صغيرة في جناح الحبس الإنفرادي في سجن صنعاء السياسي. "توقعت أسوأ أنواع التعذيب"، كما يتذكر. بدلا من ذلك، فتح الباب في أحد الأيام ودخل رجل يعتمر قبعة مستديرة صغيرة بيضاء ويرتدي ثوبا فضفاضا مهيبا. وضع الرجل كومة من الكتب القرآن، ومجلدات من تعاليم النبي محمد على الطاولة. السلاح الوحيد الذي كان يحمله هو الجمبية، الخنجر اليمني التقليدي الذي تدلى من حزامه.
هذا الزائر كان حمود الهتار، وهو قاض محلي تم تجنيده من قبل الحكومة اليمنية لمحاولة إصلاح الجهاديين الإسلاميين الذين تتنامى أعدادهم في البلد. كانت فكرة الهتار تقضي بإشراك السجناء فيما سماه ب"مناظرات دينية"، متحديا إياهم أن يبرروا معتقداتهم من خلال الاستشهاد بنصوص دينية. وبعد ذلك، كان الهتار يرد عليهم بتفسيره الأكثر اعتدالا عادة للنصوص نفسها. وإذا بدا أن الجهادي يحرز تقدما، كان القاضي يعرض عليه بعد بضع جلسات التوقيع على تعهد خطي بنبذ العنف. وفي المقابل، كان الجهادي الشاب يحصل على مئات الدولارات ويمنح الحرية. معظمهم، على غرار البحري، وضعوا قيد "الإقامة الجبرية" المتساهلة، مما يعني أن بإمكانهم التنقل بحرية في أنحاء صنعاء، شرط أن يزوروا بشكل منتظم المسؤولين عن مراقبة إطلاق سراحهم. وقد حضر نحو 400 سجين صفوف الهتار، وتابوا وأطلق سراحهم.
الآن وقد تعهد الرئيس باراك أوباما بإغلاق معتقل غوانتانامو في غضون عام، يريد بعض المسؤولين اليمنيين والأمريكيين الاستعانة بالهتار من جديد. نحو نصف المعتقلين في غوانتانامو - نحو100 من ال240 الذين لايزالون معتقلين - هم من اليمن أصلا. ومن شأن برنامج إعادة تأهيل يمني جديد أن يتيح لأوباما إرسالهم إلى موطنهم ويوفر له غطاء سياسيا, وكبش فداء إن ساءت الأمور. العام الماضي، أعلن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح أنه أبرم اتفاقية مع الولايات المتحدة لبناء حرم للعائدين، بأموال أمريكية. وعندما التقيت صالح بعد ظهر أحد الأيام أخيرا، قال لي إن الأمريكيين وعدوه بتوفير 11 مليون دولار لبناء المجمع. وأصر الرئيس على الاستعانة بالهتار في إدارة البرنامج الجديد.

ثمة مشكلة واحدة في كل هذا: فبرنامج الهتار غير فعال. فبحلول عام 2004، كان بعض خريجي القاضي يظهرون في العراق، حسبما حذر المسؤولون الأمريكيون نظراءهم اليمنيين. وبين تلامذة الهتار، كان البرنامج يعتبر مهزلة. يقول سجين سابق اكتفى بتسمية نفسه "أبو حورية" لتجنب إعادة جذب انتباه الاستخبارات: "بصراحة، كان الجميع يستهزئون به. فهمنا جميعا أنها طريقة لابتزاز المال من الأمريكيين. كانوا يلعبون معنا". حتى صالح يقر بأن برنامج الهتار كان فعالا بنسبة 60 بالمائة فقط. عيبه الأساسي يبدو بديهيا: فالسجين مستعد لقول أي شيء من أجل الخروج من السجن. وقد قال لي البحري: "لو طلب إلي الشيطان نفسه أن أوقع، لفعلت ذلك"، مضيفا أن برنامج الهتار كان "عديم الجدوى بالكامل".
قصة القاضي والجهادي هي دليل آخر على مدى تحول مسألة غوانتانامو إلى قضية شائكة بالنسبة إلى إدارة أوباما. فالشهر الماضي، صوت الجمهوريون والديموقراطيون في الكونغرس بغالبية ساحقة ضد توفير 80 مليون دولار لإغلاق المعتقل، مطالبين بأن يقدم البيت الأبيض خطة أكثر تفصيلا بشأن المكان الذي سيتم إرسال السجناء المتبقين إليه. وقد استغل المعلقون اليمينيون هذا الجدال لتجييش الرأي العام ضد فكرة إحضار المعتقلين إلى الولايات المتحدة، حتى وإن وضعوا في سجون مشددة الحراسة. إن برامج إعادة التأهيل الأجنبية مثل برنامج الهتار تبدو ظاهريا على الأقل بديلا جذابا. لكن قلة من البلدان الأجنبية مستعدة لفتح أبوابها أيضا. وتلك التي ترغب في استعادة مواطنيها لديها تحدياتها الخاصة، لا سيما فيما يتعلق بضمان عدم عودة المعتقلين إلى ممارسة الإرهاب. بعض المسؤولين الأمريكيين قلقون الآن بشأن قدرة اليمن على استيعاب وإصلاح مواطنيها المسجونين في غوانتانامو، لدرجة أنهم يحثون البلدان الأغنى والأكثر استقرارا مثل السعودية على استقبال اليمنيين.
لايزال حمود الهتار يصر على أن برنامجه يشكل الطريقة المثلى للتعامل مع المعتقلين. عندما زرت الهتار في منزله في صنعاء ذات مساء، ذكرت له ما قاله تلميذه السابق البحري عن عدم فعالية برنامجه. القاضي الذي كان جالسا على وسادة على أرضية صالونه، بقي صامتا لبرهة طويلة وبدا أن مشاعره قد جرحت بعض الشيء. مضغ كرة من أوراق القات وهو منبه خفيف واسع الانتشار في اليمن - في فمه. ثم رفع حاجبيه اللذين يبقيهما مرتفعين عادة على طريقة أساتذة المدارس غير الراضين عن تلامذتهم، ونظر إلي من فوق نظارتين بلا إطار جاثمتين على منتصف أنفه. بدا مرتبكا. وقال لي بهدوء: "كان ناصر يبلي بلاء حسنا في البرنامج".
إذا كان الهتار حساسا فيما يتعلق بقيمة البرنامج، فقد يعود ذلك إلى ارتباط هويته الخاصة بنجاحه. ويمكن تقسيم شعب اليمن بشكل عام إلى ثلاث قبائل أساسية» وقبيلة الهتار مذحج هي الأقل نفوذا بينها. لقد ولد في مقاطعة يمنية صغيرة تدعى إب، حيث كان والداه يزرعان الذرة والسرغوم والقات. وخلال نشأته في أواخر خمسينات القرن الماضي، كانت إب لاتزال منطقة ريفية متخلفة. لم يكن فيها مدارس حقيقية، بل كانت مجموعة صغيرة من التلاميذ تجتمع في مسجد محلي. عندما أصبح الهتار مراهقا، أراد بلوغ مستوى علمي أكثر تقدما. وكان مجال القانون يجذبه بشكل خاص. قال لي: "شعرت بأن القضاء مميز. لم يكن بإمكان أحد أن يفرض رأيه عليك". وكان القاضي "قادرا على فعل ما يشاء". فقام الهتار برحلة إلى صنعاء دامت ثلاثة أيام، على ظهر حمار في جزء منها، من أجل بدء صفوفه.
اليوم، نادرا ما يبتعد الهتار عن شخصيته المكتسبة. فهو يلبس بشكل شبه دائم رداء القاضي التقليدي ويحمل الخنجر المرصع بالذهب الذي يشير إلى مكانته. لكن يسهل نسيان أنه اخترع هذه الشخصية المحترمة بنفسه بشكل عام. فالهتار، كما قال لي أحد الأصدقاء اليمنيين، "اخترع نفسه بنفسه".
هذه النزعة المستقلة تطال أيضا آراءه السياسية الشخصية. فعائلة الهتار، مثل معظم العائلات الريفية اليمنية، مسلمة ومتدينة. لكن عندما كان شابا، وجد الهتار نفسه مفتونا بجمال عبد الناصر، القائد القومي العربي المصري الساحر. يتذكر القاضي: "كان لدي نزعات إسلامية. لكن عبد الناصر كان جذابا جدا. وأعجبني وكنت أكن له التقدير. كان قادرا على تعبئة الجماهير". كان الهتار في ال12 من عمره فقط عندما هزم الجيش الإسرائيلي عبدالناصر وحلفاءه في حرب الأيام الستة عام 1967، مزعزعا هالة القائد القومي. الهتار، على غرار غيره من الشبان العرب والمسلمين آنذاك، بدأ يبحث عن أبطال جدد. وبعد خمس سنوات، عام 1972، التحق بالمجموعة المحلية من الإخوان المسلمين.
وفرت المجموعة للحيتار حسا بالانتماء ومنفذا لرغبته في خدمة المجتمع. "في ذلك الحين، شعرنا بأنها الحركة الوحيدة المناهضة للشيوعية. شعرنا بأن الشيوعية منافية للطبيعة البشرية"، كما يتذكر. ومع ذلك، أحس في النهاية بأن تنظيم الإخوان المسلمين متشدد دينيا وغير متسامح. وبعيد بدء مسيرته كقاض، في أوائل ثمانينات القرن الماضي، ترك الهتار التنظيم وانضم إلى الحزب الحاكم بقيادة الرئيس صالح.
بصفته قاضيا، تحدى الهتار التقاليد الاجتماعية التقليدية اليمنية. وترأس أبرز قضية في حياته المهنية عام 1984، عندما اتُهم مسلمان محليان بقتل يهوديين يمنيين. وبحسب تقليد ضمني قديم، لم يكن يحكم على المسلمين المدانين بقتل يهود بالإعدام. لكن ذلك بدا غير عادل لحيتار. "شعرت بتضارب بين ثقافتي وضميري. كان ضميري يقول لي إن كل البشر متساوون. وثقافتي تقول لي عكس ذلك. بحثت في القرآن والسنة وتاريخ الخلفاء. لم يميز أي منها بين المسلمين وغير المسلمين. فالروح هي روح"، كما قال لي. في الجلسة الأخيرة، حكم الهتار على المسلمين بالإعدام. فتعالت الهمسات في قاعة المحكمة تدريجيا متحولة إلى دمدمة. وفي النهاية تلقى القاضي تهديدات بالقتل بسبب الحكم الذي أصدره.
لا تصعب رؤية السبب الذي يجعل الهتار شخصية جذابة لصانعي السياسات الأمريكيين الذين يبحثون عن مخرج من ورطة غوانتانامو. فهذا القاضي جريء وعصامي ومستقل التفكير وعادل. "إنه رجل لطيف"، كما قال لي أحد الدبلوماسيين الغربيين. حاول الكثيرون تقليد برنامج الهتار الأصلي، بما في ذلك في السعودية، التي أدارت مرفقا خاصا بها وناجحا نسبيا لإعادة التأهيل طوال السنوات الخمس الماضية. ففضلا عن الجدالات الإيديولوجية، يستعين البرنامج السعودي بنظام معقد قائم على الترغيب والترهيب لإبقاء الجهاديين السابقين تحت السيطرة. وعندما يصل الجهاديون إلى مركز إعادة التأهيل، تقدم لهم ألواح شوكولاتة وتوفر لهم ألعاب فيديو للتسلية. لكن العقاب يمكن أن يكون قاسيا جدا إذا عادوا إلى ممارساتهم السابقة. فعندما يطلق سراح أحد الجهاديين، يطلب المسؤولون السعوديون من عائلة السجين أن تعدهم بأنها ستبقيه على المسار الصحيح. إذا عاد لممارسة العنف، يمكن معاقبة العائلة بأسرها.
من أجل الاهتمام بشؤون المعتقلين السابقين في غوانتانامو، بدأ المسؤولون الأمريكيون عن مكافحة الإرهاب بالتحدث مع مسؤولين يمنيين في بداية العام الماضي بشأن إعادة تفعيل برنامج إعادة التأهيل. يقول مسؤول يمني كبير، لم يشأ الكشف عن هويته لتكلمه عن محادثات مع الأمريكيين: "أرادوا اتباع النموذج السعودي. فقلنا لهم: اإذا كنتم تحبون هذا البرنامج، فسنتبعه بالكامل»".
حتى قبل انتخاب أوباما، بدأ يتضح بشكل متزايد أنه سيتوجب إغلاق معتقل غوانتانامو. ففي سلسلة من القضايا المرفوعة في المحاكم الأمريكية أتت الأحكام لمصلحة حقوق المعتقلين، بما في ذلك قضية سائق أسامة بن لادن السابق، سليم حمدان، وهو يمني. أعيد 15 معتقلا من غوانتانامو إلى اليمن، بمن فيهم حمدان» وستتوجب إعادة عدد أكبر بكثير. وقد بدأت الأحزاب الإسلامية المعارضة في اليمن باستغلال قضية المعتقلين للانقضاض على الحزب الحاكم، مطالبة بعودة السجناء. بعد الإعلان الذي أطلقه صالح في الربيع الماضي، خصصت الحكومة لهذه الغاية قطعة أرض في مدينة عدن الساحلية، وفقا لمسؤول يمني كبير، وصممت حرما واسعا يتضمن "مساجد ومدارس وغرفا مخصصة للقاء الرجال بزوجاتهم ومعاشرتهن".
لكن الأموال لم تصل قط. قال لي صالح فيما كنا جالسين في باحة قصره في صنعاء: "وعدنا الأصدقاء الأمريكيون بأنهم سيساعدون في التمويل، فالكلفة ستبلغ 11 مليون دولار. ونحن ننتظر الأموال". سألته عن سبب التأخير برأيه. فغاص الرئيس في كرسيه، وضرب ركبتيه الواحدة بالأخرى، وارتسمت على وجهه ابتسامة واهنة. ثم قال: "لعل الأمريكيين يفتقرون إلى المال الآن". أحد المسؤولين اليمنيين الآخرين الذين تكلمت معهم قبل بضعة أسابيع أجاب بشكل أقل دبلوماسية، متذمرا: "ما الذي يجري بحق السماء؟ هذه كانت فكرتكم!" (يصر المسؤولون الأمريكيون على عدم وجود اتفاقية حاسمة بشأن التمويل).
يحق للمسؤولين الأمريكيين أن يكونوا مترددين بشأن إعطاء الحكومة اليمنية مبالغ كبيرة من المال من دون الحصول على ضمانات بأن هذه الأموال ستنفق بالشكل المحدد. فالفوضى تزداد هناك. ففي أبريل، قال الجنرال ديفيد بترايوس، قائد القيادة الوسطى، للكونغرس إن اليمن ملاذ شعبي جديد لمقاتلي تنظيم القاعدة. في شهر مارس، فجر انتحاري نفسه في موقع أثري مكتظ بالسياح، مما أسفر عن مقتل أربعة كوريين جنوبيين. وبعد أسبوع، هاجم انتحاري آخر موكب مسؤولين كوريين أتوا للتحقيق في الهجوم السابق. (لم يقتل أحد في التفجير الثاني). بعض الأمريكيين اقترحوا فكرة إخضاع المعتقلين اليمنيين للبرنامج السعودي الأكثر نجاحا. وهذا الربيع، سافر جون برينان، مستشار أوباما لمكافحة الإرهاب، إلى صنعاء للقاء صالح، وقال للرئيس اليمني إن واشنطن قلقة بشكل متزايد بشأن قدرة اليمن على استيعاب المعتقلين. وعندما سألت صالح عن اجتماعه ببرينان، بدا الرئيس مستاء. وأجاب بحدة: "لسنا جنودا مطيعين للولايات المتحدة. لا نوافق على كل ما يطلبونه. لسنا موظفيكم".
هذا واضح. فلطالما كان للحكومة اليمنية علاقة معقدة مع تنظيم القاعدة. ففي السابق، استغل صالح الإسلاميين ضد خصومه السياسيين في الداخل. والجميع يعرفون أن صالح استعان بمقاتلين سابقين من الحرب الأفغانية في ثمانينات القرن الماضي لمقاتلة أعدائه الاشتراكيين في جنوب اليمن خلال الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد في تسعينات القرن الماضي. الصيف الماضي، هدد عبد المجيد الزنداني، وهو إسلامي يمني مصنف بأنه إرهابي من قبل وزارة الخارجية الأمريكية، بحشد آلاف الرجال للقتال إلى جانب الجيش اليمني ضد رجال القبائل الحوثيين المتمردين في شمال البلاد، وفقا لدبلوماسي غربي.
نتيجة لذلك، تنظر الحكومة اليمنية إلى بعض عناصر القاعدة على الأقل على أنهم حلفاء لها أكثر منهم تهديدا وجوديا. التحدي الأكبر لاستقرار النظام، كما قال لي وزير الخارجية اليمني أبو بكر القربي، متأت من الاشتراكيين والحوثيين. صحيح أن جيلا جديدا من أعضاء تنظيم القاعدة الأكثر تطرفا يمثل مشكلة أيضا. لكن تنظيم القاعدة "لا يملك أجندة حقيقية" بحسب وزير الخارجية. وبالتالي، فإن المسائل والأسئلة التي يطرحها تنظيم القاعدة بشأن معتقلي غوانتانامو تقابل بعدم الاكتراث من قبل السلطات اليمنية. وقد قال أحد المسؤولين اليمنيين فيما يتعلق بالعائدين من غوانتانامو: "افعلوا بهم ما تشاءون. عذبوهم. اقصفوهم. أرسلوهم إلى بلد ينفذ حكم الإعدام".
هذا الموقف هو سبب إضافي يدعو المسؤولين الأمريكيين إلى توخي الحذر. فمراكز إعادة التأهيل، بما في ذلك البرنامج السعودي، ليست طوعية. إذا كان اليمنيون محقين في قولهم إن الولايات المتحدة وعدت بالمساهمة في دفع تكاليف مركز إعادة التأهيل، فإن إدارة أوباما ستمول بذلك سجنا أجنبيا في الوقت الذي تحاول فيه واشنطن إبعاد نفسها عن مسألة السجون السرية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية والترحيلات القسرية إلى بلدان تعذب السجناء لاستخراج المعلومات منهم. وقد قال لي خالد العنسي، مدير الهيئة الوطنية للدفاع عن الحريات والحقوق اليمنية (هود)، إنه بدأ في الخريف الماضي بالتذمر للمسؤولين الأمريكيين من أن مركز إعادة تأهيل غير طوعي سينتهك حقوق المعتقلين. "سجون صنعاء الشبيهة بغوانتانامو أسوأ بكثير من معتقل غوانتانامو الحقيقي"، كما يقول العنسي. أحد الحلول المحتملة يقضي بأن تحث الولايات المتحدة السعوديين بهدوء على تمويل البرنامج اليمني. ويقر وزير الخارجية اليمني بأن الفكرة قد تكون ناجحة، لكنه ينكر حدوث أي مناقشات بشأنها.
إن ثروة السعودية الطائلة مسؤولة بشكل جزئي على الأقل عن النجاح النسبي لمرفق المملكة. ويثنى على البرنامج السعودي لقدرته على الإقناع الإيديولوجي، لكنه قد يكون فعالا في الحقيقة لأن الحكومة تشتري المجاهدين. يحصل الخريجون على المال، وفي بعض الحالات على وظائف وسيارات ومنازل لمساعدتهم على الاندماج في المجتمع. اليمنيون، من جهتهم، يدعون أنهم لا يملكون الأموال الكافية لتوفير هذه الهبات السخية. اليمن هو أفقر بلد في الشرق الأوسط، ويبلغ معدل البطالة فيه 35 بالمائة. ويدعي بعض المسؤولين اليمنيين بأن بإمكانهم القيام بأمور أفضل من إنشاء مركز إعادة تأهيل ل100 رجل بكلفة 11 مليون دولار. يقول عبد الكريم الأرياني، وهو رئيس وزراء سابق ومستشار حالي للرئيس: "لا يمكن لليمن أن تنفق مالها الثمين على مركز كهذا". أفضل ما يمكن للحكومة أن تقدمه لخريجي البرنامج هو وظائف في الجيش, تدر نحو 100 دولار في الشهر. لكن إعطاء معتقلي غوانتانامو السابقين أسلحة وبزات عسكرية وتدريبهم يطرح مشاكل بحد ذاته.
أخيرا، حتى لو جرت الأمور على ما يرام فيما يتعلق ببرنامج الهتار إن توفر المال ولم تتم الإساءة إلى المعتقلين وكانت القدرات الإقناعية للقاضي فعالة بشكل غير اعتيادي ما من ضمانة بأن تعاليم الهتار ستتوافق مع المصالح الأمريكية. لقد أوقف برنامجه السابق عام 2005 جزئيا بسبب اعتراضات بعض المسؤولين الأمريكيين. قال لي رئيس الوزراء السابق الأرياني إن السلطات الأمريكية آنذاك كلمته وقالت له إنها متأكدة من أن خريجي برنامج الهتار يتم إلقاء القبض عليهم وهم يقاتلون الأمريكيين في العراق. حتى اليوم، لم يعتذر الهتار. فقد قال لي القاضي: "لم تكن مسألة العراق جزءا من الحوار. لست مسؤولا عن العراق. لم يعلمني أحد بضرورة إجراء حوار بشأن ذلك". وفسر لي الهتار أنه شخصيا يعارض سفر اليمنيين إلى العراق للقتال: "الجهاد تعبد. إنه مثل الصلاة. له شروطه". مع ذلك، "إذا أراد أحدهم الذهاب بصفة فردية، فلا يمكن منعه".
على الرغم من أسفاره مع بن لادن، يقول تلميذ الهتار المشاكس، ناصر البحري، إنه لم يذهب قط إلى العراق. وعندما سألته إن كان يوافق على سفر الشبان اليمنيين للقتال في الخارج، جفل قليلا ورفع عينيه قائلا: "بحسب خبرتي، من الخطأ إرسال شبان سذج. هؤلاء الرجال لا يفهمون الدين بعد. عليهم أن يعرفوا معنى الجهاد أولا". لكنه قال لي إنه لو كان أصغر سنا ولم يكن مراقبا، لربما ذهب بنفسه. وأضاف الجهادي السابق أن كل محاضرات الهتار لم تقنعه. "لا أزال أكره الغطرسة الأمريكية. لا أزال أكره الجيش الأمريكي". ثم ابتسم ورفع كوب الشاي مرددا: "لا أزال أكره".

* عن مجلة النيوزيك العربية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.